لم يكن أحد يتوقع أن تتحول غابة هادئة على الساحل الكيني إلى مسرح لإحدى أبشع المآسي التي شهدتها البلاد، أو أن يقود زعيم إحدى الطوائف أتباعه إلى مصير مأساوي باسم الخلاص الروحي.
القصة بدأت بتعاليم دينية جذبت عائلات بحثت عن النجاة، قبل أن تتحول إلى عزلة عن العالم الخارجي، ثم إلى اختفاء أشخاص وشهادات مروعة ومقابر جماعية أثارت صدمة واسعة.
أخبار مقترحة
وبعد أكثر من 3 سنوات على اكتشاف أولى الجثث، أعاد حكم قضائي صدر الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 فتح ملف القضية، كاشفا تفاصيل جديدة عن مصير عشرات الأطفال الذين دفعوا حياتهم ثمنا لتلك المعتقدات.
زعيم جماعة دينية
بول ماكنزي، كيني عمل سابقا سائقا لسيارة أجرة قبل أن يؤسس طائفة أطلق عليها اسم "كنيسة الأخبار السارة الدولية".
نجح ماكنزي في استقطاب أتباع آمنوا بتعاليمه عن اقتراب نهاية العالم وضرورة الاستعداد للقاء المسيح، لكن تلك التعاليم اتخذت منحى أكثر خطورة مع مرور الوقت.
وحسب وكالة رويترز، دعا ماكنزي أتباعه إلى ترك حياتهم السابقة والانتقال إلى منطقة معزولة في مقاطعة كيليفي الساحلية، بعيدا عن المدارس والمستشفيات والمجتمعات المحلية.
واختار أتباع الجماعة غابة شاكاهولا مكانا لإقامتهم، في خطوة بدت لهم بداية لحياة روحية جديدة، لكنها كانت بداية مأساة لم تتضح أبعادها إلا بعد سنوات.

تعليمات قادت إلى الموت
داخل الغابة، بدأت الجماعة تطبيق تعاليم أكثر تطرفا، بعدما أقنع ماكنزي أتباعه بأن الامتناع عن الطعام والماء حتى الموت سيقودهم إلى الجنة قبل نهاية العالم.
ولم تقتصر تلك الممارسات على البالغين، بل امتدت إلى الأطفال الذين حُرموا من الطعام والشراب امتثالا لتعليمات زعيم الجماعة.
وكشفت التحقيقات أن بعض الضحايا لم يموتوا بسبب الجوع وحده، بل تعرضوا للضرب والخنق، فيما تولى أفراد من الجماعة مراقبة الممتنعين عن الطعام ومنعهم من الهرب أو الحصول على الغذاء.
وفي مارس/آذار 2023، بدأت السلطات الكينية تتلقى معلومات عن وفاة أطفال داخل الغابة، قبل أن تقود عمليات البحث إلى اكتشاف قبور ضحلة وجثث دفنت في مناطق متفرقة.
ومع استمرار عمليات التنقيب، ارتفع عدد الجثث المستخرجة إلى أكثر من 400، لتتحول القضية إلى واحدة من أكبر المآسي المرتبطة بجماعة دينية في تاريخ كينيا الحديث.
أطفال شاهدوا إخوتهم يموتون
من أكثر التفاصيل مأساوية هو ما كشفته شهادات الأطفال الذين نجوا من الغابة.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن القاضية ديانا كافيدزا أن بعض الأطفال شاهدوا إخوتهم يموتون أمام أعينهم، بينما كان آباؤهم يأكلون ويشربون.
وأظهرت الشهادات أن أطفالا تعرضوا للضرب والخنق والحرمان المتعمد من الغذاء، في ظروف وصفتها المحكمة بأنها قاسية وغير إنسانية.
ومن بين العائلات التي دمرتها تلك الممارسات، عائلة المعلم الكيني فرانسيس وانجي، البالغ 62 عاما، الذي فقد اثنين من أحفاده.
الطفلان، البالغان عامين و5 أعوام، توفيا بعدما منعهما والداهما من الطعام والشراب امتثالا لتعاليم الجماعة.
أما شقيقهما، الذي يبلغ اليوم 11 عاما، فقد نجا بعدما أمضى 8 أيام دون طعام، قبل إنقاذه في مارس/آذار 2023.

حكم بالسجن 200 عام
بعد سنوات من التحقيقات والمحاكمات، أصدرت المحكمة العليا في مدينة مومباسا، أمس الجمعة 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، حكما بالسجن 200 عام بحق ماكنزي.
وأدانته المحكمة بقتل 190 طفلا وشخص بالغ، وقضت بسجنه 100 عام عن جرائم القتل بالتجويع، و100 عام أخرى عن جرائم القتل المباشر.
وطالبت النيابة العامة بإعدامه، لكن القاضية رفضت الطلب، معتبرة أن عقوبة الإعدام قد لا تحقق الردع في حالة أشخاص ينظرون إلى الموت باعتباره طريقا للوصول إلى الجنة.
كما أصدرت المحكمة أحكاما بالسجن تراوحت بين 10 أعوام و160عاما بحق 28 شخصا آخرين أدينوا بالمشاركة في الجرائم.
وظهر ماكنزي في جلسة النطق بالحكم مرتديا قميصا رماديا وسروالا أسود، ولم يُبد رد فعل واضحا أثناء تلاوة العقوبة.
وكان ماكنزي قد أنكر إجبار أتباعه على التجويع، لكن المحكمة رفضت دفاعه بعد مراجعة الأدلة والشهادات، فيما أعلن محاميه عزمه الطعن في الحكم.
تحذيرات سبقت المأساة
لم تكن أنشطة ماكنزي مجهولة للسلطات قبل اكتشاف المقابر الجماعية. ففي عام 2017، خضع للتحقيق على خلفية اتهامات بالتطرف، ثم أُوقف مجددا عام 2019 في قضية مرتبطة بوفاة طفلين، قبل إطلاق سراحه بكفالة.
وحسب تقارير صحفية، منع ماكنزي أتباعه من إرسال أطفالهم إلى المدارس أو تلقي العلاج بالمستشفيات، وروّج لفكرة أن التعليم الحديث والطب من أدوات الشر.
وأثارت تلك الوقائع تساؤلات بشأن أسباب عدم تدخل السلطات في وقت مبكر، ومدى مسؤولية الأجهزة الأمنية عن تجاهل التحذيرات التي سبقت اكتشاف المقابر.
ولا تزال التحقيقات في وفيات أخرى مستمرة، وسط تقديرات تشير إلى احتمال اقتراب عدد الضحايا المرتبطين بهذه الجماعة من 500 شخص.
وبالنسبة إلى عائلات الضحايا، لم يكن الحكم نهاية للمأساة، إذ لا يزال بعضها يبحث عن أقارب مفقودين، بينما يعيش الناجون مع ذكريات سنوات من الخوف والجوع وفقدان أفراد أسرهم.

















