لماذا نال يوسف عليه السلام تلك المنزلة العالية؟

في هذه المقالة أحببت التحدث عن رمزيات بعض الأمور التي تكون دافعاً في كثيرٍ من الأحيان للمضي في مصاعب الحياة وتحمل عناءها وتحمل الظروف القاسية التي يمر بها كثيرٌ من الناس.. فرغم الآسى الذي يعيشه البعض إلا أن هناك حجمٌ كبير من التفاؤل لديه وإذا رجعت إلى السبب في ذلك لوجدت أنه الإيمان بالله عز وجل هو الدافع والمحرك لهذا التفاؤل الذي إن تكلم لقال: أصبر فالقادم خير، وهذا ما يشجع الإنسان المسلم على البقاء حياً في كثيرٍ من الأحيان صراحةً، فحسن الظن بالله جميلٌ جداً ويجعل الشفاه تبتسم رغم ضراوة الظروف وقسوة المعيشة وتكبر وتجبر الظلمة من حولنا وهذا مصداق لقوله تعالى: "إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" فإن لم يكن فرجاً وراحةً دنيوية كان خيراً وأجراً طيباً في الآخرة وهذا هو المعتقد السليم الصحيح الذي يجب أن تتمتع به كل النفوس.

فهذه الآية هي خلاصة قصة سورة يوسف عليه السلام ودرسها الأهم، وهي خلاصة المحن العظام التي اجتازها يوسف واحدةً تلو الأخرى، ومعناها أن العبد لن ينال مراده إلا بالتقوى والصبر. قال المراغي: "أي إن الحق الذي نطقت به الشرائع وأرشدت إليه التجارب هو: من يتق الله فيما به أمر وعنه نهى، ويصبر على ما أصابه من المحن وفتن الشهوات والأهواء، فلا يستعجل الأقدار بشىء قبل أوانه، فإن الله لا يضيع أجره فى الدنيا ثم يؤتيه أجره فى الآخرة. إخوتي انظروا إلى علو قدر يعقوب عليه السلام ببلائه، وعزّ يوسف في صبره وثباته، وليكن حظكم من هذه القصة: "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ"، يوسف ٩٠.

من جزاء التقوى والصبر الذي كافأ الله به نبيه يوسف عليه السلام تلك الشهرة التي نالها حتى أن سورة في القرآن نزلت باسمه، وصار كل مبتلى يتسلى بها ويستبشر

وهناك كلام جميل جداً قاله الشَّيخ أبو محمد عبد القادر الكيلاني في كتابه (فتوح الغيب): "لابد لكل مُؤمن من أمر يمتثله ونهي يجتنبه وقَدَر يرضى به، فأقلُّ حالة لا يخلو المؤمن فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يلزم هَمُّها قلبه، وليُحدِّث بها نفسه ويأخُذ بها الجوارِح في سائر أحواله". وقد شرح ابن تيمية كلام الشيخ عبد القادر واستحسنه بقوله: "هذا كلام شريف جامع يحتاج إليه كل أحد، وهو تفصيل لما يحتاج إليه العبد وهي مطابقة لقوله تعالى: "إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ" ولقوله تعالى: "وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا" آل عمران: 120. ولقوله تعالى: "وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" آل عمران: 186. 

فإن التقوى تتضمن فعل المأمور وترك المحظور، والصبر على المقدور، فالثلاثة ترجع إلى هذين الأصليين، والثلاثة في الحقيقة ترجع إلى امتثال الأمر وهو طاعة الله ورسوله، ومن جزاء التقوى والصبر الذي كافأ الله به نبيه يوسف عليه السلام تلك الشهرة التي نالها حتى أن سورة في القرآن نزلت باسمه، وصار كل مبتلى يتسلى بها ويستبشر، وهي شهرةٌ يفوز بها كلُّ متَّقٍ صابر، لتكون بعض ثوابه الدنيوي يستأنس به حتى يدرك الأخروي، واختم معكم مقالتي بقصةٍ جميلة فيها موعظة وفائدة كبيرة ذكرها الإمام التنوخي في كتابه (الفرج بعد الشدة) تتكلم عن الصبر والتقوى.
 
عن الأصمعي قال: كنت بالبصرة أطلب العلم، وأنا فقير، وكان على باب زقاقنا بقّال، إذا خرجتُ باكراً يقول لي إلى أين؟ فأقول إلى فلان المحدّث. وإذا عدت مساء يقول لي: من أين؟ فأقول من عند فلان الإخباريّ أو اللغويّ. فيقول البقال: يا هذا، اقبل وصيّتي، أنت شاب فلا تضيّع نفسك في هذا الهراء، واطلب عملاً يعود عليك نفعه وأعطني جميع ما عندك من الكتب فأحرقها. فوالله لو طلبت مني بجميع كتبك جزرة، ما أعطيتُك! فلما ضاق صدري بمداومته هذا الكلام، صرت أخرج من بيتي ليلا وأدخله ليلا، وحالي، في خلال ذلك، تزداد ضيقا، حتى اضطررت إلى بيع ثياب لي، وبقيت لا أهتدي إلى نفقة يومي، وطال شعري، وأخلق ثوبي، واتّسخ بدني.

فأنا كذلك، متحيّراً في أمري، إذ جاءني خادم للأمير محمد بن سليمان الهاشمي فقال لي: أجب الأمير. فقلت: ما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر إلى ما ترى؟ فلما رأى سوء حالي وقبح منظري، رجع فأخبر محمد بن سليمان بخبري، ثم عاد إليّ ومعه تخوت ثياب، ودرج فيه بخور، وكيس فيه ألف دينار، وقال: قد أمرني الأمير أن أُدخلك الحمام، وأُلبِسك من هذه الثياب وأدع باقيها عندك، وأطعِمك من هذا الطعام، وأبخّرك، لترجع إليك نفسك، ثم أحملك إليه. فسررت سرورا شديدا، ودعوتُ له، وعملتُ ما قال، ومضيت معه حتى دخلت على محمد بن سليمان. فلما سلّمتُ عليه، قرّبني ورفعني ثم قال: يا عبد الملك، قد سمعت عنك، واخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين، فتجهّز للخروج إلى بغداد. فشكرته ودعوت له، وقلت: سمعاً وطاعة. سآخذ شيئا من كتبي وأتوجّه إليه غدا.

وعدت إلى داري فأخذت ما احتجت إليه من الكتب، وجعلتُ باقيها في حجرة سددتُ بابها، وأقعدت في الدار عجوزا من أهلنا تحفظها. فلما وصلت إلى بغداد دخلت على أمير المؤمنين هارون الرشيد. قال: أنت عبد الملك الأصمعي؟ قلت: نعم، أنا عبد الملك الأصمعي يا أمير المؤمنين. قال أعلم أن ولد الرجل مهجة قلبه. وها أنا أسلم إليك ابني محمدا بأمانة الله. فلا تعلمه ما يُفسد عليه دينه، فلعله أن يكون للمسلمين إماما. قلت: السمع والطاعة. فأخرجه إليّ، وحُوِّلْتُ معه إلى دار قد أُخليت لتأديبه، وأجرى عليّ في كل شهر عشرة آلاف درهم. فأقمت معه حتى قرأ القرآن، وتفقّه في الدين، وروي الشعر واللغة، وعلم أيام الناس وأخبارهم.

واستعرضه الرشيد فأُعجب به وقال: أريد أن يصلي بالناس في يوم الجمعة، فاختر له خطبة فحفِّظْه إياها. فحفّظتُه عشراً، وخرج فصلى بالناس وأنا معه، فأعجب الرشيد به وأتتني الجوائز والصلات من كل ناحية، فجمعت مالاً عظيماً اشتريت به عقارا وضياعاً وبنيت لنفسي داراً بالبصرة. فلما عمرت الدار وكثرت الضياع، استأذنتُ الرشيد في الانحدار إلى البصرة، فأذن لي. فلما جئتها أقبل عليّ أهلها للتحية وقد فَشَتْ فيهم أخبار نعمتي. وتأمّلت من جاءني، فإذا بينهم البقال وعليه عمامة وسخة، وجبّة قصيرة. فلما رآني صاح: عبد الملك! فضحكت من حماقته ومخاطبته إيّاي بما كان يخاطبني به الرشيد ثم قلت له: يا هذا! قد والله جاءتني كتبي بما هو خير من الجَزَرَة!



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة