"أما أنا فأريد أن يكتب على قبري جعل الشباب يقرأون" كانت تلك أحد أماني الكاتب الراحل أحمد خالد توفيق كاتب الشباب الأول والذي وهب حياته وكتابتاته فتربى ونشأ بين جنباتها وصفحاتها جيل كامل من الشباب العربي الذين تشربوا ما خطه الدكتور على مر السنين فكانت سببا في تكوين وعي جيل كامل من القراء والكتاب الشباب.
إن كمية الحزن والأسى التي اجتاحت صفحات التواصل الاجتماعي والمجالس الأدبية والمقاهي الثقافية ووسائل الاتصال الرقمية المختلفة وكمية الأدمع التي جرت حارة دافئة في وداع قامة من قامات الأدب العربي الذي أثرى الخزينة الأدبية بعشرات المجلدات والكتب والمقالات وكمية الألم التي جرت في صفحاتهم ومقالاتهم وكتاباتهم ينم عن كمية الاثر العظيم الذي تركه وداع الراحل في وجدان الشباب العربي.
تلك الصورة المهيبة التي صاحبت رحيل الأديب العظيم وصورة تشيعه وهو يحمل على أعناق وأكتاف جيل من الشباب وهو يساق إلى مثواه الأخير وكمية الاهتمام التي تم به تناقل خبر وفاة ورحيل الدكتور اظهر كمية الوعي التي يتمتع بها الشباب العربي فها هو ينعى اليوم قامة من قامات الأدب في مراسم مهيبة وصورة لن تغيب عن الأذهان لمدة طويلة جدا من الزمن.
كمية الحزن البالغ الذي نعى به الشباب فقيدهم جانبتها صورة مخجلة ومخزية من قبل الجهات الرسمية والقنوات الإعلامية المختلفة التي لم تنعى الكاتب الراحل أو قامت بذلك على استحياء الأمر الذي صعد بالسؤال إلى السطح وخاصة بين أواسط الشباب وفئاته المختلفة حتى جعلها مادة دسمة للسخرية فعقب الكثيرون أن الراحل لو كان فنانا هابطا أو سياسيا منتفعا لكانت وسائل الإعلام الرسمية وفضائياتها تعج بمراسم رحيل السياسي القائد الفذ العظيم أو الفنان الذي لطالما أثرى الوسط الفني برديء الأدب وسيئه لكن الراحل اليوم أديب فالأدب اليوم لا وجيع له ولا رجيع والأمر نفسه ينطبق على رواده.
| لنظرة التي ينظر بها الشباب العربي إلى الوضع السياسي في البلدان العربية وحالة اليأس والإحباط التي بدأت وتسللت إلى أواسط الشباب العربي الطامح والمليء بروح الشباب أصابته بنوع من الإحباط |
مراسم أثبتت وعي الشباب العربي خصوصا أنها تزامنت مع انتخابات الرئاسة المصرية التي اختار الشباب المصري خصوصا والشباب العربي عموما مقاطعتها والصد عنها فهم لا يرون فيها أكثر من لعبة مضحكة ما أن يذهب فيها طاغية حتى يأتي أخر أو في حالة أخرى يبقى الطاغية جاثما على صدور الشعب مثنى وثلاث ورباع مدعيا شرعية كاذبة تخوله لحكم الشعب وهو الذي يعلم أن لا شرعية له بين أواسط الشعب وفئاته المختلفة وشبابه خاصة في مسرحية مضحكة مبكية.
تلك النظرة التي ينظر بها الشباب العربي إلى الوضع السياسي في البلدان العربية وحالة اليأس والإحباط التي بدأت وتسللت إلى أواسط الشباب العربي الطامح والمليء بروح الشباب أصابته بنوع من الإحباط وهو الفئة المناط بها والتي ينظر إليها كمحرك للأمم وهي الوقود الدافع والحركة التي لا تنضب التي ترقى بالدول والأمم إلى مصافها جعلت الشباب العربي اليوم يعاني ضغوطات عظيمة تنوء بها الجبال بينما يجد نفسه تائها في دوامة الوضع الاقتصادي المتردي والقبضة العسكرية الخانقة.
نظرة عززتها الطريقة التي تتعامل بها الاوساط الرسمية والحكومات العربية المتتالية التي لطالما كانت تنظر إلى الشباب كعضو غير فاعل ومنتج غير مهتم بما يدور حوله من تغيرات سياسية واجتماعية على الساحة فاتهموه بالبطالة والعطالة بل حتى جعلوه سببا من المشكلة فهو في نظرهم جزء غير فاعل قليل الانتاج بعيد عن السياسة ومحاورها جاهل غير مسؤول.
تلك الاتهامات لجيل الشباب التي أن دلت فهي تدل على فشل الحكومات العربية واوساطها السياسية والرسمية من الوصول والتقارب مع ذلك الجيل الشاب ووضع أرضية مشتركة تشغل بها طاقات الشباب المتفجرة الأمر الذي يبدو جليا شديد البيان فالعكس هو الصحيح فالشباب في البلدان العربية يعاني من التضييق والخناق فهو في نظر الحكومات العربية جيل مثير للمتاعب محب للفوضى متى وجد السبيل إلى ذلك.
فترى الحكومات العربية ترمى إخفاقاتها المتتالية وفشلها الذريع في قيادة الدول العربية إلى مصاف الدول المتقدمة بينما تقبع في ذيل الترتيب بعد أن تخطتها العديد من الدول الأصغر حجما والتي تتمتع بإمكانيات ضئيلة لا تضاهي الثروات التي تتمتع بها الدول العربية في احضانها حتى عادت بالدول العربية آلاف السنين إلى الوراء بسبب سياساتها المتخبطة وشرذمة من المنتفعين.
ذلك الإخفاق المتكرر نعى بالشباب العربي بمطالبة جزء منه بالعيش الكريم على رقعة لطالما تعلم في مدارسها أنها الوطن ليفاجئ عند كبره بعدم توفيرها أقل أساسيات وسبل العيش الكريم حتى تحولت إثرها الحقوق إلى أحلام والمطالب إلى أمان بعيدة المنال صعبة الوصال فزج بهذه الفئة إلى غياهب السجون وزنازين الأنظمة الدكتاتورية القمعية أما الجزء الأخر فقد أثر السفر والخروج إلى أي مكان يضمن له حياة كريمة يستطيع فيها تفريغ طاقاته الشبابية وقدراته في مكان يحترم إنجازاته ويقدر نشاطاته ولعل كمية النجاح والأمثلة المشرفة التي تعج بها الصفحات والأخبار خير مثال على مقدرة الشباب العربي متى ما توفرت له الإمكانيات لذلك.
هذا التدهور الواضح والحالة البائسة التي عمت كل ربوع البلدان العربي حذت بالشباب العربي بالخروج أفواجا في ثورات شبابية وشعبية عارمة مطلع العام 2010 ليفاجئ بالنظام القمعي وتتعالى أصوات المسؤولين بأنه لابد من وجود أيد خفية تحاول إثارة الفوضى كيف لا والشباب العربي في نظر الحكومات المختلفة شباب جاهل بعيد عن السياسة وأغوارها سهل الانقياد والتحكم.
خرج بعيدها الدكتور أحمد وهو الذي طالما اتصفت كتابته بالواقعية وعدم الانتماء إلى أي جماعة سياسة أو فئة معينة قائلا محاورا أحد أصدقائه: "أمس كنت أرى صور الشباب الشهداء على شاشة التليفزيون عندما قال صديقي تصوّر أن بعض هؤلاء كان يقرأ قصصك! شعرت بقشعريرة هم أولادي فعلًا هذه العيون الذكية الحساسة أغمضت للأبد كي يبقى الحزب الوطني".

فكان قلمه دائما مدافعا عن الشباب وثوراته وان كان قلمه متزنا فهو دائما ما كان يرى حرمة دماء أيا كان مهما اختلفت عقيدته وخلفيته فدافع عن الشباب حينا وعن شهداء الوطن أحايين اخرى ولكن كتاباته لطالما وقفت عصية أمام الظلم وكانت مواقفه واضحة وجلية وخاصة بعد تساقط الكثير من الأقنعة التي اختارت التمسح والتودد للسلطة الحاكمة بينما بقي قلمه يعكس أراءه الشخصية وحده من غير حياد ولا تزييف ولكنه لطالما تنبأ بمستقبل قاتم وبدا جليا خوفه من ذلك في كتاباته فخط يوتوبيا قبل ثلاثة أعوام فقط من اندلاع الثورة المصرية يتراءى فيها مجتمع تنقسم أواصره بين فئة تقبع في فقر مدقع وشرذمة منتفعة تعيش برجوازية مجحفة على حساب الفئة الأخرى حتى تلتها روايته السنجة بعد عام على اندلاع الثورة المصرية فيحكي بين جنباتها عن مجتمع تزكم رائحة الفقر فيه الأنفس ويعمى الظلم الأعين ويحكم قانون الغاب حيث تنأى قوى القانون عنها.
ثم تلتها روايته الأكثر سوادوية مثل إيكاروس وهي وليدة حالة الإحباط العامة التي أصابت الأوساط بعد 4 أعوام من اندلاع الثورة وزوال حالة التفاؤل العامة يحكي فيها عن نعمة الجهل وعذاب المعرفة في ظل الأوضاع العربية التي كانت والا زالت تزداد سوءا يوما بعد يوم فعكست كتابته وحالت الرعب التي سكنت فؤاد الدكتور وهي تلك المخاوف ذاتها التي وجد الشباب العربي من يفصح ويجهر بها علنا فكانت كتاباته لسان الشباب الناطق الذي أظلمت الدنيا في وجهه ولبدتها غيوم القادم المظلم.
يقول الدكتور عبد الإله بلقزيز عقب اندلاع الثورات العربية: "لم ندرك إلا متأخرين أن ملايين الشباب العرب لم يكونوا جميعا من جمهور ورتانا وأشباهها ولا ممن استلبتهم كليا منافسات كرة القدم ولا ممن يشمئرون من ممارسة عادة القراءة ولا ممن يعزفون عن الاهتمام بالشأن العام وإنما كان جملتهم شباب طليعي واع ومثقف وشجاع. وهو قول يعكس تلك الصورة التي لطالما كانت تحيط بهالة الشباب العربي المحزنة.
رحل العراب ورحلت معه كتاباته التي لطالما كانت ملجأ وسلوى للشباب العربي المنهك وبقي ما خطه الراحل حيا يجري في شباب الأمة الفتي مجرى الدم وهو القائل عنهم. الشباب ليس مجموعة من الملائكة لكنهم ليسوا شياطين سوف يصيرون كذلك لو لم نفق من غيبوبتنا ونحن لسنا ملائكة ولا شياطين نحن ملاحون خائبون غرقت سفينتهم أو كادت وعلينا أن نترك قطعة خشب واحدة طافية ليتمسك بها من يأتون بعدنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

















