قصة القوات المشتركة التشادية السودانية

مدونات - القوات المشتركة التشادية السودانية
في الوقت الذي كانت تئن فيه الكثير من دول الاتحاد الإفريقي من وطأة النزاعات والصراعات الإثنية والسياسية والاضطرابات الأمنية الناجمة عن الأخطاء الداخلية والتدخلات الأجنبية، برزت على السطح قصة القوات المشتركة التشادية السودانية في مساحة جغرافية تعتبر في حد ذاتها شاهدا على ما كانت تمر به القارة الأفريقية من مثل تلك النزاعات والاضطرابات المختلقة.
 
هذه القوات هي عبارة عن وحدات عسكرية تشادية سودانية تم إنشاؤها بموجب البروتوكول الأمني والعسكري الموقع بين تشاد والسودان في منتصف يناير من العام 2010 والذي ينص على إنشاء قوة عسكرية مشتركة قوامها 3000 جندي و360 شرطي بواقع 1500 جندي و180 شرطيا من كلا البلدين، ويعمل أفراد هذه القوات جنبا إلى جنب على طرفي الحدود البالغ طولها 1350 كلم وبمعدات تسمح لهم بالتحرك والمراقبة برا وجوا وعلى مدار الساعة، وقد اتفق الطرفان منذ البداية على أن تكون قيادة هذه القوات بالتناوب، أي ستة أشهر تحت القيادة السودانية ثم تنتقل القيادة بعدها إلى الجانب التشادي، وهكذا دواليك. ولكن ما طبيعة عمل هذه القوات وفي أي ظروف تم إنشاؤها؟
 
لكي نقترب أكثر من الأجوبة المتعلقة بمثل هذه الأسئلة التي تدور بخلد الكثير منا يتوجب علينا التوقف عند هاتين الركيزتين الأساسيتين اللتين لا يمكن الاستغناء عنهما في هذا المضمار وهما: التركيبة الإثنية المتداخلة بين تشاد والسودان، والأحداث السياسية التي مر بها البلدان في الفترة ما بين: 2003-2008.
 

قد نجحت القوات المشتركة التشادية السودانية نجاحا باهرا في ما أوكل إليها من مسائل بسط الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية وإعادة الحركة عبر الحدود إلى طبيعتها، الأمر الذي لم تنجح فيه إلى حد ما القوات الأممية

فبالنظر إلى العامل الإثني، نجد هناك تداخلا كبيرا يجعل تشاد مرتبطا ارتباطا وثيقا بالسودان والعكس صحيح، وذلك عند ما ننظر إلى القبائل المشتركة التي لها امتداد طبيعي في عمق البلدين وعلى مساحة جغرافية واسعة تبدأ من ولاية سنار شرقا، عند نقطة الحدود السودانية الإثيوبية، وحتى بحيرة تشاد غربا حيث الحدود التشادية النيجيرية.

 
فتشاد والسودان عبارة عن بلد واحد قسمته قوى الاستعمار الغربية التي جعلت منه السودان الإنجليزي (السودان الحالي) والسودان الفرنسي (تشاد الحالية) أما المماليك التي كانت تحكم هذه المنطقة منذ عهودها الضاربة في التاريخ فإنها لم تقم يوما بوضع حد يفصل بين هذه القبيلة أو تلك، ناهيك عن الفصل بين أفراد القبيلة الواحدة، وإن كانت لهذه المماليك أعراف تحدد مناطق الحكم والنفوذ في ما بينها؛ لذا فإننا نجد أن هذه القبائل قد وقفت جنبا إلى جنب في وجه القوى الاستعمارية الغربية الغازية عند مجيئها إلى المنطقة في أواخر القرن التاسع عشر، وفي هذ الإطار لا يمكن ذكر الثورة المهدية ضد الإنجليز إلا ويذكر الخليفة عبد الله التعايشي، المنحدر من منطقة "البطحاء" شرقي تشاد، ولا تُذكر كذلك حركة المقاومة ضد الفرنسيين في تشاد إلا ويأتي ذكر رابح بن فضل الله القادم من حلفاية الملوك بضواحي الخرطوم.
 
وعلى الرغم من ضراوة الخطط الاستعمارية المبنية على فلسفة "فرق تسد" إلا أن شعوب هذه المنطقة ظلت على عهدها القديم القائم على الانسجام وانسيابية التنقل والترحال الرافض لفكرة الحدود الفاصلة، لهذا فإنك تجد اليوم كما في القدم البقارة والأبالة يظعنون على نفس "المراحيل" التاريخية لتجد قبائل المحاميد، والسلامات، وأولاد راشد، والخزام، وبني هلبة، والتنجر، والفلاتة، والداجو، والوداي، والجعليين، والزغاوة، وغيرهم الكثير من القبائل التي تنتمي إلى العرق نفسه وتقتسم التاريخ نفسه والثقافة نفسها وتعيش على ما كانت عليه منذ القدم في هذه البقعة المعروفة اليوم باسم تشاد والسودان اللذين قدر لهما اقتسام العرق والفن والثقافة ونوعية المأكل والملبس، وحتى التشابه في المناخ وفي الخارطة الجغرافية. 
  
undefined
 
فإن مثل هذه الخلفية المعقدة والمتجانسة في ذات الوقت ستفرض نفسها دون شك على العامل السياسي في البلدين سلبا كان أو إيجابا، ولقد انعكست هذه الصورة بشكل واضح مع بداية الأزمة في دار فور عام 2003 والتي أدت إلى بعثرة الأوراق السياسية بين تشاد والسودان، الأمر الذي جعلهما ينغمسان في حالات من الشد والجذب وحتى الوقوف على حافة الانفجار، خاصة بعد هجوم أنجمينا في 2 من فبراير عام 2008 وهجوم أم درمان في 10 من مايو من العام نفسه، إلا أن محاولات الصلح بين الجارين الشقيقين أعطت ثمارها بعد سلسلة من الاتفاقيات التي نذكر منها اتفاقية مكة (2007) واتفاقية داكار (2008) واتفاقية الدوحة (2009)، ليقوم بعدها الرئيس التشادي إدريس ديبي بزيارته المشهورة إلى الخرطوم في 10 من فبراير2010 كمؤشر لنهاية هذه الفترة الحرجة وعودة المياه إلى مجاريها، وليتم بعد ذلك تفعيل البروتوكول الخاص بإنشاء القوات المشتركة التي جاءت في الوقت المناسب وفي بيئة تعتبر هي الأنسب لمثل هذه القوات، التي تمثل هذه القبائل المتداخلة وهذا الشعب الذي لا يقبل القسمة على اثنين.
 
وقد نجحت هذه القوات نجاحا باهرا فيما أوكل إليها من مسائل بسط الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية وإعادة الحركة عبر الحدود إلى طبيعتها، الأمر الذي لم تنجح فيه إلى حد ما القوات الأممية (اليوناميد) والأوربية (اليوفور) التي عملت في المنطقة ذاتها. وكذلك للقوات المشتركة مساهمات إيجابية في ما يخص التعليم والصحة وإنارة القرى الحدودية.
 
وفي الواقع، إن تجربة القوات المشتركة التشادية السودانية تعتبر تجربة فريدة ومهمة في آن واحد، فالإضافة إلى أهميتها الميدانية بالنسبة لتشاد والسودان، فإنها تحمل طابعا نموذجيا يشير إلى كون الدول الأفريقية تستطيع حل مشاكلها بنفسها دون الاعتماد على الآخرين، ثم بالإمكان نقل هذه التجربة إلى أجزاء أخرى من القارة، وكان واضحا أن القوات التي تم إنشاؤها بين كل من تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون في العام 2015، وتلك التي تشترك فيها كل من تشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وموريتانيا، والتي تم تأسيسها في أواخر العام 2017، ما هي إلا استنساخ لتجربة القوات المشتركة التشادية السودانية، في ما هناك حديث عن تشكيل قوات تشادية سودانية ليبية. وعلى ما يبدو فإنه سيأتي ذلك اليوم الذي يقال فيه إن تجربة القوات المشتركة التشادية السودانية هي اللبنة الأولى لفكرة القوات المشتركة لعموم أفريقيا، وسوف يكون ذلك هو الأجمل في القصة كلها.