شعار قسم مدونات

"العنوسة".. المصطلح المثير للجدل

مدونات - العنوسة 2
ظِل رجل ولا ظل حائط.. كم من المعاني تضمنها هذا المثل الشعبي، وما تضمنه ما هو إلا انعكاس ضمني لتقييم المجتمع لكثير من القضايا الإنسانية والحقوقية الخاصة بالمرأة ومشكلاتها ومنها مشكلة العنوسة.
 
العنوسة هذا المصطلح الشائك والمثير للجدل، فما بين مؤيد ومتقبل للمصطلح باعتباره يعبر عن إحدى المشكلات النفسية والاجتماعية الموجودة فعلا في جميع المجتمعات، وبين معارض لاستخدام هذا المصطلح باعتباره ينتقص من قيمة من يوصفون به ولا يليق بإنسانيتهم، وعلى الرغم من أن العنوسة هي لفظ أطلق على الجنسين ذكورا وإناثا إلا أن ثقافة مجتمعاتنا العربية تركز على عنوسة المرأة أكثر من عنوسة الرجل باعتباره واقعا مفروضا على النساء وليس باختيارهن في كثير من الحالات، وأيضا لارتباطه بسن الإنجاب لديهن، بينما في حالة الرجال فهو على الغالب باختيارهم وإن كانت الظروف الاجتماعية والاقتصادية في كثير من الأحيان تعيق قدرة الشباب وتجبرهم على تأجيل قرار الزواج.

إلا أن مفهوم العنوسة من المفاهيم الاجتماعية المتغيرة بناء على عوامل ديمغرافية عدة، منها مكان السكن وأنماط المعيشة وثقافة المجتمع وما يرتبط بها من العادات والتقاليد، والمستوى الاقتصادي والمستوى التعليمي وصفات شخصية مرتبطة بطبيعة الأفراد ومدى المرونة والقدرة على مواجهة الضغوط، والنضج ومستوى الثقة بالنفس ودرجة المساندة الاجتماعية والاستقلالية. وكلما زادت عوامل انعدام الأمن الاجتماعي والتفكك الأسري والبطالة وضعف الوازع الديني، كلما أدى ذلك إلى مضاعفة الآثار النفسية والاجتماعية والصحية على الأفراد خصوصا المرأة، فمن الملاحظ ارتفاع سن الزواج خاصة مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في الوطن العربي.

 

هناك عدة إشكاليات مرتبطة بهذا المفهوم الاجتماعي ومنها:

يرى البعض في مصطلح "العنوسة" انتقاصا لقيمة المرأة وتقييدا لأدوارها في الحياة باعتبار الزواج جانبا من جوانب الحياة، في حين أن أدوار المرأة متعددة في الحياة في جميع المجالات 

– أنه حدد الزواج بعمر معين بالنسبة للمرأة، بحيث تدخل المرأة في دائرة العنوسة إذا ما تجاوزت سن الثلاثين في الغالب في كثير من المجتمعات العربية، وأحيانا تعتبر الفتاة عانسا وهي لا زالت في العشرين من عمرها خاصة في بعض البيئات القروية، إلا أن تحديد العمر المناسب للزواج مرتبط بثقافة المجتمع، وليس له أساس ديني، فلا يوجد عمر محدد للزواج في الدين الإسلامي على سبيل المثال؛ فهو مرتبط بالقدرة والاستطاعة والبلوغ ودرجة التأهيل، وخير مثال على ذلك زواج السيدة خديجة من النبي عليه أفضل الصلوات والتسليم وكانت في عمر متقدم، وإشكالية العمر تقل في المجتمعات الغربية؛ فالرجل والمرأة يتزوجان في أي عمر وإن كانت هناك اختلافات جوهرية بين المجتمعات في القيم وطبيعة العلاقات بين الرجال والنساء في الأهداف منه، والتي تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر في سن الزواج المناسب ومدى الالتزام.

– أنه حدد الهدف من الزواج بالإنجاب من خلال تحديد سن العنوسة، وهذا صحيح ومقبول كغاية سامية للزواج في تكوين الأسرة والحفاظ على النسل، ولكن غير المقبول هو تحديده كهدف وحيد من الزواج، فللزواج أهداف عدة ومنها تحقيق الاستقرار النفسي والعفة وصون المجتمع من الانحرافات الأخلاقية وتبعاتها، وإيجاد التعاون والسكينة بين الزوجين وتقوية العلاقات بين أفراد المجتمع من خلال علاقات النسب والمصاهرة وتحقيق الذات وإشباع حاجاتها المختلفة.

– أنه يرى فيه البعض انتقاصا لقيمة المرأة وتقييدا لأدوارها في الحياة باعتبار الزواج جانبا من جوانب الحياة، في حين أن أدوار المرأة متعددة في الحياة في جميع المجالات الحقوقية والسياسية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية، ولا يقود عدم زواجها إلى الانتقاص من أهمية أدوارها في الحياة.

– أنه مفهوم ينطوي على اتهام للمرأة، فيقال امرأة عانس إذا ما تعدت سنا معينا من غير زواج والذي حدده المجتمع، وفي الغالب تلام المرأة على عنوستها باعتبارها فشلت في تسويق ذاتها أو ربما أنها افتقدت للصفات التي تجعلها مرغوبة للزواج، جميعها معان متضمنة غير دقيقة ومغلوطة يخطئها الواقع المشاهَد، كما أنها تنطوي على مفاهيم اجتماعية وثقافية خاطئة تعتبر المرأة وكأنها سلعة تسوق، في حين لا ينظر للرجل الذي تقدم في السن من غير زواج بنفس النظرة، وهو ما يتعارض مع النظرة الشمولية للمرأة باعتبارها إنسانة مكتملة بذاتها.

undefined

– أنه قد يساهم في دفع الفتيات إلى الهروب من هذا الوصف إما بالزواج المبكر غير المدروس، أو بالقبول بزواج غير متكافئ في حال التقدم في العمر باعتباره خيارا لا بد منه، أو ربما تختاره الفتاة مرغمَة إرضاء لأسرتها لتجنيبهم التبعات النفسية والاجتماعية والاقتصادية المترتبة عن عنوستها، وفي كثير من الأحيان تنبني عليه مشكلات أكبر فتشعر المرأة بالتعاسة وتدني تقدير الذات وفقدان الغائية واليأس والسلبية، كما يؤدي إلى الطلاق وغيرها من المشكلات الاجتماعية كنتيجة حتمية لزواج غير متكافئ لم يبن على معايير واضحة وإرادة مطلقة من قبل الفتاة أو المرأة، وذلك بسلبها حقها في اختيار الزوج المناسب سواء كان ذلك بأسلوب مباشر بإجبارها على الزواج، أو غير مباشر من خلال العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية الضاغطة.

إن تغيير المفاهيم الاجتماعية التي سادت لسنين طويلة ليس بالأمر اليسير، لكنها ليست مفاهيم علمية لا يمكن التراجع عنها، وهنا تكمن أهمية الإعلام التثقيفي المرئي والمسموع والمقروء في علاج الإشكاليات الثقافية المفاهيمية. إن المرأة إنسان مكتمل بذاته مبدع ومنجز لا يزيده الزواج تشريفا أو قدرا أو ينتقص منه، وهي قادرة على اتخاذ القرارات المصيرية ومنها الزواج بتروية وعقلانية بعيدا عن ضغوط المجتمع ومحدداته ولها الحق في ذلك، وأبواب السعادة المفتوحة أمامها متعددة، وهناك الكثير من النساء اللاتي لم يتزوجن وخلد التاريخ أسماءهن عبر الأزمان.

مع الإشارة إلى أهمية إيجاد الحلول لمشكلة تأخر سن الزواج وأن يتكاثف المجتمع مؤسسات وأفرادا لإيجاد الحلول باعتبار الزواج ضرورة لضمان استقرار المجتمعات والحفاظ على النسل وتحقيق أهداف الزواج المتعددة والمهمة، وباعتباره صمام أمان المجتمعات وديمومتها.