الوجه الآخر للسادية

blogs العنف ضد المرأة

"تكمن السعادة فيما يثير ويهيّج، وليس هناك شيء يثير سوى الجريمة، أما الفضيلة، التي هي ليست سوى حالة خمول واستراحة، فإنها لا تفضي إلى السعادة".

ماركيز دو ساد

 

 هكذا عرف الأديب الفرنسي الممارسة السادية بأنها عنف جسدي وميل إلى العنف النفسي.  لكن إن سألتك هل تجد متعة في قتل عدوك على لعبة البلايستيشن، أو تحس بالراحة والإثارة والمتعة أيضا وأنت تسحق بقدمك صرصورا قد أزعجك بمطبخك؟ إن كانت إجابتك نعم، فأنت تندرج ضمن قائمة الساديين الاعتياديين، فالسادية ليست كما يتصورها العامة، مجرد ممارسات جنسية ، بل قد تكون جزءا من ممارسات الفرد اليومية في عمله أو حياته العامة ، هذا السلوك العدواني نوعا ما، يجد ممارسوه متعة ولذة عند إلحاق الألم النفسي أو الجسدي بالآخر ، سمي هذا الميل إلى القسوة بالسادية نسبة لماركيز دو ساد (1740-1814)  صاحب المقولة أعلاه، أديب وكاتب فرنسي تميزت شخصيات رواياته بالشر والقسوة والاندفاع القهري إلى تحقيق اللذة عن طريق تعذيب الآخرين، نفسيا وجسديا وجنسيا، ولكن السادية عادة ليست بتلك الدرجة من الخطورة ولا تظهر   في الغالب بشكل مباشر بل بصورة أقل عنفا وترى بشكل يومي، كتعنيف الأب لأسرته، أو تعنيف رب العمل لموظفيه وغير ذلك من تمظهرات تفريغية للنزعة السادية.

 

فما سبب هذه الممارسات المنحرفة للشخصية؟ وما هي أعراضها الشائعة؟ كيف تم تصنيفها في الدليل التشخيصي والإحصائي النفسي DSM5؟ وكيف يتم التعامل مع من يعانون من هذا الاضطراب النفسي؟

 

ترتبط الممارسة السادية عادة بالعنف في ممارسة الجنس، أو الميل إلى القسوة النفسية أو الجسدية لكن ما لا يدركه كل من يحمل هذه الصورة النمطية عن الممارسة السادية، هو أن هذه الأخيرة سلوك اعتيادي عند الأغلبية الساحقة من البشر، وذلك راجع للبنية النفسية للشخصية، وظروف نموها.

 

 تفسير السادية وأسبابها من المنظور النفسي:

أطلق علماء النفس اسم الثالوث المظلم على الأشخاص الذين يتميزون بخليط من الصفات التي فسرها العلماء بأنها السبب وراء اضطراب الشخصية السادية، هذه الصفات التي حددت في ثلاث:

 

النرجسية: أي حب النفس أو الأنانية، هذا الاضطراب في الشخصية يجعلها مغرورة ومتعالية، تسعى لمحاولة الكسب ولو على حساب الآخرين.

 

الميكيافيلية:  أو القناع المكيافيلي، تعني توظيف المكر و الإزدواجية (الخداع) في الكفاءة السياسية والتعاملات اليومية هذا المذهب الفكري السياسي والفلسفي ، يقوم على مقولة " الغاية تبرر الوسيلة " لصاحبه نيكولا ميكيافيلي .

 

السيكوباتية: (الاعتلال النفسي)، والتي يصعب تحديد هوية صاحبها، حيث إن له قدرة هائلة على تمثيل دور الإنسان العاقل والتأثير في الآخر والتلاعب بأفكاره، ويتلذذ بإلحاق الضرر بالآخر، وهو عذب الكلام تبهرك شخصيته، لكن تعمقك في التعامل معه يوضح لك أنه مضطرب ومتخبط في انفعالات متداخلة، تجعل منه معتلا نفسيا.

 

السادية لا تظهر كممارسة مباشرة بل أقل عنفا، ويُرى ذلك بشكل يومي، فاستمتاع البعض بقتل الخصم على لعبة البلايستيشن، أو استمتاعهم بقتل العدو في أفلام الأكشن، أو قتل بعض الحيوانات والحشرات المزعجة بلذة، هو نوع من السادية الاعتيادية

هذا الثالوث المظلم في الشخصية، الذي سبق تحديده في النرجسية والمكيافيلية والسيكوباتية، يمكنه تقييم الشخصية حيث إن من يحرزون درجات عالية من هذه الصفات يعتبرون الأكثر عرضة لارتكاب الجرائم القاسية ، وأكثر عرضة للممارسات السادية العنيفة بشتى أنواعها، النفسية والجسدية والجنسية، دون غض النظر عن دور المشاهدات المتتالية للأفلام الإباحية التي تضم هذا النوع من الممارسات في نشر السادية الجنسية  مما يجعل المشاهد  يلاحظ لذة الممارس في الافلام الإباحية الشيء الذي يدفع به لتقليده ومع التكرار يصبح الشخص مدمنا على هذه الممارسات الجنسية السادية  رغم توازن شخصيته النفسي قبل ذلك .

 

لكن في حالتنا هذه فإن السادية لا تظهر كممارسة مباشرة بل أقل عنفا، ويُرى ذلك بشكل يومي، فاستمتاع البعض بقتل الخصم على لعبة البلايستيشن، أو استمتاعهم بقتل العدو في أفلام الأكشن، أو قتل بعض الحيوانات والحشرات المزعجة بلذة، هو نوع من السادية الاعتيادية، وهي الوجه غير المعروف لهذا الاضطراب، كأن يجد البعض لذة في إهانة الآخر أمام العموم أو إذلال موظف من طرف مديره، كل هذه التصرفات تعد لونا من ألوان السادية الاعتيادية الناتجة عن خلل في النمو النفسي والجنسي للفرد.

 

حسب معايير الدليل التشخيصي والإحصائي النفسي 5DSM  التي قدمها العديد من الأطباء والأخصائيين النفسيين ، فإن الشخص السادي يستخدم القوة الجسدية للهيمنة في العلاقة، ويهين أو يحط من قدر الناس في وجود الآخرين ، وقد يجعل شخصا ما يتصرف تحت سيطرته بقسوة ، حيث إنه يشعر بالتسلية عندما يرى المعاناة النفسية والجسدية للغير بما في ذلك الحيوانات (تعذيب القطط وقتل الكلاب نموذجا).

 

هذا الأخير يجعل الناس يفعلون ما يريد عن طريق إرهابهم وتخويفهم، ويعتبر اضطراب السادية الجنسية حسب DSM5 شذوذا جنسيا وقد أدرج في الدليل على هذا النحو، باعتبار السادية الجنسية لذة متكررة وعنيفة تلحق المعاناة النفسية والجسدية للشريك، بهدف الخضوع.

 

أعراض السادية:

من أعراض هذا الانحراف السلوكي للشخصية؛ حب الهيمنة والمجازفة والبروز على حساب الآخرين، دون الأخذ بعين الاعتبار مشاعرهم والأضرار النفسية والجسدية التي تلحق بهم.

 

_ عدم الاعتراف بالخطأ رغم إدراكه بل مواجهته ببرود وغياب تام للشعور بالذنب حيال ذلك.

_ عدم قبول من يخالف هذه الشخصية في الرأي ومحاربته بشتى الطرق.

_ العنف في التعامل بهدف السيطرة والتحكم في الآخر.

_الاستمتاع بتعذيب الحيوانات وتجويعها.

_المتعة في تقييد حرية الأشخاص وجعلهم تحت السيطرة.

 

ومع كل هذا، لا يمكن حصر أعراض السادية فيما سبق ذكره فقط بل هي الأعراض الشائعة، وهذا لا يعني عدم وجود تمظهرات أخرى للسادية، لان السادية درجات يمكن تقسيمها لثلاث:

 

– سادية إجرامية : تصل إلى القتل والعنف المباشر بكل أشكاله ومن ضمنه الجنسي.

– سادية متوسطة : يتم فيها التحكم بالإيذاء من خلال الترهيب والتخويف.

– سادية مقبولة:  والتي تظل حبيسة النفس فقط ولا تظهر بشكل مباشر وعنيف بل تفرغ على شاكلة استفزازات متكررة للآخرين ويعيش على وقع هذه الدرجة الأخيرة من السادية ثلة كبيرة من الناس وهي ما أطلق عليها السادية الاعتيادية.

 

طرق التعامل مع من يعانون من هذا الاضطراب:

السادية ما هي إلا اضطراب وانحراف في السلوك، جنسيا كان أو جسديا، لفظيا كان أو نفسيا، وذلك راجع إلى التعرض للاضطهاد والعنف والتهميش والتحقير مع انعدام الاهتمام في المراحل الأولى لنمو الشخصية ولا علاج نهائي له

على عكس ما يظنه العديد منكم وهو يقرأ الأعراض الآنفة الذكر بأن الشخص السادي قوي وشديد الثقة بنفسه، نجد أن الشخص السادي في الواقع ضعيف وهش وسهل الانكسار ويتأثر بتوافه الأمور، لكن نقطة قوته في قدرته على الاحتفاظ بضعفه بينه وبين نفسه ونادرا ما يظهر ذلك للآخرين، مما يجعله يرى نفسه من منظور ينقص من شأنها ويحتقرها، الشيء الذي يعكسه ويفرغ في الآخر في محاولة لإسقاط ذلك الصراع النفسي والصورة الذاتية على الآخر من خلال إهانته وتعنيفه لفظيا، حيث إن البعض يفسر هذا التناقض والازدواجية في المواقف والتعامل بالقسوة والتعذيب والإذلال إلى النقص الذي يعاني منه هذا الأخير وإحساسه الشديد بالضعف وانعدام قيمته في نظر نفسه قبل الآخر، في هذه الحالة ينصح بالرفع من معنويات الشخص السادي والثناء والتعزيز لما يقدمه في عمله مثلا رغم عدم تمكنه وإتقانه له، في محاولة لتعويض  وترميم ذلك التصدع النفسي الذي ينظر للذات بأنها بلا قيمة وبلا أهمية حيث إنه نادرا ما يلجأ الشخص السادي للعلاج، لأنه عادة لا يدرك خطورة ما هي عليه شخصيته، إلا أن العلاج المعرفي السلوكي حاول معالجة هذا الاضطراب بالرجوع لمراحل نمو الشخصية وتعديل السلوك عن طريق التعريف بهذا السلوك وأبعاده ومخاطرة، ذلك أن العلاج المعرفي يعرف الاضطراب بأنه خطأ في البناء المعرفي مما يؤدي لانحراف في السلوك .

 

نخلص إلى القول بأن السادية ما هي إلا اضطراب وانحراف في السلوك، جنسيا كان أو جسديا، لفظيا كان أو نفسيا، وذلك راجع إلى التعرض للاضطهاد والعنف والتهميش والتحقير مع انعدام الاهتمام في المراحل الأولى لنمو الشخصية ولا علاج نهائي له غير اغمار الشخصية السادية بمشاعر الحب والتعزيز والتقدير والثناء بهدف ترميم ذلك التصدع النفسي الذي تسبب في فقدان الثقة بالنفس وتحقيرها وإسقاط ذلك على تعاملاته مع الآخر.