البصاصون

blogs - جاسوس

هي مهنة صاحبها مكروه من الشعب، محتقر من السلطان، وإن كان الأخير لا يستغنى عنه طالما كان مستبدا، مقولة الحيطان لها أذان لم تبتدع إلا توقيا منه، وبعدا عن دسائسه. ألم تعرفه إلى الأن، إنه البصاص، جاسوس الحاكم، ومرهب الشعوب، ومبتز الأغنياء، يصنعه الحاكم المستبد على عينه، ولا ينام إلا وفي يده تقاريره، إذا انتشر طائفته وعرفت الرعية بوجودهم، فقل على هذه الدولة السلام.
 

أنت في الغالب لا تعرف أشخاصهم ولكنك توقن بوجودهم، هم كالرائحة القذرة تتنفسها ولا تراها، عندما تخيم شباكهم الغير مرئية على المجتمع، فإنها تكبل حريته، فتصبح الكلمة بحساب، والنظرة بحساب، الخوف يصبح سيد المجتمع.
 

الأب يخاف أن يقول ما في نفسه أمام أبنائه، ليس خوفا منهم بالضرورة، ولكن خوفا ممن قد يتحدثون أمامهم، الناس تخفض أصواتهم حتى داخل بيوتهم، كلما زادت قوتهم في الدولة، كلما ضعفت هذه الدولة، فقوة البصاصين لا تكن إلا من ضعف الدولة، فهم أكلي الدول، ومفتتي المجتمعات.
 

التجسس على عورات الناس مهنتهم، وشريفهم هو أكثرهم لؤما وأحطهم طبعا، الوشاية عندهم من مكارم الأخلاق ومما يمدحون الرجل به منهم، الصداقة والشفقة عندهم من معطلات العمل، لأنها قد تنمي بداخل البصاص أخلاق مذمومة عندهم مثل الوفاء وحفظ السر.
 

منهم المحترف المتفرغ الذي لا يعرف غير البصاصة عملا، وهو يلف ويدور طوال النهار، يمشي في الأسواق ويجلس على المقاهي، ولا هم له إلا تسقط الأخبار ومعرفة المعارض من المؤيد، وهو بالطبع بارع جدا في فتح مجالات الحوار مع أي شخص فهو كما وصفة جمال الغيطاني في رائعته الزيني بركات " فحاما عندما يتحدث إلى الفحامين، عطارا نابغا في العطارة عند التحدث إلى العطارين، ساخطا عند استماعه إلى الساخطين، مستغفرا تائبا عندما يسجد مع التائبين" وعندما ينجح في كسب ثقة من يحدثه يبدأ على الفور في نصب الحبائل له في طيات حديثه، حتى يبوح المتحدث المسكين بمكنونات ضميره، ويشكو له من مر العيش وجور الحاكم، وإذا وصل المغفل إلى هذا الحد، فإن البصاص يكون قد نجح في مهمته على أتم وجه، وما عليه الان إلا الإبلاغ عن هذا المواطن الشكاء.
 

كلما توغل البصاصون في كل طوائف المجتمع ودرجاته، كلما ازداد نجاحهم، الأمر الذي ينبئك بقرب زوال النظام الذي يطلق هذه الكائنات على الشعب لأنه لا ينظر إلى الشعب إلا كمصدر تهديد، يجب أن يحمي نفسه منه.

ومنهم البصاص الغير متفرغ، وهذا يكون شخص يمتهن أي مهنة تتخيلها، سواء تنتمي لأعلى السلم الاجتماعي أو أسفله، وتكون مهمته الأصيلة التجسس على أبناء مهنته ومجتمعه، وكتابة التقارير الوافية عن كل شخص حوله، وقد يستخدم لغرض أخر وهو بث الإشاعات التي يراد لها أن تنتشر بين أفراد الشعب، وهذا النوع من البصاصين يعتبر أحطهم على الإطلاق، لأنه هنا يشي باقرب الناس له، والذين قد يعتبرونه أخلص لهم وأحب الناس إلى قلوبهم، هو خلية سرطانية لا هم لها إلا القضاء على الجسم الذي تنتمي إليه.
 

وكلما توغل البصاصون في كل طوائف المجتمع ودرجاته، كلما ازداد نجاحهم، الأمر الذي ينبئك بقرب زوال النظام الذي يطلق هذه الكائنات على الشعب لأنه لا ينظر إلى الشعب إلا كمصدر تهديد، يجب أن يحمي نفسه منه.
 

أما الدول القوية التي تقوم على أساس العدل المتين، فلن تجد فيها مثل هذه الكائنات الشائهة، بل إن هذه الدول تصرف همها الأول لحماية شعوبها من الأخطار، وتفقد احتياجات رعاياها، مثلما كان الفاروق عمر يعس بالمدينة ليلا خشية أن تكون مهام وظيفته قد شغلته عن أحد هؤلاء الرعايا.
 

الدول القوية العادلة يكون بطلها هو العساس الذي يسهر على مصالح الشعب ويحميهم من أي خطر قد يحيق بها، أما الدول المأسورة في قبضة طاغية فيكون البصاص فيها هو السيد، الذي بإشارة منه قد يزج بأشرف الشرفاء إلى غياهب السجون أو ظلمات القبور.
 

أسال الله أن يخلص بلادنا من كل بصاص.



حول هذه القصة

epa04129211 (FILE) A file picture dated 18 June 2012 shows US President Barack Obama (R) talking with Russian President Vladimir Putin (L) during their meeting at Esperansa hotel prior G20 summit in Los Cabos, Mexico. More than 95 per cent of Crimeans voted for the Ukrainian region's accession to Russia in a controversial referendum on 16 March, according to preliminary results. The White House on 16 March 2014 said that President Obama told his Russian counterpart that the US would not recognize the Crimean vote as it violated the Ukrainian constitution. Furthermore, the US were 'prepared to impose additional costs on Russia for its actions.' EPA/ALEXEI NIKOLSKY/RIA NOVOSTI/KREMLIN POOL

أعلنت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عزمها فرض عقوبات وشيكة على روسيا على خلفية اتهامها بالقرصنة المعلوماتية التي لحقت بالانتخابات الرئاسية، لكن موسكو استبقت الإجراء المرتقب وتوعدت واشنطن بالرد.

Published On 29/12/2016
U.S. President Barack Obama meets with President-elect Donald Trump in the Oval Office of the White House in Washington November 10, 2016. REUTERS/Kevin Lamarque/File Photo

أظهر استطلاع أجرته مؤسسة غالوب أن الرئيس باراك أوباما هو الشخصية الأميركية الأكثر إثارة للإعجاب عام 2016، وذلك للسنة التاسعة على التوالي، ليحل أمام الرئيس المنتخب دونالد ترمب.

Published On 29/12/2016
Iraqi special forces soldiers stand in front of humvees destroyed by an Islamic State suicide car bomb attack during clashes in Mosul, Iraq, November 19, 2016. REUTERS/Goran Tomasevic

قال مراسل الجزيرة إن القوات العراقية أعلنت بدءَ المرحلة الثانية من معركة الموصل، بعد وقفة وصفت بالـ”تعبوية” لأكثر من أسبوعين، وكانت تعزيزات عسكرية وصلت لدعم المحور الشرقي للمدينة.

Published On 29/12/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة