في أوائل عام 1960، وأثناء تحليق مروحية تقل دبلوماسيين أمريكيين فوق صحراء النقب، أشار أحدهم إلى موقع بناء غامض وسأل عن ماهيته. حينها أجاب مرافقه الإسرائيلي، آدي كوهين، بأنه مجرد "مصنع للنسيج".
وبحسب تقرير شامل نشرته شبكة "سي إن إن" (CNN) الأمريكية، لم يكن ذلك الموقع سوى "مفاعل ديمونة"، مهد الترسانة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط.
وكشفت برقية دبلوماسية أمريكية ضمن وثائق رفع عنها السرية ونشرها "أرشيف الأمن القومي"، أن السفير الأمريكي حينها أوغدن ريد طالب بلقاء كوهين بعدما اكتشفت المخابرات الأمريكية حقيقة الموقع.
وتشير الوثيقة إلى أن كوهين تعامل مع الأمر باستخفاف في البداية، لكن الانطباع الأمريكي تأكد بأن المفاعل سيُستخدم لأغراض عسكرية.

تكتيكات الخداع الأمريكية والإسرائيلية
ويشير تقرير "سي إن إن" إلى تكتيكات الخداع المعقدة التي مارستها إسرائيل لسنوات طويلة؛ مستشهدا بفيلم وثائقي إسرائيلي صدر عام 2024 بعنوان "الذرة وأنا"، كشف أن المسؤولين الإسرائيليين كانوا يبنون جدارا زائفا لإخفاء المصعد المؤدي للمنشأة السرية تحت الأرض لإنتاج البلوتونيوم، وذلك لخداع المفتشين الأمريكيين قبل وصولهم.
كما لفت التقرير الانتباه إلى حادثة غامضة وقعت بعد 5 سنوات من بدء المشروع، تمثلت في اكتشاف اختفاء مئات الأرطال من اليورانيوم المخصب من مصنع في ولاية بنسلفانيا الأمريكية، وهو ما رجحت تقارير للمخابرات الأمريكية تحويله لصالح البرنامج الإسرائيلي.
أما عن الجذور السياسية لـ"الغموض النووي"، فتستند الشبكة الأمريكية إلى مذكرة سرية من أرشيف الأمن القومي، تلخص محادثات أجراها هنري كيسنجر (قبل توليه منصب مستشار الأمن القومي) أواخر الستينيات مع قادة إسرائيليين، بينهم شمعون بيريز.
وتوضح الوثيقة أن كيسنجر أدرك وجود إجماع إسرائيلي على تطوير السلاح، لكنه لاحظ حرصهم على عدم الظهور بمظهر من يُدخل الأسلحة النووية للمنطقة. واستغل الجانبان ضبابية مصطلح "الظهور"، إذ قال السفير الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين للمسؤولين الأمريكيين عام 1968 إن السلاح لا يُعد "مظهرا" إلا إذا جرى اختباره والإعلان عنه رسميا.

تفادي الغضب العربي والسوفياتي
وتضيف المذكرة المرفوعة للرئيس ريتشارد نيكسون عام 1969، وفقا لما نقلته "سي إن إن"، أن واشنطن خشيت من أن الإعلان الإسرائيلي سيدفع الدول العربية، التي كانت تعاني من تبعات هزيمة حرب 1967، لطلب مظلة نووية من الاتحاد السوفياتي.
وأدرك كيسنغر صعوبة إيقاف البرنامج الإسرائيلي دون إثارة أزمة سياسية داخلية في واشنطن مع الكونغرس، فكان الحل هو اللجوء لسياسة "الغموض".
ورغم غياب وثيقة رسمية تسجل اللحظة الدقيقة لانطلاق هذه السياسة، ينقل التقرير عن المؤرخ أفنير كوهين ترجيحه بأن نيكسون ورئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير أبرما اتفاقا شفهيا عام 1969 يقضي بتغاضي واشنطن عن البرنامج، مقابل التزام إسرائيل الصمت وتجنب إجراء تجارب علنية، وهو ما أنهى الضغوط الأمريكية على إسرائيل في هذا الملف.
ورغم هذه السرية، يذكر تقرير الشبكة أن الشكوك الدولية تبددت تماما عام 1986 عندما كشف الفني السابق بمفاعل ديمونة، موردخاي فعنونو، أسرار البرنامج لصحيفة "صنداي تايمز" البريطانية بالصور. وعقب ذلك، استدرجه الموساد إلى روما وخدره ونقله سرا إلى إسرائيل، ليقضي 18 عاما من السجن في العزل الانفرادي، وفقا لما نقله التقرير عن الكاتب الصحفي بيتر هونام الذي كان خلف التحقيق الصحفي في صنداي تايمز.
وفي فترة التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب الباردة وتلاشي التهديد السوفياتي، ضمنت إسرائيل تعهدات خطية سرية من واشنطن بدءا من إدارة بيل كلينتون بعدم مطالبتها بنزع سلاحها.
تململ أمريكي واعتراف غير مسبوق
وفي الوقت الحالي، تتزايد الضغوط في الكونغرس لإنهاء "سياسة الإنكار" في ظل مطالبة نواب بارزين بالكشف عن البرنامج النووي الإسرائيلي.
وتنقل "سي إن إن" عن النائب الديمقراطي خواكين كاسترو قوله إن سياسة الغموض "باتت متهورة وخطيرة"، محذرا من مخاطر خوض واشنطن حربا إلى جانب إسرائيل ووجود قوات أمريكية في المنطقة دون معرفة "الخطوط الحمراء" لاستخدام إسرائيل ترسانتها النووية أو وضع خطط طوارئ.
ودفع هذا الحراك في جلسات الاستماع وزير الخارجية ماركو روبيو للإدلاء باعتراف يعتبر الأكثر صراحة من مسؤول أمريكي رفيع، حيث قال للكونغرس: "أعتقد أن معظم العالم يقيّم أنهم يمتلكونها (الأسلحة النووية).. لكن كجزء من سياستنا الخارجية، ولأسباب متعددة، نحن لا نناقش الأمر بهذه الطريقة".
ويأتي هذا التململ متزامنا مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بإنهاء مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة نحو 4 مليارات دولار، مما يطرح تساؤلات حول صمود سياسة التكتم.

سباق التسلح الإقليمي يهدد "الغموض"
ويخلص تقرير "سي إن إن" إلى أن سباق التسلح الإقليمي قد يوجه الضربة القاضية لسياسة الغموض الإسرائيلي. فإيران، رغم قصف منشآتها، لا تزال تمتلك نحو 1000 رطل من اليورانيوم عالي التخصيب.
وينقل التقرير عن جيمس أكتون، الخبير في مؤسسة "كارنيغي"، توقعه بوجود فرصة بنسبة 50% لحصول طهران على القنبلة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وفي ضوء هذه التطورات، ينقل التقرير عن الإستراتيجي النووي ماثيو كرونيغ قوله إنه إذا أجرت إيران تجربة نووية وحازت القنبلة، فإن السيناريو "البديهي" هو أن تُجبر إسرائيل والولايات المتحدة على التخلي عن سياسة الغموض، وستحتاج تل أبيب حينها إلى إعلان إستراتيجيتها النووية صراحة وإجراء مناورات عسكرية لخلق "ردع مصدق" ضد طهران.















