- إضرابات الموانئ.. نحو جبهة نقابية دولية مستمرة داعمة لغزة
كيف يمكن النظر إلى التحركات النقابية في عشرات الموانئ حول العالم، رفضا لنقل الأسلحة إلى الاحتلال الإسرائيلي وتضامنا مع فلسطين؟ وكيف يمكن البناء عليها؟
شهد أكثر من 100 ميناء حول العالم مؤخرا تحركات نقابية وإضرابات عمالية، بمشاركة نقابات من 17 دولة، رفضا لاستخدام الموانئ في نقل الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الاحتلال الإسرائيلي.
الحراك التضامني الدولي ليس جديدا، بل هو مسار ممتد يتطلب مواصلة العمل عليه، وتعزيز حضوره، وتوسيع المشاركة فيه، واستثماره لصالح القضية الفلسطينية
مسار مهم للتضامن
تمثل هذه التحركات خطوة مهمة في مسار التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار الحصار والمعاناة الإنسانية. وتأتي ضمن تنامي المطالب الدولية بإنهاء الحصار الظالم وغير القانوني واللاإنساني الذي تفرضه سلطات الاحتلال على قطاع غزة، ومواجهة سياسات تكريس الاحتلال في الضفة الغربية، ومنها جدار الفصل العنصري.
لقد دفعت هذه السياسات، المستمرة منذ عقود، الشعب الفلسطيني إلى مواجهة ظروف قاسية من التجويع والحرمان والفقر والعوز. ومن هنا تكتسب التحركات الشعبية والنقابية الدولية أهميتها في تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، وممارسة الضغط لوقف الانتهاكات بحقهم.
المشهد الأوروبي
لكن ما انعكاسات هذه التحركات على المشهد الأوروبي والمواقف الداعمة لقطاع غزة؟
أسهم ما ارتكبه الاحتلال من قتل وتدمير وتهجير وجرائم إبادة جماعية في تحريك الضمير العالمي، على المستويات الشعبية والرسمية والأممية، وعزز المطالبات الدولية بمحاسبة إسرائيل على انتهاكاتها بحق الفلسطينيين.
ويشكل الحراك الشعبي والتضامن الدولي عامل ضغط يمكن أن يسهم في تغيير المواقف والسياسات، بما يدعم حقوق الشعب الفلسطيني ويعيد قضيته إلى صدارة الاهتمام الدولي. وتكتسب التحركات العمالية والنقابية أهمية خاصة لأنها تربط المواقف الداعمة لفلسطين بخطوات عملية، من بينها رفض نقل الأسلحة، للضغط من أجل وقف الحرب والانتهاكات وتعزيز المساءلة الدولية.
البناء على الحراك
الحراك التضامني الدولي ليس جديدا، بل هو مسار ممتد يتطلب مواصلة العمل عليه، وتعزيز حضوره، وتوسيع المشاركة فيه، واستثماره لصالح القضية الفلسطينية.
وينبغي التعامل مع هذه المبادرات بوصفها أكثر من موجة تضامن عابرة؛ فهي تفتح نافذة لنقل القضية الفلسطينية من التعاطف الشعبي إلى الضغط النقابي والاقتصادي والمؤسسي الدولي. والأهم ألا ينتهي الحراك بانتهاء يوم الإضراب، بل يتحول إلى مسار مستمر، له مطالب واضحة، وجهات تتولى متابعتها، ونتائج يمكن قياسها.
ويمكن العمل على ذلك من خلال:
- بناء شبكة نقابية دولية مستمرة: تربط النقابات الفلسطينية بالنقابات المشاركة في التحركات، وتوسع التعاون ليشمل نقابات النقل البري والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية. نقل الضغط إلى الحكومات والمؤسسات الدولية: بما يعزز المطالبة بوقف نقل الأسلحة ومساءلة الجهات المتورطة في الانتهاكات.
- توثيق دور الشركات وسلاسل الإمداد: عبر بناء قاعدة معلومات موثقة عن شركات النقل والشحن البحري، ومصنعي المعدات العسكرية، والعقود ذات الصلة، والمواقف المعلنة للشركات والحكومات بشأن صادرات السلاح، والإجراءات القانونية والرقابية المتخذة بحقها.
- تحويل التضامن إلى مسار قانوني وحقوقي: بإعداد ملفات موثقة عن عمليات نقل الأسلحة التي تثير شبهات قانونية، وتقديم شكاوى إلى الجهات الرقابية المختصة في الدول المعنية، ومتابعة التزامات الحكومات بمنع عمليات النقل التي قد تسهم في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي.
ويحتم هذا التضامن الواسع على المكونات الفلسطينية تجاوز ردود الفعل الموسمية، وبناء إستراتيجية عمل موحدة تستثمر الحراك الضاغط لكسر الحصار وعزل الاحتلال دوليا.
بات مطلوبا الإسراع في إنجاز المصالحة الوطنية، وتشكيل قيادة موحدة تدير المعركة الدبلوماسية والحقوقية بخطاب عقلاني وجريء، يترجم الدعم الدولي إلى قرارات عملية
دور الشعب الفلسطيني في الداخل
رغم قسوة المعاناة والضيق الهائل في غزة والضفة الغربية والقدس، يظل الصمود الأسطوري والتلاحم الشعبي الركيزة الأساسية لاستمرار الزخم العالمي.
ويتطلب الواقع الداخلي تعزيز شبكات التكافل الاجتماعي، وتوحيد الخطاب الميداني، وإبقاء القضية حاضرة في مختلف المجالات، عبر توثيق الرواية الفلسطينية ومقاومة محاولات التهويد والتهجير.
دور السلطة والقوى السياسية
تقع على السلطة الفلسطينية والقوى السياسية مسؤولية تاريخية لتفعيل الدبلوماسية الرسمية وملاحقة الاحتلال في المحافل الدولية، استنادا إلى هذا الزخم الشعبي العالمي.
وبات مطلوبا الإسراع في إنجاز المصالحة الوطنية، وتشكيل قيادة موحدة تدير المعركة الدبلوماسية والحقوقية بخطاب عقلاني وجريء، يترجم الدعم الدولي إلى قرارات عملية.
دور فلسطينيي الخارج
يمثل فلسطينيو الخارج ومكونات الأمة في الدول المحيطة حلقة وصل محورية. ويمكن للجاليات الفلسطينية والمنظمات الصديقة تفعيل الضغط البرلماني والاقتصادي، من خلال مقاطعة الشركات الداعمة للاحتلال ومتابعة نتائج إضرابات الموانئ.
إن القيمة الحقيقية لهذه التحركات لا تكمن فقط في عدد الموانئ المشاركة أو ساعات الإضراب، على أهميتها، بل في قدرتها على بناء جبهة نقابية دولية مستمرة، تجعل وقف نقل الأسلحة ومساءلة الجهات المتورطة مطلبا عمليا وقانونيا متواصلا، لا مجرد شعار يرفع في يوم تضامني.
ملاحظة قبل النشر: يستحسن إرفاق مصدر لعدد الموانئ والدول المشاركة، وتحديد تاريخ التحركات المقصودة بدلا من «مؤخرا».
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













