بعد تجدد الضربات الأمريكية «المحدودة» على إيران، عادت تحليلات في الشرق الأوسط إلى الحديث عن انتقام «ترمبي» لهزيمة حزبه في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس بمجلسيه، لتطرح سؤالا عريضا: هل أسقطت حرب إيران حزب ترمب في الكونغرس؟
لم تكن انتخابات التجديد النصفي، التي جرت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مجرد تصويت لاختيار أعضاء مجلسي الشيوخ والنواب، بل كانت استفتاء شعبيا على سياسات الرئيس الأمريكي بعد عامين من انتخابه، وفي مقدمتها الغلاء والرسوم الجمركية والهجرة والحرب على إيران. وانتهى الاستفتاء بخسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس، في انتكاسة تجاوزت التوقعات، بعدما فقد الحزب مواقع سبق أن كسبها، وشرائح صوتت لترمب قبل عامين. فما سبب هذا التحول؟
تشير استطلاعات الرأي وتحليلات ما بعد الانتخابات إلى أن الحرب على إيران كانت أحد الأسباب المهمة، سواء بصورة مباشرة في إجابات المستطلعة آراؤهم، أو بصورة غير مباشرة، حين تداخل رفض الحرب وتكاليفها المادية والبشرية مع ارتفاع تكاليف المعيشة. وقد أسهم ذلك في تراجع الثقة بإدارة ترمب، حتى أصبح الفصل بين الحرب وتداعياتها الداخلية صعبا.
لم تكن استطلاعات الانتخابات وحدها ما أنذر بهذه النتيجة، بل سبقتها استطلاعات لتقييم أداء ترمب. فقد تراجعت نسبة الرضا عن أدائه إلى 32% في استطلاع أجرته «إبسوس»
قبل شهر من الانتخابات، كشف استطلاع لمركز بيو للأبحاث، شمل 5062 مواطنا، أن 65% من المشاركين يعارضون العمليات العسكرية ضد إيران. واللافت أن تأييد الحرب تراجع بين الجمهوريين أنفسهم؛ إذ انخفضت نسبة تأييد الضربات بين الجمهوريين والمستقلين المائلين إليهم من 69% في مارس/آذار إلى 63% في أكتوبر/تشرين الأول الماضيين.
وهذا يعني أن الحرب لم تعد مجرد قضية خلافية بين الحزبين، بل بدأت تنخر في القاعدة التي يستند إليها ترمب لمواصلتها. ويضاف إلى ذلك أن 77% من الأمريكيين يتوقعون استمرار الحرب 6 أشهر أخرى، وهو ما يعكس تشاؤما بشأن إمكان حسمها سريعا، ومخاوف من استمرار أعبائها الاقتصادية وارتفاع الأسعار.
وتشير استطلاعات آراء الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم إلى أن الاقتصاد كان القضية الرئيسية المؤثرة في خياراتهم. وأكد ذلك استطلاع أجرته مؤسسة «SSRS» ونقلت نتائجه وكالة رويترز؛ إذ عد 9 من كل 10 ناخبين تكاليف المعيشة عاملا مهما في تصويتهم، بينما حمل نحو ثلثيهم الرئيس ترمب مسؤولية تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، وربطوا ذلك أيضا بزيادة الرسوم الجمركية. وهنا تظهر العلاقة بين الحرب والاقتصاد، التي أسهمت في تحويل الاستياء الشعبي إلى تصويت عقابي ضد الحزب الجمهوري.
ولم تكن استطلاعات الانتخابات وحدها ما أنذر بهذه النتيجة، بل سبقتها استطلاعات لتقييم أداء ترمب. فقد تراجعت نسبة الرضا عن أدائه إلى 32% في استطلاع أجرته «إبسوس». وأشارت استطلاعات «سي بي إس» إلى أن نحو ثلاثة أرباع الناخبين لم يكونوا راضين عن توجيهه ضربة إلى إيران، من دون أن يؤكدوا أن الحرب هي العامل الأساسي في التراجع الاقتصادي. ولذلك يصعب إثبات أن الحرب وحدها تفسر انتكاسة الجمهوريين.
لكن السؤال المهم بعد عرض هذه الاستطلاعات هو: هل كان الجمهوريون سيمنون بالهزيمة نفسها لو لم يخوضوا الحرب؟
لم تستطع الاستطلاعات الإجابة عن هذا السؤال بصورة قاطعة؛ فقياس آراء الناخبين لا يكفي وحده لمعرفة كيف كانوا سيصوتون لو لم تقع الحرب. كما أن خسارة حزب الرئيس في الانتخابات النصفية أمر متكرر في التاريخ الأمريكي، ولا تعني بالضرورة خسارته الانتخابات الرئاسية التالية. فقد فاز رؤساء، منهم ترومان وأيزنهاور وكلينتون، بولاية جديدة بعد أن فقدت أحزابهم السيطرة على مجلسي الكونغرس في انتخابات منتصف الولاية.
أما ترمب، الذي يخوض ولايته الثانية، فإن السؤال يتعلق بمستقبل حزبه والتيار الذي يقوده في الانتخابات المقبلة، لا بإعادة انتخابه شخصيا.
لا راند بول، ولا توماس ماسي، ولا حتى سوزان كولينز، التي انضمت إلى الديمقراطيين في مساعي تقييد صلاحيات ترمب في شن الحرب، يبدون قادرين على وقف الزحف الترمبي الذي قد يقوده جيه دي فانس في استحقاق 2028. وإن غدا لناظره قريب
لقد أسهمت الحرب في تعميق أزمة الثقة الشعبية بالإدارة، لكن عوامل أخرى عملت بالتوازي معها، وفي مقدمتها الاقتصاد والإنفاق في الخارج. فالناخب الذي يعاني الغلاء قد يرى أن أموالا تنفق خارج الحدود كان أولى أن توجه إلى الداخل، حيث ينتظر أثرا ملموسا لشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددا». لكنه لا يجد الصدى الذي يريده، بينما تقدم واشنطن إلى تل أبيب مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية والاقتصادية.
خسر الجمهوريون أغلبيتهم لأن قطاعات من الناخبين لم تعد مقتنعة بأن ترمب وإدارته يقودان البلاد في الاتجاه الصحيح. ويغذي ذلك شعور بأن البلاد تجر إلى أجندات تتحمل الأسر الأمريكية تبعاتها في حياتها اليومية.
لذلك لا يمكن القول إن حرب إيران كانت السبب الوحيد لهزيمة الجمهوريين، لكنها كانت أحد العوامل الرئيسية التي عمقت الأزمة وأسهمت في تحويلها إلى خسارة انتخابية واسعة. ومع ذلك، يظل التيار المعارض لسياسات ترمب داخل الحزب مشتتا، ولا يبدو قادرا حتى الآن على تشكيل إعصار يطيح بالترمبية بعد انتهاء ولايته.
فلا راند بول، ولا توماس ماسي، ولا حتى سوزان كولينز، التي انضمت إلى الديمقراطيين في مساعي تقييد صلاحيات ترمب في شن الحرب، يبدون قادرين على وقف الزحف الترمبي الذي قد يقوده جيه دي فانس في استحقاق 2028. وإن غدا لناظره قريب.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













