نقلت صحيفة "لوكوريي أنترناسيونال" (Courrier International) الفرنسية (أو البريد العالمي) صورة فتاة محتجبة عابرة للشارع، ومن ورائها لافتة بالإنجليزية: "الثورة آتية لا ريب فيها" (Revolution is coming for sure).
يطفح العالم، الغربي منه وغير الغربي، ببؤر توتر يقودها الشباب الذين يطلق عليهم في تعابير شتى، "جيل الغضب"، و"جيل زد"، و"جيل غزة" كما يعرف في إيطاليا، و "الصراصير" في الهند، بل في مصطلحات فلسفية كما "الوجودية الجديدة" في الدانمارك.
أخبار مقترحة
تعيد الاحتجاجات الجارية إلى الأذهان تلك التي عرفتها بعض الدول في العام الماضي، كما في نيبال، ومدغشقر، والمغرب، وتشيلي.
وازداد زخم الاحتجاجات في خريف هذا العام، انطلاقا من فرنسا، وما لبثت أن انتقلت إلى أرجاء عدة من أوروبا، كما في بلجيكا، وإيطاليا، وإسبانيا، وصربيا، وألبانيا.
يروم جيل الشباب اليوم العيش الكريم وينشد الكرامة، لأن لذة العيش -كما في تحليل صحيفة "دي تسايت" (Die Zeit) الألمانية- غاضت، والإيمان بمستقبل أفضل توارى
وتظل فرنسا بؤرة التمرد، وتختلف أسباب الاحتجاجات من بلد إلى آخر؛ فهي ضد أوضاع التعليم في فرنسا، ومن أجل السكن في إسبانيا، وإصلاح نظام التقاعد في إيطاليا، وضد السلطوية في صربيا.
محرك التمرد هو الشباب، وإن التقوا مع شرائح من الغاضبين والناقمين من العمال والعاطلين والمتقاعدين والفئات المهمشة.
يعبر جيل الشباب الغاضب عن خشيته من انسداد الآفاق، لا كما في تمرد 1968، إذ انتفض الشباب حينها من أجل رفاه العيش.
يروم جيل الشباب اليوم العيش الكريم وينشد الكرامة، لأن لذة العيش -كما في تحليل صحيفة "دي تسايت" (Die Zeit) الألمانية- غاضت، والإيمان بمستقبل أفضل توارى.
هو الجيل الذي رأى النور مع الأزمة المالية التي عصفت بالعالم عام 2008، والتغير المناخي، والجائحات، لا سيما "كورونا"، والحروب، وخاصة الحرب الروسية الأوكرانية، ثم حرب الإبادة في غزة، فالمواجهة الأمريكية الإيرانية. يستبد بهذا الجيل شعور بالخوف من اتساع رقعة الحرب، وينوء تحت وطأة اقتصادات الحرب التي تُبنى على حساب القطاعات الاجتماعية، ويتوجس مما يسميه الفاشية، وهو ما يعبر عنه شباب إيطاليا، كما لو أنهم في ثلاثينات القرن الماضي في شعار "كلنا ضد الفاشية" (Siamo utti antifasciti)، غلاء المعيشة وارتفاع أسعار المحروقات ليسا إلا النقطة التي أفاضت الكأس.
لم تبق الاحتجاجات منحصرة في أوروبا، بل انتقلت إلى الهند وإندونيسيا وتونس. ولا يبدو أن هناك ما يوقف المد، فهو يزداد زخما، في ظل سياق ملتهب، مع احتدام الحروب، وخطر انتشارها، وارتفاع تكاليف المعيشة أو التضخم، وشبح الاحترار، والتحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي مع تحول مناصب الشغل.
بيد أن الشباب لا يعيشون هذه التحديات في الوضع نفسه؛ إذ تظهر دراسة أجرتها مؤسسة أديناور (الألمانية) الألمانية اختلاف تعاطي الإناث عن الذكور.
تميل الفتيات إلى الاتجاهات اليسارية، في حين يغلب على الشباب الميل إلى الاتجاهات اليمينية، وتبرز من بين المطالب الحاجة إلى الحب، إن لم يكن الحق في تأسيس أسرة والإنجاب.
ويختلف الأمر ما بين الشباب الذين يرثون ثروة مادية أو مكانة اجتماعية، ويستطيعون، بفضل شبكات آبائهم، أن يتأقلموا مع الوضع الجديد الذي يفرضه الذكاء الاصطناعي، وبين من يعدمون ثروة مادية أو مكانة اجتماعية، ويستبد بهم القلق، ويرين عليهم الخوف من المجهول، وهم الغالبية.
يمكن طبعا أن ننظر إلى موجة الغضب بصفتها خطرا يتهدد الوضع القائم في البلدان التي يندلع فيها، ومن شأنه أن يدخل المجتمعات في علاقات تضارب وتصادم واحتدام، ويؤثر سلبا في الاقتصاد.
ويمكن أن ننظر إليها بصفتها تعبيرا عن وعي من أجل أن يستعيد العالم زمام الأمور الذي انفلت بسبب رأسمالية التوربو (Turbocapitalism)، أو النيوليبرالية التي غلّبت النجاعة على التضامن، وضد منطق القوة بدلا من التعاون في علاقات الدول بعضها ببعض، ومخاطر الذكاء الاصطناعي الذي يتهدد إنسانية البشر.
وبتعبير آخر، تغدو الشريحة الغاضبة هي المعبّرة عن هذا الوعي، وهو أمر مثير؛ لأن الصورة النمطية التي ارتسمت عن "جيل زد" هي أنه جيل رقمي يعيش افتراضيا، ويفتقر إلى مرجعية ثقافية وقيمية.
ما يجري في أوروبا وما جرى في الولايات المتحدة يظهر أن الأمل ممكن رغم قتامة الواقع. ولعل ما يقوله الشاعر الألماني هولدرلين يتحقق: كلما كبرت الأخطار التي تتهددنا، عظم ما من شأنه أن ينقذنا
اللافت -مثلما وقفت على ذلك جريدة الباييس الإسبانية- قدرة "جيل زد" على التعبير والحجاج، وهو ما بدا جليا حتى في حالة المغرب، حيث ظهرت عناصر واعية تحسن التمثل والتعبير. ولا يفتقر "جيل زد" إلى حس الدعابة، كما في حركة الصراصير التي استخدمت التعبير القدحي الذي نُعِتت به، لتحوله إلى قوة اجتماعية وسياسية.
نحن أمام فاعل جديد في غمرة التحولات الجيوسياسية، وهو الحراك الشعبي. حتى الصيف الماضي، كان يُنظر إلى الديناميات المجتمعية بصفتها زاوية ميتة في الفعل السياسي، وفي مقياس الجيوسياسة، مقارنة بالفاعلين الكبار من الدول العظمى وشركات البيانات الكبرى.
بيد أنه منذ الحراك الشبابي، أو "الخريف الأوروبي"، اكتسبت هذه الدينامية زخما، أو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي برتراند بادي بالطاقة الاجتماعية العجيبة (La mystérieuse énergie sociale) لكسر منطق القوة.
لقد كانت عناصر القوة تختزل في الفاعلين الكبار، أو عالم "المفترسين"، ومن دونهم هم "آكلو العشب" الذين يريدون أن يكونوا هم أيضا من آكلي اللحوم، حتى لا يصبحوا على الخوان، أي مأكولين، إلى جانب شركات البيانات الكبرى.
ومن الآثار الجلية لهذا التحول، إسقاط الحراك الشبابي أنظمة سلطوية وأوليغارشية، كما في المجر، والبرازيل، وصربيا.
بيد أن الثورة الكبرى هي التي تجري في الولايات المتحدة، وتمثلت أولا في انتخاب عمدة لنيويورك، هو زهران ممداني، من خارج الأوليغارشية، قبل عام، وثانيا في الانتخابات النصفية الأمريكية الأخيرة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، والتي انتهت بخسارة مدوية لحزب الجمهوريين، وفوز كاسح للديمقراطيين، أو ما أسمته الصحافة الأمريكية تسونامي أزرق، لون الديمقراطيين.
كان من الشعارات التي حملها الديمقراطيون في حملتهم "حارب الأوليغارشية". وغدت الأوليغارشية جزءا من المشكلة، وكانت تصور أنها حاملة للحل.
تعبر الانتخابات الأمريكية الأخيرة عن تغيير جوهري في خطاب الحزب الديمقراطي وأسلوبه باستعادته للشعب الذي انفلت منه لصالح "بلوتوكراسية" (Plutocracy)، أو حكم الأغنياء، الذين يزعمون الحديث باسم الشعب.
كانت مفارقة كبرى أن ينبري الأغنياء للدفاع عن مصالح الفقراء، والحقيقة أنهم كانوا يستغلون مشاعر الخوف ويؤججونها وتوظيفهم على أرضية هوياتية.
وتؤشر الانتخابات النصفية الأمريكية إلى تحول في متن الحزب الديمقراطي الذي نأى عن المحددات الهوياتية، ورسم مسافة تفصله عن حركة اليقظة" (Woke) لصالح الأوضاع الاجتماعية.
وسيكون للتطورات التي تجري في أوروبا والولايات المتحدة ما بعدها؛ سواء من حيث النظرة إلى الشأن العام، أو العلاقات بين الأمم، أو المرجعيات الفكرية، أو المواجهة ضد الأوليغارشيات والسلطويات. إننا على مشارف تحول مهم يحمل بشائر الانعتاق والخلاص.
ما يجري في أوروبا وما جرى في الولايات المتحدة يظهر أن الأمل ممكن رغم قتامة الواقع. ولعل ما يقوله الشاعر الألماني هولدرن: كلما كبرت الأخطار التي تتهددنا، كلما عظم ما من شأنه أن ينقذنا.
لا ينبغي اليأس من النوع البشري.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.















