طقوس الكتابة.. هل لها علاقة بالإلهام؟

كثيرًا ما يقف الواحد منا على نصٍّ من النصوص فيجدُ أنَّ قلبه قد خُطف بسحر لغته، ووقع في حبِّ أفكاره، لتقفز إلى ذهنه بعضٌ من التساؤلات التي يُحرِّكها فضول المعرفة: ما سرُّ هذا الإبداع؟! وهل هناك صلة رحمٍ بين الطقوس التي يُمارسها الكُتَّاب وإلهامهم؟ بادئ بدء يعرَّف الإبداع بأنه إيجاد الشيء من عدم، أما الإلهام فيعني إيقاع شيء في القلب يطمئن له الصدر، يخُص الله به بعض أصفيائه، وفي لفظتَيْ "إيجاد" و"يخصُّ" دِلالة موحية أن الإبداع والإلهام من المواهب النادرة نُدرة الكبريت الأحمر! ولذلك قال المؤلف البريطاني كين روبنسون: "لا يمكنك إعطاء شخص ما حُقَنًا من الإبداع، لكن يمكنك إنشاء طريق يُشجِّع الناس على إخراج أفضل ما عندهم"؛ وهذا يجرُّنا إلى قضيَّة حسَّاسة وهي أنَّ من يكتب مُلْهَمًا ليس كمن يكتبُ مُرْغَمًا!

ولذلك يُنصح بالقراءة للكتَّاب الذين يكتبون مَلَكَةً لا كُلفةً؛ لأنهم يُفرغون ثروة إبداعية على الورق قد تخدمكَ طول حياتكَ، وعلى هذا الأساس جاء كين روبنسون بمقولته: "الإبداع هو أن تضع خيالك في العمل"، فالله حينما ميَّز الإنسان عن غيره من المخاليق بالعقل، ميَّز العاقلين بعضهم عن بعضٍ بالخيال، ولذلك عرَّفَ "أدوين لاند" الإبداع بقوله: "الإبداع هو الانقطاع المفاجئ عن الغباء"، وكأن الإنسان بلا إبداع ينزع ثوب الذكاء ليرتدي عوضًا عنه ثوب الغباء، ومن ثمَّة هو يحفِّزكَ ضمنيًّا إلـى ممارسة الإبداع لكي تثبتَ للآخرين أنكَ لستَ غبيًّا، أو على الأقل تثبتَ ذلك لنفسكَ. ومن هنا يمكنكَ أن تستعير من قولهم: "إذا لـم تتقدَّم، فأنتَ تتقادم"، لتقول لنفسكَ: "إذا لم تُبدعْ، فأنتَ تتغابى"!

الكاتب الروسي الشهير "ديستوفيسكي" كان يترك فكرته تطبخ على نارٍ هادئة دون أن يتعجَّل كتابتها، فإنْ نسيها بانَ له أنها فكرة غير جديرة بالكتابة، بينما لو بقيت تلحُّ عليه فهي لا شكَّ كلمة نورانية تستحقُّ منهُ أن يَكسوها باللغة

أمَّا "طقوس الكتابة" لاستحضار الإلهام فتلك حقيقة تُذكر وواقع لا يُنكر، مهما بلغت هذه الطقوس في غرابتها مبلغًا! لكن وجبَ التنبيه إلى أنَّ الطقوس في الكتابة منها ما هو فطري، ومنها ما يُكتسَبُ تَمَرُّسًا، الأمر الذي يفتح للكتَّاب الذين لا يؤمنون بظاهرة الطقوس نافذة أملٍ لأن يصنعوا طقسًا خاصًّا بهم، فإنَّ هذا من شأنه أن يُجَوِّدَ أعمالهم ويُعمِّق أفكارهم، على خلاف غياب الطقس فإنه يبتلي المضمون بالسطحية واللغة بالركاكة، وهذا يضرُّ بجودة المقروء وسُمعة الكاتب! فلولا غسل الأواني والعزف على البيانو ما حَاكَتْ لنا "أجاثا كريستي" قصصها البوليسية، ولولا الخمسين كوبًا من القهوة التي كان يحتسيها "أونوريه دي بلزاك" حتى فقدَ طعم النوم في حياته ما تفنَّن في كتاباته، ولولا استلقاء "مارك توين" على سريره ما أحبَّ الكتابة، ولولا وقوف "همنجواي"، و"فرجينيا"، و"ولف"، و"تشارلز ديكينز" ما خطَّت أناملهم حرفًا.

ورُويَ عن الكاتب الفرنسي "جوستاف فلوبير" أنه كان يحب امتطاء صهوة الجياد، وذلكَ بُغية تدوين الجُمل التي كانت تحضره ساعتئذٍ، حتَّى عُدَّت الفروسية والأدب والحب من هواياته التي وُسِمَ بها، وهو صاحب القول المأثور: "الجنة في هذا العالم توجد على صهوة جواد، أو في التنقيب في أوراق الكتب، أو بالقرب من امرأة"! ولم تقتصر هذه الطقوس على كتَّاب الغرب فقط، وإن كانت طقوسهم أقرب للجنون منها للعقل، بَيد أنَّ لكتابنا العرب حظٌّ وفير منها، فقد كان أمير الشعراء "أحمد شوقي" إذا أجاءَهُ الإلهام فجأة كتبَ أشعاره على كفِّ يده أو علبة سجائره، وكان "عباس محمود العقاد" يكتب بالحبر الأحمر فقط، وكان "نزار قباني" يُحبُّ الكتابة على الورق المُلوَّن خاصَّة الأصفر والزَّهريَّ منهم، أمَّا "أنيس منصور" فقد كان لا يكتب إلا فجرًا حافيَ القدمين مرتديًا بيجامة نومه!

أمَّا الروائية الجزائرية "أحلام مستغانمي" التي سحرت القلوب بلغتها، وما هذا بعجيب! فالطينة الجزائرية معروفة منذ القِدم بصَوْغِ الألفاظ صَوْغًا يكاد لا يكون له نظير، ونحن بصدد بحثٍ عن "السر وراء فصاحة الكاتب الجزائري"، فقد كانت أحلام تمارسُ طقسًا تفضِّل فيه العُزلة وتغيير رقم هاتفها، والسفر إلـى بلد يجهله الجميع، ناهيكَ أنها تكتب بعد منتصف الليل على سريرها بألوان مائية، وغالبًا ما تُفسد ملاءات السرير! أمَّا الكاتب الجزائري الآخر"واسيني الأعرج" فإنه يميل إلـى الكتابة في بيته، وذلك في ساعات الفجر، وهذا من أَبْرَكِ أوقات الكتابة إذْ يكون فيها الهواء نقيًّا، والهدوء منتشرًا، ولكَ أن تسأل "غوغل" عن علاقة الهواء النقي بالإلهام!

أمَّا الكاتب الروسي الشهير "ديستوفيسكي" فقد كان يترك فكرته تطبخ على نارٍ هادئة دون أن يتعجَّل كتابتها، فإنْ نسيها بانَ له أنها فكرة غير جديرة بالكتابة، بينما لو بقيت تلحُّ عليه فهي لا شكَّ كلمة نورانية تستحقُّ منهُ أن يَكسوها باللغة، ولا يُبقيها فكرة شريدة تتسوَّل منه أن يكتبها! وفي هذه الدِّيستوفيسكيَّة شيء لطيف ينبغي الوقوف عنده، ألاَ وهو طبخ المواضيع طبخًا ناضجًا قبل وضعها على مائدة الورق؛ لأن الأفكار التي توضع برويَّة تحمي نفسها من الخطأ، وتنقذ صاحبها من النقد.

كما من الـمهم أن تعلم أنَّ الإلهام موهبة مقدَّسة، لذلك خليق بكَ أن تُوجِدَ له طقسًا يوازيه في القُدسيَّة، ولا تتبنَّى طقوسًا تشكِّكُ في سلامة عقلكَ بحجَّة أنها تُسعفكَ في كتابة نصوص ما كنتَ لتكتبها لولاها، فالطقوس النظيفة تسعُ الجميع، ولستَ مضطرًّا لأن تخلع ملابسكَ كي تُمطَر إلهامًا كما كان يفعل "فيكتور هوجو"، و"هيرمان ميلر" اللذان كانا يفضِّلان الكتابة في العَرَاءِ؛ لأنَّ التعرِّي لا علاقة له بالإلهام بقدر ما له علاقة بالاضطراب، وإلاَّ لـما وسعَ واحد منَّا أن يخطَّ حرفًا دون أن يخلع ثيابه، ولكَ في "جوستاف فلوبير" مثالٌ فقد كان يكتبُ بكامل ملابسه مضيئًا جميع غُرف منزله حتى ساعات الصباح الأولى، إلـى الحدِّ الذي اعتبرتْ فيه نافذته المضاءة علاَّمًا للذين كانوا يأخذون الطريق النهري ليلاً، ثم لـم يلبث أن أضاء ظلمة الأوراق بحروفٍ للآن ما تزال منقوشة في صخرة التاريخ.

الأمر الذي يحدو بنا إلى إسقاط نظرية "الطقوس المنحرفة" بالقول: "إنَّ الإلهام شيء رباني يتنافى مع الطقوس اللاآدمية"، وأنَّ الأصل في الإنسان أن يكتب وهو ساترٌ لنفسه، لأنَّه لا يتصوَّر عقلاً أن يهبكَ الله نورانية الإلهام وأنتَ كشَّافٌ لعورتكَ! فإن قلتَ: قد مارس العديد من الكتَّاب طقوسًا تتنافى مع القيم وكتبوا كتابات خلَّدها التاريخ، فهنا حريٌّ بكَ التفريق بين "الإلهام" و"شيطان الكتابة" وشتَّان شتان بين الحرف الذي يصدر من منبع نوراني وبين آخر منبعه شيطانيٌّ!

فأنتَ غير مجبَر على سلوك مسالك مشبوهة لتكتب لنا حرفًا تخاله رساليًّا، ناهيكَ أنَّ الطقوس السيِّئة التي تسبق الكتابة ليستْ إلاَّ ضربًا من ضُروب التعوُّد، ونحنُ فقط من صبغناها بصبغة الضرورة، فحينما اشترت الشاعرة الأمريكية "إيمي لويل" عشرة آلاف سيجارة عند قيام الحرب العالمية الأولى خشية ألا تجد سجائر، لكونها كانت تتوسَّل بها لإسقاط الإلهام، لا يعني ضرورة أن التدخين فاتح لشهيَّة الكتابة، فقد كان الروائي المصري "صُنع الله إبراهيم" لا تُفْتَقُ شهيته في الكتابة إلاَّ بعد اعتزال السجائر!

وهذه نقطة جوهرية لا ينبغي أن نغضَّ عنها طرفَ الانتباه، فحينما نُسَلِّمُ أن طقوس الكتابة لها علاقة بالإلهام، لا نعني به ضرورة شرعية الطقوس على أشكالها؛ إذْ من المهمِّ أن ننتقي نوعية الطقس قبل ممارسته! وهنا نَخْلُصُ بالقول: إنَّ طقوس الكتابة جزء لا يتجزَّأ من الإبداع فيها، شريطة أن تكون طقوسًا لها منطقيتها. ولا يفوتني أنْ أذكر هنا أنَّ الطقس ليس بمنزلة الأوكسجين للكتابة بحيث تُخْنَق عند غيابه، لأنَّ هناك شريحة من الكتَّاب يكتبون دون انتظار الزَّمكان المناسب كالكاتبة السورية غادة السمان مثلاً، بل قد كتبت وهي في طائرة على ارتفاع ثلاثين ألف قدمٍ، ولم يكن ذلك حائلاً لحمل قلمها، في وقت نرى فيه الكثير من الناس لديهم "فوبيا الطائرة" ركوبًا، كيف بالكتابة على متنها!؟

لكن يُنصح دائمًا بانتقاء الطقس المناسب من أجل إضفاء جمالية للمادة المكتوبة، لأنَّ المحيط الذي نعيشُ فيه يؤثر على تدفُّق الأفكار، وهو بمثابة استعداد لنزول فيض الخاطر، ورحم الله السكندري حينما قال: "على قدرِ الاستعداد يكون الإمداد"، والطقس وسيلة من وسائل الاستعداد التي تُغيث الكاتب إلهامًا.



حول هذه القصة

الأفكار موجودة ولكن التحدي في كيفية التعبير وصياغة الكلمات وإيصال المعني وعمق الرسالة، وبعد أن تقطع شوطاً ليس بالقليل تجد أن الفكرة لم تعد تروق لك كالسابق وأنها ليست جديدة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة