مارس القرصنة وقطع الرؤوس.. ما لا تعرفه عن "فاسكو دا غاما"!

ظلت طريق الحرير الممر التجاري الوحيد الواصل بين الشرق والغرب حتى استسلام غرناطة عام 1492، وأفول شمس دولة الإسلام في شبه جزيرة إيبيريا التي حكمها المسلمون زهاء ثمانية قرون، وأرسوا فيها حواضراً ومناراتٍ عمرانية وفكرية وأدبية ما تزال تحكي للدنيا الكثير من الخواطر والذكريات على أطلال المجد الغابر.

 

وما أن تم حسم مصير وجود العرب في الأندلس، وتخييرهم بين التنصير أو التطهير أو الترحيل حتى بدأت إسبانيا والبرتغال تعدان العدة للتوسع الامبراطوري خارج الحدود، واتفق الطرفان في معاهدة توردسيلاس عام 1494 على ترسيم نظام عالمي جديد يقضي بتقاسم الغزو الاستعماري والهيمنة على الشعوب باتجاه الأولى غرب الكرة الأرضية والثانية نحو الشرق للسيطرة على أفريقيا والمشرق الإسلامي وصولاً إلى الهند وإندونيسيا. ونتيجة لذلك دخلت مملكة البرتغال في حروب بحرية دامية مع دولة المماليك في مصر والشام، والدولة العثمانية الناشئة والممالك الإسلامية في الهند التي بدأت تستشعر الخطر من تزايد النفوذ العسكري البرتغالي في المياه الإسلامية.

 

كان الإنجيل والذهب والمجد هو المحرض الرئيسي للكشوف الجغرافية نحو العالم الجديد التي بدأها جواو الأول في عشرينيات القرن الرابع عشر وأكملها خلفاء التاج من بعده بدعم روحي من البابا نيقولا الخامس الذي كان يكن الحقد الدفين للمسلمين، ويشعر بالخطر الشديد يقترب من عتبات أبوابه عندما تمكن آل عثمان من فتح القسطنطينية عام 1453، وشاهد زحف الكتائب الإسلامية إلى فينا وليون في فرنسا؛ الأمر الذي يهدد الوجود البابوي في روما والفاتيكان.

   

  

ومنذ بداية الكشوفات الجغرافية الجديدة التي تغذيها الكثير من الدوافع الاستعمارية للسيطرة على الأمم الأخرى قدم ملوك البرتغال تفسيراً تبشيرياً محضاً لطبيعة التوجه القائم، وأعلنوا أن الغرض من تحريك الأساطيل البحرية المجهزة بالمدافع ورايات الصلبان تخفق على صواريها هو البحث عن مملكة القديس يوحنا في أفريقيا والتي ليس لها أي وجود في الواقع؛ وذلك لشحن الجند وحثهم على الطاعة والقتال، والإسراع في تطويق العالم الإسلامي بفتح ممرات تجارية جديدة إلى الهند بالدوران حول أفريقيا بدلاً من طريق الحرير القديم.

 

وتكشف الكثير من الوثائق والشهادات التاريخية والمراسلات الحربية للقادة البرتغاليين عن وجود خطة خطيرة تقودها الإرساليات التبشيرية في الحبشة لتغيير مجرى نهر النيل؛ لحرمان مصر من المياه اللازمة للزراعة كي تصاب بالقحط والجفاف. وبذات النهم وصلت الأساطيل البرتغالية إلى البحر الأحمر لضرب قلب المسلمين في مقتل بنبش قبر الرسول ﷺ ونقله إلى لشبونة، تلك الفكرة التي بقيت حية في الوجدان المسيحي منذ زمن الفتوحات الإسلامية الأولى، وليست وليدة الهزائم الصليبية المتأخرة في معركة حطين وتحرير بيت المقدس.

 

لم يكن الإنجيل وحده هو المحفز للعنفوان البرتغالي والرغبة في غزو البحار والمحيطات وإن كان هو الأهم على الإطلاق، بل كان لدى ملوك البرتغال الرغبة في السيطرة على الموانئ والممرات الملاحية في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق هرمز وبحر العرب، واحتكار تجارة التوابل القادمة من الهند للحصول على البضائع التي تحتاجها أوروبا بأبخس الأثمان، واسترضاء الطبقة البورجوازية الناشئة التي تبحث عن المزيد من الثراء، فضلاً عن الوصول إلى كنوز الذهب والقمح والرقيق في أفريقيا التي تخضع معظمها للحكم الإسلامي وتعاني من الضعف والتناحر.

 

ومع أن البرتغاليين قد وجهوا أشرعة سفنهم وفوهات مدافعهم نحو الشرق الإسلامي حتى لا يعود المسلمون الفاتحون إلى الأندلس مرة أخرى وضمان نجاح ما اصطلح عليه في هستريغرافيا تلك الحقبة بحروب الاسترداد المسيحي، إلا أن التاج البرتغالي ومن خلفه الكثير من المغامرين كانوا يرغبون في تحقيق المجد والشهرة بمحاكاة القصص والروايات الأسطورية والملاحم الحربية التي سمعوا عنها في تراثهم وأثارت في نفوسهم نوازع الشغف وحب المجازفة والبحث عن ما وراء البحار؛ لاسيما في ظل القناعة المتزايدة لديهم عن وجود عوالم وأجناس بشرية خلف بحر الظلمات لم يصل إليهم أحد ولا يعرف عن حياتهم إلا الأخبار القليلة.

 

بعد هذا التقديم التوضيحي للخط البياني الذي دفع البرتغاليين لغزو الشرق الإسلامي، وتغيير قواعد الاشتباك في عرض البحر وعلى اليابس نأتي إلى جوهر المقالة هذه ونطرح السؤال التالي: هل كان فاسكو دا غاما مستكشفاً عظيماً أنعش ذاكرة الإنسانية بإنجازات تضاريسية وحضارية غيرت وجه الكرة الأرضية؟ أليس من التجني وعدم الإنصاف وصف دا غاما بالمجرم والسفاح الأثيم السافك لدماء المسلمين أم أن في المسألة الكثير من الحقائق التي بقيت في صناديق مقفلة لسنوات عديدة؟ هل التاريخ كما قال بورخيس مجرد حكاية خيالية يعاد سردها أو إسكاتها من قبل مؤسسات تتلاعب في عقولنا ومعارفنا أم من المستحيل كتابة التاريخ دون تضليل وفراغات طالما أنه يكتب بحبر الحكام والمنتصرين في المعارك؟

   

  

قبل إثبات أو نفي التهمة عن هذا المستكشف المثير للجدل لابد من الإشارة إلى أن مناهجنا الدراسية قد أبدت حباً وإعجاباً منقطع النظير ببراعة دا غاما، وعملت في جميع طبعاتها السابقة واللاحقة على ترسيخ هذا المبدأ وإنعاش ذاك المفهوم في نفوس الأجيال، وحرضت على أن يبقى العرفان لهذا المستكشف الفذ ثقافة متناقلة ومعتقدات متوارثة لا تقبل مجرد الطعن أو التشكيك.

 

لكن الحقيقة التي لا يرقى إليها الشك أن دا غاما جاء إلى الشرق لنشر التنصير بصفته الروحية أحد فرسان مجموعة القديس سانتياغو، وقام هذا البحار المجرم بهدم 300 مسجدٍ في مدينة كيلوا عند وصوله إلى شرق أفريقيا، وإغراق سفينة للحجاج في بحر العرب كان على متنها ما يزيد على 100 حاجٍ، وتدمير مجموعة من المراكب المحملة بالبضائع قادمة من الهند.

 

لا شك أن فاسكو دا غاما استطاع تحقيق الكثير من الصيت الزائف بصفته بطلاً ملهماً استحوذ على بطون ومتون الكتب، ومغامراً فذاً حملته كشوفاته في الوصول إلى رأس الرجاء الصالح

وفي رحلة ثانية إلى الهند أقدم دا غاما على قرصنة أحد السفن العربية التي تقل ما يزيد على 380 حاجٍ وسلب متاعهم ثم حرقهم وهم أحياء بمن معهم من أطفال ونساء وشيوخ دون رحمة ولا شفقة. كما قام بشنق 38 صيادٍ وقطع رؤوسهم وأطرافهم لإرهاب السكان وإجبارهم على الخضوع والاستسلام. وعندما وصل دا غاما إلى الموزمبيق قصفها بالمدافع ودمرها على رؤوس ساكنيها، أما في الهند فقد طلب من حاكم مدينة كلكتا طرد جميع المسلمين وعاقب كل من لا ينزل تحت أوامره، وفرض على جميع التجار العرب الضرائب والإتاوات مقابل السماح لهم بحرية الملاحة وممارسة نشاطهم التجاري.

 

ما أشبه اليوم بالبارحة فما كان لهذا السقوط أن يحدث لولا حالة التفكك والضعف والتناحر بين المماليك في مصر والطاهرين في اليمن من جهة والعثمانيين والدولة الصفوية من ناحية أخرى، وتحالف إسماعيل الصفوي مع قادة الغزو البرتغالي بزعم أن البرتغال أقل خطراً على ملكه من المماليك؛ الأمر الذي ساعد في سيطرة البرتغاليين على الموانئ والممرات المائية الإسلامية لتخلق بذلك حالة مزمنة من توارث الأدوار بين الدول الاستعمارية في السيطرة على المنطقة والتي ما يزال معمولاً بها حتى يومنا هذا.

 

لا شك أن فاسكو دا غاما استطاع تحقيق الكثير من الصيت الزائف بصفته بطلاً ملهماً استحوذ على بطون ومتون الكتب، ومغامراً فذاً حملته كشوفاته في الوصول إلى رأس الرجاء الصالح بأن يكون ظاهرة استثنائية دون التفكير في أي اعتبار آخر مهما كان صادماً وقاسياً. فكم منا يعلم أن فاسكو دا غاما كان قبل أي شيء مجرماً ماكراً مارس الإرهاب لإشباع نفسيته المريضة المرتجفة من عودة الوجود الإسلامي إلى الأندلس بضربهم في عقر دارهم؟ وكم منا يعلم أن دولة البرتغال التي أعادت كتابة تاريخها في إطار المشروع القومي الكاثوليكي لصناعة وحدة جمعية جديدة تتجاوز حدود الذاكرة قد قامت على أكتاف قسيس حاقد أتخم روحه بالمواعظ والتمائم البابوية التي تحرض على قتل المسلمين وحرقهم واستئصالهم؟

 

الخلاصة لم تكن حملات فاسكو دا غاما وأقرانه المتقدمين والمتأخرين وليدة الصدفة أو طفرة عابرة أفرزتها ظروف موضوعية محددة بقدر ما كانت التزامات سياسية واقتصادية وثقافية متجذرة تحمل في طياتها نزعات عقائدية ووجودية لا تخطئها العين، ولا يمكن لأية قوة مسيحية أن تتنازل عنها مما حاولت أن تبني مع الآخرين من جسور التسامح أو تعزف على أوتار المشترك.

 

وإذا كانت الثورات المسيحية هذه قد أحيت في نفوس أبنائها روح التفكير والتأمل، وقبلت أن تتنازل عن الكثير من النظريات العلمية والمواقف الكنسية التي رزح الإنسان الأوروبي تحت ردائها قروناً طويلةً، وفتحت مسارات جديدة لعصر النهضة الأوروبية وأعادت احياء المكانة الطبيعية للعقل، فإنها في الوقت عينه قد أحيت في وعينا أن حملات المستكشفين هذه هي موقف مستمر للمسيحية بدأ منذ فجر الدعوة المحمدية ولن ينتهي مهما كانت الموازنات والتسويات لدى جميع الأطراف.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة