"كان والدي سعيدا لأنه خرج من اليمن حيا"
بهذه العبارة يستعيد بروس ريدل، المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي الأمريكي، تجربة والده ميلتون ريدل، عندما شارك بصفته مسؤولا إداريا في بعثة أرسلتها الأمم المتحدة إلى عدن في أبريل/نيسان 1967، لمحاولة التوصل إلى وقف لإطلاق النار وترتيب انتقال السلطة مع اقتراب انتهاء الحكم البريطاني. كانت تجربة والده إحدى المحطات المبكرة في علاقة ريدل باليمن، والتي تتبعها في كتابه "أمريكا واليمن: علاقة معقدة ومأساوية"، الصادر عن مؤسسة بروكينغز. وللدقة فعنوان الكتاب يتحدث عن أمريكا واليمنين، أي اليمن الجنوبي واليمن الشمالي.
يستعرض ريدل في كتابه تاريخ العلاقات الأمريكية مع اليمن منذ القرن التاسع عشر، مرورا بالصراعات التي شهدها شمال البلاد وجنوبها خلال الحرب الباردة، ثم العلاقات مع الرئيس علي عبد الله صالح، وصولا إلى الحرب التي اندلعت عام 2015، وسياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاهها. ويشدد على أن اليمن لم يحظ باهتمام كبير داخل الولايات المتحدة، رغم موقعه الإستراتيجي المطل على مضيق باب المندب، وارتباط تطوراته بأمن البحر الأحمر والمحيط الهندي.
أخبار مقترحة
وبشكل عام، تكتسب الكتب التي يؤلفها مسؤولون أمنيون سابقون أهمية، نظرا لأنهم أمضوا سنوات في متابعة بلدان ومناطق محددة، وشاركوا في إعداد التقديرات الاستخبارية، وصياغة الخيارات السياسية، وحضروا اجتماعات مع مسؤولين من تلك الدول. ومن ثم، تتيح مؤلفاتهم التعرف على رؤية بلادهم للتطورات في تلك الدول، والعوامل التي تؤثر في قراراتها، مع إدراك أن تلك النوعية من الكتب لا تكشف عادة كل شيء، حيث تخضع قبل النشر لمراجعة أمنية، لمنع الكشف عن معلومات مصنفة سرية.
وُلد بروس ريدل عام 1953 بمدينة نيويورك، وحصل على درجة البكالوريوس من جامعة براون، والماجستير من جامعة هارفارد، كما درس في الكلية الملكية للدراسات الدفاعية في لندن. والتحق بوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1977، واستمر في العمل بها حتى عام 2006. ومن المحطات البارزة في مسيرته المهنية، توليه منصب نائب رئيس فريق عمل الخليج العربي في الوكالة خلال أزمة غزو العراق للكويت وحرب الخليج عام 1991، وامتدت خبرته إلى العمل في مجلس الأمن القومي، حيث قدم المشورة لأربعة رؤساء أمريكيين في قضايا الشرق الأوسط، كما تولى منصب مساعد نائب وزير الدفاع لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا.

وبعد انتهاء خدمته الحكومية، انضم ريدل إلى معهد بروكينغز، ولم تنقطع صلته بدوائر صنع القرار الأمريكي، إذ عمل مستشارا في السياسة الخارجية لحملة أوباما الرئاسية عام 2008، ثم كلفه أوباما مطلع عام 2009 برئاسة لجنة مراجعة للسياسة الأمريكية تجاه أفغانستان وباكستان.
بدء العلاقات الثنائية
يُرجع ريدل بداية العلاقات الأمريكية مع اليمن إلى القرن التاسع عشر، عندما كانت عدن، التي احتلها البريطانيون عام 1839، أحد أهم الموانئ التجارية في العالم، بفضل موقعها على الطريق البحري الرابط بين أوروبا والهند، وبالأخص بعد افتتاح قناة السويس. وفي فبراير/شباط 1879، زار الرئيس الأمريكي يوليسيس غرانت عدن أثناء رحلته من مصر إلى الهند بعد مغادرته البيت الأبيض، في أول زيارة لرئيس أمريكي إلى اليمن، وإن كانت بصفته رئيسا سابقا.
بعد ذلك، أرسل الرئيس رذرفورد هايز أول قنصل أمريكي، جيمس ويليامز، إلى عدن في عام 1880، لتبدأ العلاقات القنصلية الأمريكية مع اليمن. اقتصرت مهام القنصلية الأمريكية في عدن على حماية مصالح السفن التجارية الأمريكية ومتابعة حركة الملاحة في المحيط الهندي، ولم تهتم واشنطن بإقامة علاقات مع المناطق اليمنية الداخلية، التي كانت ضمن مناطق النفوذ العثماني حتى الحرب العالمية الأولى، واتسمت بوعورة التضاريس وغياب الطرق والبنية التحتية.
بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، أعلن الإمام يحيى حميد الدين قيام المملكة المتوكلية في الشمال، بينما استمر الاحتلال البريطاني لعدن. وسعى الإمام إلى الحصول على اعتراف دولي بمملكته، فبعث عام 1918 رسالة إلى الرئيس الأمريكي ويلسون يطلب فيها الاعتراف بالدولة الجديدة، لكن ويلسون لم يرد عليه. وفي المقابل، كانت إيطاليا أول دولة تعترف باستقلال المملكة المتوكلية عام 1926، في إطار مساعي حكومة موسوليني لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث كانت تحتل إريتريا وأجزاء من الصومال وتستعد لغزو إثيوبيا.
"كانت إيطاليا أول دولة تعترف باستقلال المملكة المتوكلية عام 1926، في إطار مساعي حكومة موسوليني لتعزيز نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي"
تغير الوضع خلال الحرب العالمية الثانية، مع تزايد الاهتمام الأمريكي بالشرق الأوسط بسبب موارده النفطية. ففي عام 1943، استقبل الرئيس روزفلت الأميرين السعوديين فيصل وخالد بن عبد العزيز في البيت الأبيض، ثم التقى الملك عبد العزيز آل سعود في فبراير/شباط 1945 على متن الطراد الأمريكي "كوينسي"، في لقاء أسهم في ترسيخ العلاقات بين البلدين.
أبدت الإدارة الأمريكية استعدادا للتواصل مع المملكة المتوكلية اليمنية، وفي مطلع عام 1945، بعث القنصل الأمريكي في عدن، هارلان كلارك، رسالة إلى الأمير أحمد بن يحيى، نجل الإمام يحيى، يستفسر فيها عن إمكانية إرسال وفد أمريكي إلى اليمن لبحث إقامة علاقات بين البلدين. ورد الأمير بالموافقة، فسافر كلارك برفقة طبيب إلى صنعاء للتمهيد للزيارة، والتقى الإمام ونجله أحمد الذي طلب مساعدة الولايات المتحدة في تطوير اليمن.
وبعد تولي هاري ترومان الرئاسة، أرسلت واشنطن بعثة رسمية للتفاوض بشأن الاعتراف، وأسندت رئاستها إلى وليام إيدي، المبعوث الأمريكي لدى السعودية، الذي سبق أن عمل في مكتب الخدمات الإستراتيجية، سلف وكالة الاستخبارات المركزية. ووصلت البعثة الأمريكية إلى ميناء الحديدة يوم 8 أبريل/نيسان 1946 على متن مدمرة أمريكية، ونظرا إلى غياب طرق معبدة، استغرقت الرحلة من الحديدة إلى صنعاء نحو 3 أسابيع. وحمل إيدي معه هدية للإمام تمثلت في محطة إذاعية متنقلة لتوفير وسيلة اتصال حديثة. وعند وصول البعثة إلى صنعاء، قدم إيدي رسالة من الرئيس ترومان تتضمن الاعتراف الأمريكي بالمملكة اليمنية دولة مستقلة ذات سيادة.
ومع ذلك، لم يؤد الاعتراف إلى اعتماد تمثيل دبلوماسي أمريكي دائم في صنعاء، إذ تولت السفارة الأمريكية في جدة والقنصلية في عدن متابعة الشؤون اليمنية. وفي سبتمبر/أيلول 1946، قدم السفير الأمريكي لدى السعودية ريفز تشايلدز، أوراق اعتماده ممثلا دبلوماسيا لدى المملكة اليمنية، مع بقاء إقامته في جدة وزيارته اليمن عند الحاجة. ويذكر ريدل أن تقديرات وزارة الخارجية الأمريكية أشارت إلى أن عدد الأمريكيين الذين زاروا اليمن قبل عام 1946 لم يتجاوز 7 أشخاص، ما يشير إلى محدودية الاتصال آنذاك بين البلدين.
"شهدت العلاقات في عام 1948 مستجدات ارتبطت بعملية نقل اليهود اليمنيين إلى إسرائيل"
شهدت العلاقات في عام 1948 مستجدات ارتبطت بعملية نقل اليهود اليمنيين إلى إسرائيل، بعد أن وافق الإمام يحيى قبل وفاته، بحسب رواية ريدل، على مغادرة اليهود اليمنيين البلاد مقابل التخلي عن ممتلكاتهم. وساهم يهود أمريكيون، بدعم من إدارة ترومان، في تمويل عملية نقلهم جوا. وعُرفت العملية باسم "البساط السحري"، وتضمنت نقل نحو 47 ألف يهودي من شمال اليمن، إلى جانب 1500 من الجنوب، إلى عدن، ثم إلى إسرائيل. واستأجر المنظمون طائرات من شركة ألاسكا إيرلاينز، نفذت نحو 380 رحلة على مدار عشرة أشهر، بمساعدة السلطات البريطانية في عدن. وفي مارس/آذار 1959، افتتحت الولايات المتحدة مفوضية في تعز، ثم رفع الرئيس جون كينيدي مستواها إلى سفارة في يناير/كانون الثاني 1963، ثم انتقلت السفارة إلى صنعاء عام 1966.

أزمة عام 1962
في سبتمبر/أيلول 1962، توفي الإمام أحمد بن يحيى، الذي حكم المملكة المتوكلية منذ عام 1948، وخلفه نجله محمد البدر. وبعد أسبوع من توليه الحكم، أطاح ضباط في الجيش بالنظام الملكي، وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية بقيادة عبد الله السلال. وسارعت مصر إلى الاعتراف بالنظام الجديد، فيما تمكن البدر من النجاة والانضمام إلى القوات الملكية التي بدأت تنظم مقاومتها في المناطق الشمالية. ويذكر ريدل أن أنور السادات كان من أبرز المتحمسين للتدخل المصري في اليمن، إذ رأى فيه فرصة لاستعادة زخم المشروع القومي العربي بعد انفصال سوريا ومصر عام 1961، فضلًا عن توفير موطئ قدم لمصر في شبه الجزيرة العربية.
قدم الاتحاد السوفيتي دعما لوجستيا للنظام الجمهوري بعد أن طلب عبد الناصر من موسكو المساعدة في نقل القوات والمعدات إلى صنعاء، فأرسل السوفيات 10 طائرات نقل ثقيل من طراز أنتونوف بأطقم روسية، كما استخدمت مصر ميناء الحديدة، الذي ساعد السوفيات في تطوير بنيته التحتية خلال الخمسينيات، لإدخال القوات والإمدادات، فيما سبق أن بنت الصين الطريق الرابط بين الحديدة وصنعاء.
وتكشف الوثائق التي يستند إليها ريدل عن اهتمام كينيدي المبكر بتطورات الصراع. فقد كانت وكالة الاستخبارات المركزية تقدم للرئيس نشرة يومية تضمنت تقارير متتابعة عن اليمن. ففي اليوم التالي للانقلاب، أبلغت الوكالة الرئيس بأن الأمير الحسن، عم محمد البدر، يعمل على حشد القبائل الزيدية قرب الحدود السعودية لاستعادة الحكم الملكي، ثم حددت هوية قائد الانقلاب عبد الله السلال، وأشارت إلى ارتباط الضباط المشاركين فيه بحركة الأحرار اليمنيين المدعومة من مصر. وفي الثاني من أكتوبر/تشرين الأول، خلص المحللون إلى أن "حربا أهلية" تتشكل بدعم من أطراف إقليمية، ثم حذرت النشرة بعد 4 أيام من أن الصراع اليمني يتخذ طابعا دوليا، حيث أكدت مشاركة طيارين سوفيات في نقل الإمدادات من القاهرة.
وبحلول نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1962، قدرت وكالة الاستخبارات المركزية عدد القوات المصرية في اليمن بنحو 4 آلاف جندي، ارتفع إلى 30 ألفا بحلول مارس/آذار 1963. ومع اتساع التدخل المصري، تعرضت إدارة كينيدي لضغوط من بريطانيا وقوى إقليمية لدعم الملكيين ورفض الاعتراف بالجمهورية الجديدة.
وفي موازاة التدخل المصري والسوفيتي، تشكلت شبكة سرية لدعم الملكيين ضمت بريطانيا وإسرائيل. ويشير ريدل إلى أن البريطانيين أنشؤوا جهازا سريا في لندن لتجنيد مقاتلين وخبراء، بينهم مرتزقة من بلجيكا وفرنسا، للمساعدة في تدريب القوات الملكية وتسليحها، حيث خشيت لندن انتقال المد الثوري من شمال اليمن إلى عدن، بما يهدد وجودها في جنوب الجزيرة العربية. أما إسرائيل، فقد رأت في استنزاف الجيش المصري في اليمن فرصة لإضعاف عبد الناصر. ولهذا، تواصل ممثلون عن الملكيين مع دبلوماسيين إسرائيليين في أوروبا، وأرسل محمد البدر مبعوثا إلى تل أبيب لطلب مساعدة الموساد.
وفقًا لرواية ريدل، أوفد الموساد ضابط عمليات إلى اليمن للتنسيق مع الملكيين، ونفذ سلاح الجو الإسرائيلي رحلات سرية بطائرات نقل من طراز بوينغ انطلقت من قاعدة تل نوف وأسقطت شحنات أسلحة وإمدادات للقوات الملكية، وتولى ناحوم أدموني، مسؤولية العملية الإسرائيلية التي حملت الاسم الرمزي "روتيف".
من جهته، قرر كينيدي الاعتراف بالجمهورية العربية اليمنية، حيث لم يقتنع بأن استعادة الحكم الملكي في اليمن يمثل خيارا جيدا، بالنظر إلى طبيعة النظام السابق ومحدودية قدرته على التحديث من وجهة نظره. ولذلك، فضل الاحتفاظ بعلاقات مع النظام الجمهوري، والتواصل مع عبد الناصر، مع إبقاء الالتزام الأمريكي بأمن الحلفاء في المنطقة قائما.
تواصل التدخل المصري حتى بلغ نحو 70 ألف جندي عام 1966، ما أثقل الاقتصاد المصري واستنزف قدرات الجيش. ويستشهد ريدل بشهادة مسؤول الاستخبارات الإسرائيلي يوسي ألفر، الذي شارك في دعم الملكيين، وأشار إلى أن المعلومات المستخلصة من الأسرى المصريين في سيناء أظهرت تأثير الحرب اليمنية السلبي في معنويات الجيش المصري واستعداده القتالي.
ومع اندلاع حرب يونيو/حزيران 1967، قطعت الحكومة الجمهورية في صنعاء علاقاتها مع الولايات المتحدة احتجاجا على دعم إدارة جونسون لإسرائيل، وتوصل الرئيس عبد الناصر والملك فيصل إلى تفاهم بشأن إنهاء دعمهما للأطراف المتحاربة في اليمن، وبدأت القوات المصرية الانسحاب من البلاد. وعقب الانسحاب المصري، أطيح بالرئيس عبد الله السلال في انقلاب، وتولت سلطة جمهورية جديدة الحكم في صنعاء.
اليمن في الحرب الباردة
أدى انسحاب بريطانيا من عدن في عام 1967 إلى نشوء واقع جديد في جنوب الجزيرة العربية، بعدما تولت "الجبهة القومية للتحرير" السلطة، وأعلنت قيام دولة في جنوب اليمن تبنت النظام الماركسي وارتبطت بالاتحاد السوفيتي. وأصبحت "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وعاصمتها عدن، مصدر قلق أمريكي. ونظر نيكسون ومستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر إلى اليمن الجنوبي باعتباره قاعدة للنفوذ السوفيتي، يمكن استخدامها لزعزعة استقرار المنطقة وبما يهدد المصالح النفطية الغربية. وكان التمرد في إقليم ظفار العماني أحد أبرز مظاهر هذا التهديد، حيث تلقى الدعم من جنوب اليمن. ومن ثم ارتبط الموقف الأمريكي من عدن بالتطورات في عمان، وقد قدمت بريطانيا وإيران دعما عسكريا لسلطنة عمان في مواجهة المتمردين.
داخل اليمن، شن الشمال عام 1972 هجوما على الجنوب، وتلقى دعما من السعودية والأردن وإيران وبريطانيا والولايات المتحدة، بينما حصل الجنوب على مساعدات من الاتحاد السوفيتي والعراق وليبيا وكوبا. وانتهت الحرب بعد 23 يوما بوقف لإطلاق النار، دون تحقيق انتصار حاسم لأي من الطرفين. وفي يوليو/تموز استعادت واشنطن علاقاتها الدبلوماسية مع شمال اليمن عقب زيارة وزير الخارجية وليام روجرز إلى صنعاء.
"برزت الأهمية الإستراتيجية لجنوب اليمن خلال حرب أكتوبر 1973"
برزت الأهمية الإستراتيجية لجنوب اليمن خلال حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، عندما ساعدت عدن البحرية المصرية في فرض حصار على مضيق باب المندب لقطع حركة الملاحة المتجهة إلى الموانئ الإسرائيلية، خصوصا شحنات النفط القادمة من إيران البهلوية، التي كانت تصدر آنذاك نحو 18 مليون طن من النفط سنويا إلى إسرائيل عبر هذا الطريق. ويعتبر ريدل أن إغلاق المضيق شكل أحد عناصر الضغط على إسرائيل، وأظهر قدرة جنوب اليمن على التأثير في حركة الملاحة الدولية رغم محدودية موارده العسكرية.

صعود علي عبد الله صالح
شهد شمال اليمن خلال السبعينيات سلسلة من الانقلابات والاغتيالات انتهت بصعود علي عبد الله صالح إلى السلطة. ففي يونيو/حزيران 1974، تولى إبراهيم الحمدي الحكم، وبدأ في تنفيذ سياسات لتعزيز مؤسسات الدولة، مستفيدًا من الانتعاش الاقتصادي الذي شهدته دول الخليج وارتفاع تحويلات العمالة اليمنية، كما اهتم بتطوير العلاقات مع الجنوب. وأثناء استعداده لزيارة عدن لبحث الوحدة اليمنية، اغتيل إبراهيم الحمدي عام 1977 داخل منزل أحمد الغشمي. وبعدئذ اغتيل الغشمي في يونيو/حزيران 1978، عندما انفجرت حقيبة مفخخة حملها أحد أعضاء وفد قادم من جنوب اليمن، في عملية قيل إن سالم ربيع رئيس الجنوب وقف خلفها، وبعد ثلاثة أيام قُتِل سالم ربيع هو الآخر.
عقب اغتيال الرئيس الغشمي، تولى علي عبد الله صالح رئاسة شمال اليمن، وواجه بعد أشهر قليلة أزمة كادت تطيح بحكمه، فقد أدت الصراعات الداخلية في عدن إلى صعود جناح ماركسي متشدد بقيادة عبد الفتاح إسماعيل، ورأى أن الظروف أصبحت مواتية لفرض الوحدة اليمنية بالقوة. وفي 24 فبراير/شباط 1979، شن الجيش الجنوبي هجوما ردا على غارة انطلقت من الشمال. وتمكنت القوات الجنوبية، بفضل الدعم العسكري السوفيتي والألماني الشرقي والكوبي، من تحقيق تفوق جوي. وتقدمت الدبابات الجنوبية باتجاه تعز، وقصف الطيران صنعاء والحديدة، فطلب صالح المساعدة من الولايات المتحدة والسعودية والعراق.
استجابت الرئاسة الأمريكية ممثلة بكارتر، إذ اعتبر جيمي كارتر رفقة مستشاره للأمن القومي بريجنسكي أن الهجوم الجنوبي يمثل اختبارا سوفيتيا كوبيا لمدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن حلفائها في الشرق الأوسط، بالأخص بعد سقوط نظام الشاه في إيران. وقررت واشنطن تقديم دعم عاجل لشمال اليمن شمل إرسال 18 مقاتلة، مع الاستعانة بنحو 80 طيارا وفنيا من تايوان لتشغيل الطائرات وصيانتها. كذلك أرسلت الولايات المتحدة قطعا بحرية إلى البحر الأحمر، وقدم العراق أطقما للدفاع الجوي لحماية صنعاء، واستخدم نفوذه للمساعدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وفي 20 مارس/آذار 1979، وقع الشطران اتفاقا في الكويت نص على وقف القتال والسعي إلى تحقيق الوحدة بالوسائل السلمية.
يرى ريدل أن التدخل الأمريكي والعربي أسهم في منع سقوط نظام صالح، وأضعف موقف الجناح المتشدد في عدن، فغادر عبد الفتاح إسماعيل إلى موسكو عام 1980، وعززت الأزمة موقع صالح، بعدما تمكن من تجاوز أول اختبار كبير لحكمه. ولم يقتصر صالح في علاقاته على واشنطن، فقد اتجه إلى توثيق علاقاته مع الاتحاد السوفيتي، ووقع في موسكو معاهدة للصداقة والتعاون عام 1984، بهدف تهدئة العلاقات مع جنوب اليمن الماركسي. ورغم ذلك انخرط صالح في الحرب ضد القوات السوفيتية في أفغانستان، عبر تشجيع اليمنيين على الالتحاق بالمجاهدين الأفغان.
وفي جنوب اليمن، أدت الصراعات داخل الحزب الاشتراكي الحاكم إلى اندلاع حرب في يناير/كانون الثاني 1986، بعد عودة عبد الفتاح إسماعيل من موسكو وتصاعد خلافاته مع الرئيس علي ناصر محمد. وبدأت المواجهات باشتباك دموي في اجتماع للمكتب السياسي للحزب، ثم امتدت إلى مناطق أخرى، وانتهت المعارك بعد 12 يوما بهزيمة علي ناصر، وصعود علي سالم البيض إلى قيادة الجنوب. وأضعفت هذه الحرب الجنوبيين بعد مقتل نحو 10 آلاف شخص، كذلك تراجعت المساعدات السوفيتية مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في موسكو، وارتفاع تكاليف الحرب في أفغانستان، ما وضع النظام الجنوبي أمام صعوبات مالية.
وفي المقابل، شهد شمال اليمن تطورا اقتصاديا مع اكتشاف النفط في مأرب بواسطة شركة هنت أويل الأمريكية. وفي أبريل/نيسان 1986، زار نائب الرئيس الأمريكي جورج بوش اليمن ضمن جولة إقليمية شملت السعودية والبحرين وعمان، للمشاركة في افتتاح منشأة نفطية أقامتها الولايات المتحدة.
"مع اقتراب الحرب الباردة من نهايتها، مالت موازين القوى لمصلحة الشمال"
ومع اقتراب الحرب الباردة من نهايتها، مالت موازين القوى لمصلحة الشمال، ووقع صالح اتفاقا مع علي سالم البيض في نهاية عام 1989 لتوحيد شطري اليمن. وفي 22 مايو/أيار 1990، أُعلنت الجمهورية اليمنية برئاسة صالح، وتولى البيض منصب نائب الرئيس، كما انتُخب اليمن عضوا غير دائم في مجلس الأمن للدورة التي بدأت عام 1990، ما منح صنعاء حضورا أكبر في المؤسسات الدولية.
حرب عام 1994
شهد عام 1990 تدهور العلاقات الأمريكية اليمنية، رغم أنه بدأ بزيارة للرئيس علي عبد الله صالح إلى واشنطن. فقد استقبل الرئيس جورج بوش الأب نظيره اليمني في البيت الأبيض، وبعد أقل من ثلاثة أشهر، أدى الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس/آب 1990 إلى وضع اليمن أمام اختبار صعب، فقد كانت لدى الرئيس صالح علاقات وطيدة مع العراق منذ درس في كلية القيادة والأركان العليا ببغداد عام 1970، ومن ثم عارض قرار مجلس الأمن الذي أجاز استخدام القوة لإخراج القوات العراقية من الكويت، وقررت واشنطن وقف المساعدات الاقتصادية لليمن.
ومع وصول بيل كلينتون إلى البيت الأبيض مطلع عام 1993، ركزت إدارته الجديدة على احتواء العراق وإيران، ودفع عملية السلام العربية الإسرائيلية التي اكتسبت زخما بعد اتفاق أوسلو، فيما حرصت بعض الأطراف الإقليمية، بحسب ريدل، على معاقبة صالح على خلفية موقفه خلال أزمة الكويت، ورأت في الخلافات بين شركاء الوحدة اليمنية فرصة لإضعافه، وبالأخص مع تنامي شعور شخصيات من الحزب الاشتراكي اليمني بالتهميش نتيجة هيمنة صالح وحلفائه على مؤسسات الدولة.

ويقدم ريدل شهادة من موقعه داخل الاستخبارات الأمريكية، إذ تولى عام 1993 منصب مسؤول الاستخبارات لشؤون الشرق الأدنى وجنوب آسيا. ويذكر أن فريقه حذر البيت الأبيض من اندلاع حرب أهلية وشيكة في اليمن، وأن دولة إقليمية تقف خلف المساعي الرامية إلى انفصال الجنوب. وتفاقمت الأزمة في أغسطس/آب 1993، مع مغادرة علي سالم البيض نائب الرئيس صنعاء، معلنا عدم قدرته على مواصلة العمل مع صالح.
وفي 27 أبريل/نيسان 1994، اندلعت الحرب بين القوات الموالية لصالح والوحدات العسكرية الجنوبية، وشهدت المناطق القريبة من صنعاء معركة دبابات انتهت بهزيمة القوات الجنوبية. وتبادل الطرفان الغارات الجوية. وفي 21 مايو/أيار، أعلن قادة الجنوب الانفصال وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية، لكن قوات صالح تقدمت نحو عدن.
وتعرضت إدارة كلينتون لضغوط من بعض حلفائها لدعم الانفصاليين والاعتراف بالدولة الجنوبية، لكنها أعلنت تأييد وحدة اليمن، إذ خشيت أن يؤدي الانفصال إلى قيام دولة جنوبية غير مستقرة، يمكن أن تتبنى سياسات راديكالية أو تقترب من العراق وصدام حسين. وفي الرابع من يوليو/تموز 1994، سقطت عدن في أيدي القوات الموالية لصالح، والتي استكملت السيطرة على بقية المناطق الجنوبية، بينما غادر علي سالم البيض إلى المنفى في عمان. وأعلن صالح عفوا عاما، وتعززت قبضته على الدولة الموحدة.
هجوم المدمرة كول وأحداث سبتمبر/أيلول
بعد تفجير السفارتين الأمريكيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998، بدأت السفن الحربية الأمريكية في استخدام ميناء عدن من أجل التزود بالوقود، بدلا من موانئ شرق أفريقيا. وفي يوم 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000، وصلت المدمرة كول إلى ميناء عدن للتزود بالوقود، فاصطدم بها زورق مفخخ ما أسفر عن مقتل 17 بحارا أمريكيا وإصابة العشرات.
أُرسلت فرق من مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى اليمن لجمع الأدلة، وتوصلت إلى أدلة تشير إلى مسؤولية تنظيم القاعدة، وأبلغ مدير وكالة الاستخبارات المركزية البيت الأبيض بأن الوكالة ليس لديها أهداف يمكن ضربها ردا على الهجوم. وانشغلت واشنطن بتطورات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، ومحاولات كلينتون استئناف المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وقد رافق ريدل الرئيس الأمريكي إلى شرم الشيخ للمشاركة في القمة التي ضمت رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، إلى جانب الرئيس المصري حسني مبارك والملك الأردني عبد الله الثاني. وبعد فشل القمة في وقف الانتفاضة، دخلت واشنطن في أزمة الانتخابات الرئاسية المتنازع على نتيجتها بين آل غور وجورج بوش الابن.

بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، حاز اليمن أهمية في الإستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، نظرا لوجود شبكات مرتبطة بتنظيم القاعدة داخل البلاد. وفي أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2001، زار صالح واشنطن، والتقى الرئيس بوش الابن، في اجتماع حضره ريدل. وطلب بوش من صالح اتخاذ إجراءات ضد تنظيم القاعدة، وقدم له أسماء محددة لمطلوبين ينبغي اعتقالهم، فيما تلقى صالح وعودا بالحصول على معدات عسكرية إضافية إذا اتخذت حكومته خطوات ملموسة لملاحقة عناصر التنظيم.
ويكشف ريدل عن حوار جرى خلال الاجتماع الرئاسي، حيث عرض صالح التوسط بين واشنطن وصدام حسين مع تصاعد الحديث عن احتمال توسيع الحرب على الإرهاب لتشمل العراق. واستشهد صالح بمثل يحذر من حبس القط داخل قفص، لأنه قد يتحول إلى أسد، في إشارة إلى مخاطر محاصرة صدام حسين ودفعه إلى اتخاذ مواقف أكثر عدائية، لكن بوش رد بأن هذا القط مصاب بداء الكلب ويجب قتله.
"يرى ريدل أن نظام صالح لم يتعامل مع تنظيم القاعدة بالجدية المطلوبة"
وقد زار الرئيس اليمني البيت الأبيض ثلاث مرات بين عامي 2004-2007. وفي كل زيارة، كررت الإدارة الأمريكية مطالبتها باتخاذ إجراءات أكثر فاعلية ضد تنظيم القاعدة، وفي المقابل قدم صالح تعهدات بالتعاون. ويرى ريدل أن نظام صالح لم يتعامل مع تنظيم القاعدة بالجدية المطلوبة، نظرا لمراعاته توازنات قبلية ومجتمعية، كما أضاف أن الأجهزة الأمنية اليمنية كانت مخترقة من طرف عناصر تربطها علاقات بالتنظيم.
إدارة أوباما والاهتمام باليمن
مع وصول أوباما إلى البيت الأبيض، بدأت إدارته في تقييم إستراتيجيتها في أفغانستان وباكستان، وكلف أوباما شخصيا بروس ريدل مطلع عام 2009 برئاسة عملية مراجعة مشتركة بين المؤسسات الأمريكية للسياسة تجاه أفغانستان وباكستان. ومع إعلان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب اتخاذه اليمن مقرا له، اقترح بعض المسؤولين في البيت الأبيض إضافة اليمن إلى المراجعة، لكن الاقتراح لم يُعتمد، واقتصرت المراجعة على أفغانستان وباكستان.
وقد تولى جون برينان، مستشار أوباما لشؤون الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، متابعة الملف اليمني، مستفيدا من خبرته في العمل بالسعودية ومعرفته بالمنطقة. وزار برينان اليمن 4 مرات بين عامي 2009 و2011 للقاء صالح وبحث التعاون في مكافحة الإرهاب. وفي هذه المرحلة، ارتفعت المساعدات الأمريكية لليمن إلى نحو 150 مليون دولار.
أكدت محاولة تفجير طائرة ركاب أمريكية في 25 ديسمبر/كانون الأول 2009 مخاوف واشنطن، بعدما حاول النيجيري عمر فاروق تفجير عبوة ناسفة أخفاها في ملابسه أثناء رحلة جوية من أمستردام إلى ديترويت، إذ كانت العبوة قد صُنعت في اليمن، وأعد المهاجم تسجيلا مصورا قبل تنفيذ العملية، أعلن فيه ارتباطه بتنظيم القاعدة. وأظهرت المحاولة أن التهديد الصادر من اليمن يمكنه الوصول إلى الأراضي الأمريكية، ما دفع إدارة أوباما لإعطاء الأولوية للتعاون الاستخباري والعمليات الأمنية داخل اليمن، في وقت واجهت فيه حكومة صالح تحديات داخلية جمة، من أبرزها الصراع مع الحوثيين في شمال البلاد، وتنامي الاحتجاجات والحركات الانفصالية في الجنوب.
انصب اهتمام واشنطن على تنظيم القاعدة، فيما خاض الجيش اليمني سلسلة من الحروب في صعدة والمناطق المحيطة بها، تخللتها اتفاقات لوقف إطلاق النار لم تصمد طويلا.
الثورة اليمنية عام 2011
مع امتداد موجة الربيع العربي إلى اليمن عام 2011، انضم الحوثيون إلى الاحتجاجات المطالبة برحيل صالح. ويشير ريدل إلى أن إدارة أوباما تعاملت بحذر مع الأزمة، لأنها خشيت أن يؤدي سقوط صالح بصورة مفاجئة إلى فراغ أمني يسمح لتنظيم القاعدة بتعزيز نفوذه. ولهذا، فضلت واشنطن الدعوة إلى التهدئة والحوار، بدلا من الدفع نحو الإطاحة بالرئيس اليمني، رغم تصاعد المطالب الشعبية برحيله.
وفي 3 يونيو/حزيران 2011، تعرض صالح لإصابات خطيرة إثر انفجار داخل مسجد القصر الرئاسي في صنعاء. ونُقل في اليوم التالي إلى السعودية لتلقي العلاج، بعدما أصيب بحروق وشظايا، وتولى نائبه عبد ربه منصور هادي إدارة شؤون الدولة بصورة مؤقتة. وعاد صالح إلى اليمن في سبتمبر/أيلول، لكن تصاعد الاحتجاجات والانقسامات العسكرية جعلا بقاءه في السلطة أصعب، خصوصا مع تزايد الضغوط الإقليمية والدولية للتوصل إلى تسوية تنهي الأزمة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وافق صالح على نقل السلطة إلى نائبه مقابل الحصول على حصانة من الملاحقة القضائية، وذلك ضمن المبادرة الخليجية التي حظيت بدعم دولي. وغادر صالح إلى الخارج لتلقي مزيد من العلاج. ويوضح ريدل أن هذه التسوية أبقت جانبا مهما من مصادر القوة بيد الرئيس السابق، حيث احتفظ بنفوذه داخل الجيش والأجهزة الأمنية، بينما لم يمتلك الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي قاعدة سياسية أو عسكرية تكفي لإدارة التنافس بين القوى اليمنية، ما جعل المرحلة الانتقالية تعتمد على التوافقات الخارجية، وعلى مدى استعداد الأطراف الداخلية للالتزام بالترتيبات الجديدة.
بعد تولي هادي الرئاسة، بدأت عملية حوار وطني بمشاركة القوى السياسية والاجتماعية اليمنية، وبدعم إقليمي ودولي، بهدف التوصل إلى ترتيبات دستورية ومؤسسية جديدة. وانتهى الحوار إلى اقتراح بتدشين دولة اتحادية تتكون من ستة أقاليم تتمتع بقدر من الحكم الذاتي، لكن اعترض الحوثيون على التقسيم المقترح، بحجة أنه يضع المناطق الزيدية الرئيسية في إقليمين داخليين لا يتمتعان بمنافذ بحرية، ما اعتبروه محاولة لتقييد نفوذهم.
وفي عام 2014، بدأ الحوثيون التنسيق سرا مع صالح، رغم سنوات الحرب التي خاضها الطرفان ضد بعضهما. وقد استفاد الحوثيون من ولاء قطاعات كبيرة من الجيش لصالح وأفراد أسرته، بينما رأى الرئيس السابق في التحالف فرصة لإضعاف الرئيس هادي، وتوج هذا التحالف بسيطرة الحوثيين على صنعاء في يناير/كانون الثاني 2015.
ويرى ريدل أن السياسة الأمريكية تجاه اليمن عند اندلاع أزمة 2015 تأثرت بأولويات إدارة أوباما، وفي مقدمتها التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران. ولكن عندما طلبت الرياض دعما أمريكيا في مارس/آذار 2015، وافق أوباما خشية أن يؤدي رفض الطلب السعودي إلى أزمة حادة في العلاقات الثنائية، ولتخفيف اعتراضات الرياض على السياسة الأمريكية تجاه إيران. وقد شمل الدعم الأمريكي تقديم مساعدات تتعلق بالتسليح والصيانة والإمداد، إلى جانب أشكال من التعاون الاستخباري والعملياتي.
حقبة ترامب ومعركة الحديدة
وصل ترامب إلى السعودية في 20 مايو/أيار 2017، في أول زيارة خارجية له منذ توليه الرئاسة، في سابقة لم تحدث من أي رئيس أمريكي سابق. واستقبله الملك سلمان في المطار، بالتزامن مع تنظيم عدة قمم، شملت اجتماعا لمجلس التعاون الخليجي، وقمة ضمت قادة دول عربية وإسلامية. واتهم ترامب طهران بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار الإقليمي، وأيد الموقف الذي يعتبر الحوثيين قوة تعمل لصالح إيران.
في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اندلعت اشتباكات بين قوات صالح والحوثيين داخل صنعاء، ليعلن الرئيس السابق في 2 ديسمبر/كانون الأول إنهاء تحالفه معهم. وبعد يومين، هاجم الحوثيون منزل صالح في صنعاء، الذي قتل أثناء محاولته الفرار من العاصمة. وأزال مقتل صالح الشخصية الأبرز التي هيمنت على الحياة السياسية اليمنية منذ أواخر السبعينيات، مستخدمة التنافس بين القوى المختلفة للحفاظ على سلطتها، أو حسب تعبير صالح ذاته "سياسة الرقص فوق رؤوس الأفاعي". ومع غياب صالح أصبح الحوثيون القوة المهيمنة على مؤسسات الحكم في صنعاء، وتراجع نفوذ حزب المؤتمر الشعبي العام.
استعدت قوات التحالف في خريف 2018 لتعزيز عملياتها في الساحل الغربي لليمن، بهدف السيطرة على ميناء الحديدة الذي يعد أحد أهم المنافذ التجارية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ويذكر ريدل أن وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس تدخل لوقف الهجوم على الحديدة. وأسهمت الضغوط الأمريكية في التوصل إلى اتفاق ستوكهولم في ديسمبر/كانون الأول 2018، الذي نص على وقف إطلاق النار في محافظة الحديدة، وإشراف الأمم المتحدة على تنفيذ الاتفاق.

ومع وصول بايدن إلى البيت الأبيض في عام 2021، كان إنهاء الحرب اليمنية أحد التعهدات المعلنة للإدارة الأمريكية الجديدة. كانت إحدى أولى الخطوات التي اتخذتها الإدارة الجديدة إلغاء تصنيف جماعة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، وهو التصنيف الذي أعلنته إدارة ترامب في أيامها الأخيرة. ويقول ريدل إن استمرار التصنيف كان سيضع قيودا قانونية على تعامل المؤسسات الأمريكية والدولية مع المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بما يهدد عمليات الإغاثة في بلد يعتمد الملايين من سكانه على المساعدات الخارجية. وفي 4 فبراير/شباط 2021، أعلن بايدن أن الحرب اليمنية يجب أن تنتهي، وعين الدبلوماسي تيم ليندركينغ مبعوثا أمريكيا خاصا لليمن.
"كان إنهاء الحرب اليمنية أحد التعهدات المعلنة لإدارة بايدن"
وفي 2 أبريل/نيسان 2022، دخلت هدنة توسطت فيها الأمم المتحدة حيز التنفيذ. ونص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية لمدة شهرين، كما تضمن ترتيبات لتسهيل دخول سفن الوقود إلى ميناء الحديدة، واستئناف الرحلات الجوية التجارية من مطار صنعاء إلى عمان والقاهرة. وتزامنت الهدنة مع نقل عبد ربه منصور هادي صلاحياته في 7 أبريل/نيسان 2022 إلى مجلس قيادة رئاسي برئاسة رشاد العليمي. ويشير ريدل إلى أن هذا التغيير حدث في ظل تراجع قدرة هادي على توحيد القوى التي تقاتل الحوثيين.
ويتوقف الكتاب عند هذه الحقبة، التي أعقبتها عملية طوفان الأقصى، وانخرط الحوثيون بعدها في جولات قتال مع إسرائيل والولايات المتحدة، وأعيد تصنيفهم أمريكيا ضمن قوائم الإرهاب، وصولا لانهيار الهدنة في اليمن في عام 2026، وعودة القتال مجددا.
وفي الختام، تكتسب شهادة ريدل أهميتها من الجمع بين خبرته المهنية داخل وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي، واطلاعه على كواليس العلاقات مع القيادات في اليمن والمنطقة. وتكشف قراءته لتاريخ العلاقات الأمريكية اليمنية عن تباين بين حجم الاهتمام الأمريكي باليمن في أوقات الأزمات، ومحدودية الجهد المخصص لفهم تطوراته الداخلية في الفترات الأخرى. فقد اكتسب اليمن أهمية لدى واشنطن عندما ارتبط بالتنافس مع الاتحاد السوفيتي، أو بأمن النفط في منطقة الخليج، أو بتهديدات تنظيم القاعدة، وغابت عن منظور واشنطن فيما سوى ذلك، ما جعل السياسة الأمريكية تجاهه تتسم بالتذبذب، مع غياب رؤية كلية.

















