ديك تشيني.. ظل بوش الابن ومهندس حرب العراق

LONDON, UNITED KINGDOM - APRIL 17: Former U.S. vice-president Dick Cheney leaves after attending the funeral service of former British prime minister Margaret Thatcher at St Paul's Cathedral on April 17, 2013 in London, England. Dignitaries from around the world today join Queen Elizabeth II and Prince Philip, Duke of Edinburgh as the United Kingdom pays tribute to former Prime Minister Baroness Thatcher during a Ceremonial funeral with military honours at St Paul's Cathedral. Lady Thatcher, who died last week, was the first British female Prime Minister and served from 1979 to 1990. (Photo by Olivia Harris - WPA Pool/Getty Images)
ديك تشيني كان من أكثر نواب الرئيس تأثيرا في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية (غيتي)

ديك تشيني سياسي جمهوري أميركي من أصل بريطاني، ولد عام 1941، وتوفي عام 2025. بدأ مسيرته السياسية متدربا في مجلس الشيوخ وبرز منذ سبعينيات القرن الماضي عضوا في مجلس النواب الأميركي، ومن ثم وزيرا للدفاع، وفي عام 2001 أصبح نائب الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.

كان من أكثر نواب الرئيس تأثيرا في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، وارتبطت سيرته بميله إلى استخدام القوة العسكرية في حل المشكلات الخارجية، وأبرزها الحرب على أفغانستان عام 2001 وغزو العراق عام 2003.

كان ديك تشيني من دعاة استخدام الأساليب الوحشية للحصول على المعلومات كالمراقبة دون إذن قضائي، والاحتجاز لأجل غير مسمى والتعذيب.

المولد والنشأة

ولد ريتشارد بروس تشيني (ديك تشيني) يوم 30 يناير/كانون الثاني 1941 في مدينة لنكولن بولاية نبراسكا، وهو ينحدر من سلالة مهاجرين بريطانيين يعودون إلى فترة هجرة البروتستانت في القرن الـ17.

والده هو بروس تشيني، وكان يعمل وكيلا لحفظ التربة في وزارة الزراعة، ووالدته مارغوري لورين.

انتقلت عائلته وهو صغير إلى مدينة سامنر بولاية نبراسكا، ومن ثم إلى مدينة كاسبر بولاية وايومنغ، وترعرع هناك.

تزوج من لين آن فنسنت في 1964 ولهما ابنتان.

الدراسة والتكوين العلمي

تلقى ديك تشيني تعليمه الابتدائي بمدرسة كالفيرت، وتابع دراسته الثانوية بمدرسة مقاطعة ناترونا.

بعد تخرجه من الثانوية العامة في 1959، التحق بجامعة "ييل" ومن ثم كلية "كاسبر" قبل أن يتركهما بسبب ضعف درجاته.

انتقل إلى جامعة "وايومنغ" وحصل منها على البكالوريوس في العلوم السياسية ثم الماجستير عام 1966، ومن ثم التحق بجامعة "ويسكونسن ماديسون" للحصول على الدكتوراه قبل أن ينسحب منها.

وفي أبريل/نيسان 2007 منحته جامعة "بريغهام يونغ" الدكتوراه الفخرية في الخدمة العامة.

في فترة دراسته تقدم تشيني بـ5 طلبات لتأجيل الخدمة العسكرية في حرب فيتنام وحصل عليها، وعلل ذلك بأن "لديه أولويات غير الخدمة العسكرية".

التجربة السياسية

بدأ ديك تشيني مسيرته السياسية عام 1969 متدربا لدى عضو الكونغرس ويليام ستايجر، ثم انضم في العام نفسه إلى إدارة الرئيس الأميركي وقتها ريتشارد نيكسون، وعمل مساعدا خاصا لمدير مكتب الفرص الاقتصادية آنذاك دونالد رامسفيلد.

إعلان

وفي عام 1971 أصبح مساعدا لموظفي البيت الأبيض، ومن ثم نائبا لمدير مجلس تكاليف المعيشة لمدة 3 سنوات.

وبعد استقالة نيكسون واستلام الرئيس جيرالد فورد الحكم في أغسطس/آب 1974، عمل تشيني ضمن فريق نقل السلطات، ثم وكيلا مساعدا للرئيس.

RAMALLAH, WEST BANK - MARCH 23: In this handout photo provided by the Palestinian Press Office (PPO), Palestinian leader Mahmoud Abbas (R) walks with U.S. Vice President Dick Cheney (C) March 23, 2008 in West Bank, Gaza. Cheney, who is visiting officials in Israel and the Palestinian West Bank said his administration was "dedicated to doing all we can" to move the peace process forward. (Photo by Omar Rashidi/PPO via Getty Images)
محمود عباس (يمين) وعلى يمينه نائب الرئيس الأميركي آنذاك ديك تشيني في زيارة للضفة الغربية عام 2008 (غيتي)

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1975، عين مساعدا للرئيس ورئيسا لهيئة موظفي البيت الأبيض، وهو المنصب الذي شغله طوال الفترة المتبقية من إدارة فورد.

بعد عودته إلى موطنه في ولاية وايومنغ عام 1977، انتخب عضوا عن الحزب الجمهوري لتمثيل الولاية في مجلس النواب الأميركي، وأعيد انتخابه 5 مرات حتى عام 1989.

وأثناء عمله في المجلس، خدم في لجنة الاستخبارات واللجنة الفرعية لميزانية الاستخبارات، وشغل رئاسة لجنة السياسات الجمهورية بين 1981 و1987.

وفي عام 1987 انتخب رئيسا لمؤتمر الجمهوريين في مجلس النواب، ثم نائبا في مجلس الأقلية في 1988.

عينه الرئيس جورج بوش الأب وزيرا للدفاع في الفترة من 21 مارس/آذار 1989 إلى يناير/كانون الثاني 1993، وهو المنصب الذي ساهم من خلاله في إعادة صياغة السياسة العسكرية بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة.

وأشرف على قيادة التحالف الدولي لطرد القوات العراقية من الكويت عام 1991، وقاد الغزو الأميركي لدولة بنما تحت اسم "القضية العادلة" أواخر 1989، وهو الغزو الذي أطاح برئيسها الجنرال مانويل نورييغا.

وقاد ديك تشيني عملية خفض أعداد القوات المسلحة الأميركية بنسبة 25% في أوائل تسعينيات القرن الـ20، إذ ألغى أنظمة أسلحة رئيسية وأغلق العديد من القواعد العسكرية.

وفي 20 يناير/كانون الثاني 1993، انضم زميلا أول إلى معهد "أميركان إنتربرايز" في العاصمة واشنطن، واهتم بشؤون الأمن القومي.

وفي عامي 1993 و1994، راودته فكرة الترشح للرئاسة، وزار 47 ولاية لتقييم فرصه، لكنه تراجع عن ذلك واتجه إلى الاستثمار.

وبين عامي 1995و2000، أصبح تشيني رئيسا ومديرا تنفيذيا لشركة "هاليبورتون" للخدمات النفطية، التي حققت أرباحا كبيرة أثناء غزو العراق، مما أثار انتقادات واسعة له بشأن تضارب المصالح.

تمثلت النقلة الأبرز في حياته، عندما ترشح جورج بوش (الابن) للانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2001، إذ ظهر ديك تشيني متحدثا رسميا باسمه ومديرا شخصيا وإستراتيجيا لحملته الانتخابية، وساعده في اختيار أعضاء فريقه الرئاسي، وأدار فريقه الانتقالي.

ونظرا لدوره هذا، عينه بوش نائبا له في فترتي رئاسته للولايات المتحدة من 20 يناير/كانون الثاني 2001 إلى 20 يناير/كانون الثاني 2009.

ويعد من أكثر نواب الرئيس تأثيرا في تاريخ الولايات المتحدة، إذ كان القوة الدافعة خلف قرارات مصيرية، أبرزها الحرب على العراق وأفغانستان، في إطار ما عرف بـ"الحرب على الإرهاب" عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001.

محاولة اغتيال

في 27 فبراير/شباط 2007، وبينما كان تشيني يزور قاعدة بغرام الجوية في أفغانستان فجر انتحاري نفسه خارجها، مما أسفر عن مقتل 23 شخصا وإصابة 20 آخرين، وأعلنت حركة طالبان مسؤوليتها عن الهجوم وقالت إن تشيني كان هدفها.

JERUSALEM - MARCH 23: In this handout image provided by the Israeli Government Press Office, Israeli President Shimon Peres meets with US Vice President Dick Cheney on March 23, 2008 in Jerusalem. Cheney, who is visiting officials in Israel and the Palestinian West Bank said his administration was "dedicated to doing all we can" to move the peace process forward. (Photo by Moshe Milner/GPO via Getty Images)
الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز (يسار) يلتقي ديك تشيني في 23 مارس/آذار 2008 بالقدس (غيتي)

التوجه الأيديولوجي

كان ديك تشيني من أبرز الشخصيات التي تمثل تيار المحافظين الجدد في الولايات المتحدة، وهي مجموعة سياسية أميركية من اليمين المسيحي المتطرف تؤمن بقوة أميركا وهيمنتها على العالم.

إعلان

وكان تشيني عضوا في الكنيسة "الميثودية المتحدة"، وهي إحدى الجهات المركزية في الجالية المسيحية البروتستانتية في شمال القارة الأميركية.

واشتهر بميله إلى استخدام القوة العسكرية في حل المشكلات الخارجية واعتبرها "خيارا أول وليس أخيرا لتحقيق الأهداف الاقتصادية والإستراتيجية للولايات المتحدة"، قائلا "إن أميركا هي القوة المهيمنة عالميا، ويجب أن تستعرض إرادتها دون اعتذار أو تبرير".

وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، أعرب عن قلقه إزاء مخاطر الانتشار النووي، وأعرب عن خشيته من حصول دول أخرى، مثل العراق وإيران وكوريا الشمالية، على الأسلحة النووية.

وعرف بأنه مهندس غزو العراق عام 2003، وأبرز مروجي نظرية امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، كما روج لنظرية ضرورة التدخل الاستباقي ونشر الديمقراطية بالقوة (أو ما يسميها الفوضى الخلاقة)، وهدد إيران بـ"عواقب وخيمة" إذا قررت امتلاك قنبلة نووية واحدة.

وبعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، قاد حملة لتعزيز وتوسيع صلاحيات الرئاسة على حساب الكونغرس، بحيث "يكون الرئيس قادرا على اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة من دون قيود كثيرة من المشرعين والسلطة القضائية، لا سيما في وقت الحرب".

JERUSALEM - MARCH 23: Israel's Foreign Minister Tzipi Livni (L) shakes hands with U.S. Vice President Dick Cheney during their meeting on March 23, 2008 in Jerusalem, Israel. Cheney, starting a visit on Saturday to try to push forward Israeli-Palestinian peace talks, said Washington would never pressure Israel to take steps that threaten its security. (Photo by Peter Andrews/Pool/Getty Images)
وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني مع ديك تشيني في 23 مارس/آذار 2008 بالقدس (غيتي)

ودافع تشيني عن أدوات استثنائية للمراقبة والاحتجاز والاستجواب، بما في ذلك أساليب اعتبرت لاحقا "تعذيبا"، مثل الإيهام بالغرق والحرمان من النوم.

وتبنى سياسات اقتصادية محافظة تدعم التخفيضات الضريبية الكبيرة، مثل قانون "التوفيق بين النمو الاقتصادي والإعفاء الضريبي"، الذي أقرته إدارة بوش عام 2001، وهو القانون الذي دعا إلى تخفيض معدلات الضرائب على كل أميركي يدفع ضريبة الدخل.

كما كان له دور محوري في دفع إدارة بوش لبذل المزيد من الجهود لاستكشاف النفط والغاز، وتجنب القيود الصارمة على انبعاثات الغازات الدفيئة. وأثار تشيني ضجة عام 2004 عندما أعلن دعمه العلني لزواج الشواذ.

وبعد تركه منصب نائب الرئيس عام 2009، أبدى مواقفه في العديد من القضايا السياسية أبرزها في مايو/أيار من العام نفسه، عندما وجه انتقادات لاذعة إلى الرئيس الأميركي وقتها باراك أوباما وزعم أنه يعرض الولايات المتحدة للخطر بتخطيطه لإغلاق معتقل غوانتانامو في كوبا.

واستهجن قرار أوباما بتعليق المحاكمات العسكرية للمشتبه بتورطهم في الإرهاب، وحظره أساليب الاستجواب مثل الإيهام بالغرق.

واتخذ تشيني موقفا مناهضا للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ففي أغسطس/آب 2022 هاجمه بشدة، وقال إنه يشكل "تهديدا أكبر للجمهورية من أي شخص آخر في تاريخ الولايات المتحدة"، مضيفا "لقد حاول سرقة الانتخابات باستخدام الأكاذيب والعنف للحفاظ على نفسه في السلطة".

وأثناء الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت في 2024، أيد المرشحة كامالا هاريس في السباق نحو البيت الأبيض، داعيا إلى "تغليب مصلحة البلاد على الانقسامات الحزبية دفاعا عن الدستور الأميركي"، وقد كلفه موقفه هذا أنه أصبح منبوذا في الحزب الجمهوري.

المؤلفات

أصدر عام 2011 سيرة ذاتية بعنوان "في زمني"، لخص فيها تجربته السياسة وانتقد فيها مسؤولين سابقين وعددا من أعضاء الفريق الحكومي الذي عمل معهم في البيت الأبيض، وقد أثار الكتاب جدلا كبيرا في الولايات المتحدة.

U.S. Secretary of Defense Richard Cheney, General Colin Powell, Chairman Joint Chiefs of Staff and General Norman Schwarzkopf, Commander, U.S. Central Command, stand during an award ceremony prior to the Welcome Home parade honoring the coalition forces of Desert Storm, in an undated file photograph in New York City, U.S. SSgt. Charles Regne/U.S. Army/Handout via REUTERS. THIS IMAGE HAS BEEN SUPPLIED BY A THIRD PARTY.
ديك تشيني حينما كان وزيرا للدفاع الأميركي (يسار) أثناء حفل لتكريم قوات "تحالف عاصفة الصحراء" (رويترز)

الجوائز والأوسمة

حصل ديك شيني على عدد من الجوائز والنياشين العالمية، ومن أبرزها:

  • وسام الحرية الرئاسي الأميركي عام 1991.
  • جائزة "جون هاينز" عام 1999.
  • جائزة "فرانسيس بوير" من معهد "أميركان إنتربرايز" عام 1993.
  • جائزة "كلير بوث لوس" من مؤسسة "هيريتدج فاونديشن" عام 2011.
  • جائزة "هيرمان كان" من معهد هدسون عام 2012.
  • الوشاح الأعظم لنيشان الشمس من اليابان عام 2018.

المرض والوفاة

توفي ديك تشيني يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عن عمر ناهز 84 عاما، إثر مضاعفات ناجمة عن التهاب رئوي ومشاكل مزمنة في القلب والأوعية الدموية بسبب التدخين.

إعلان

وكان قد أصيب بـ5 نوبات قلبية حادة بين 1987و2010، وفي 1988 خضع لعملية في الشريان التاجي، وخضع في 24 مارس/آذار 2012 لعملية لزراعة القلب.

وفي 2000 ركبت له دعامة بالشريان التاجي، وخضع لعملية توسيع الشريان التاجي بالبالون في 2001، وزرع جهاز مزيل الرجفان القلبي في 2001، وفي 2005 خضع لعملية جراحية لإصلاح تمدد الأوعية الدموية.

ونعاه العديد من السياسيين أبرزهم الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش قائلا إنه "كان من بين أفضل من خدموا الولايات المتحدة من أبناء جيله"، مشيدا بـ"نزاهته ووطنيته وذكائه وجديته في كل المناصب التي شغلها".

المصدر: الجزيرة

إعلان