أفرزت الحرب على إيران مشهدا سياسيا غير مألوف؛ فقد خسر حزب دونالد ترمب السيطرة على الكونغرس، فيما خرج بنيامين نتنياهو من الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية من دون أغلبية تتيح له تشكيل حكومة. ويواجه الزعيمان الآن قيودا سياسية داخلية متزايدة. ومع ذلك، فإن الصراع الذي أسهم في تعثرهما الانتخابي لم يحسم بعد، واحتمال تجدد المواجهة العسكرية لا يزال قائما.
تكشف الانتكاستان الانتخابيتان عن مفارقة إستراتيجية واضحة. فلدى واشنطن وتل أبيب أسباب تدفعهما إلى إعادة النظر في كلفة جولة عسكرية جديدة، لكن زعيميهما لا يزالان حريصين على منع إيران من الخروج من المواجهة محتفظة بقدراتها النووية والعسكرية.
والسؤال هو: هل سيدفع الضعف السياسي نحو ضبط النفس، أم سيجعل تجدد المواجهة خيارا أكثر إغراء؟
لا تزال المواجهة مع إيران مرتبطة بخطابه الأمني والسياسي الأوسع؛ فقد دأب على تصوير البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين باعتبارهما تهديدا وجوديا لإسرائيل
إنذار انتخابي لترمب
تمثل هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، التي جرت في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، انتكاسة كبيرة لترمب. فقد انتزع الديمقراطيون السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، منهين بذلك عامين من السيطرة الجمهورية على الكونغرس.
وكانت الحرب على إيران من العوامل التي أسهمت في هذه النتيجة؛ فقد تحولت زيادة أسعار الطاقة والاضطرابات الاقتصادية واستياء قطاعات من الرأي العام من استمرار الصراع إلى قضايا مؤثرة في خيارات الناخبين. وأقر ترمب بأن الحرب كانت من أسباب خسارة الجمهوريين، لكنه أكد أنه لا يندم على شنها، وأنه كان سيتخذ القرار نفسه مرة أخرى.
أما جي دي فانس، نائب الرئيس، فكان أكثر صراحة؛ إذ ربط هزيمة الجمهوريين بالحرب، وأشار إلى أن الناخبين يريدون تغييرا في نهج الإدارة.
ويكشف هذا التباين في الخطاب عن المأزق السياسي الذي يواجه البيت الأبيض. فليس من السهل على ترمب التخلي عن أهداف حملة عسكرية لطالما قدمها باعتبارها ضرورة لحماية الأمن القومي الأمريكي. لكن العودة إلى شن هجمات واسعة قد تعمق الاستياء الشعبي الذي أضعف حزبه بالفعل.
كما أن الكونغرس الجديد، الذي يتولى مهامه في يناير/كانون الثاني، سيكون تحت سيطرة الديمقراطيين، ما يمنحهم قدرة أكبر على التحقيق في قرارات الإدارة، والتدقيق في الإنفاق العسكري، ومساءلة السلطة التنفيذية عن سياستها الخارجية. صحيح أن سيطرتهم لا تمنع الرئيس تلقائيا من اتخاذ قرارات عسكرية، لكنها تمكنهم من رفع كلفتها السياسية والمؤسسية.
مستقبل نتنياهو السياسي المعلق
يواجه نتنياهو وضعا مختلفا، لكنه لا يقل تعقيدا.
فقد أسفرت الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في 27 أكتوبر/تشرين الأول عن حصول معسكره اليميني على 53 مقعدا، أي أقل من الأغلبية البرلمانية المطلوبة، وهي 61 مقعدا. ولم يتمكن خصومه أيضا من تأمين مسار واضح لتشكيل حكومة بديلة، ما أدخل إسرائيل في مفاوضات ائتلافية معقدة، وفتح الباب أمام احتمال إجراء انتخابات جديدة.
تضع هذه النتيجة نتنياهو في موقف سياسي أضعف، لكنها لا تعني خروجه الفوري من السلطة؛ إذ يظل على رأس الحكومة إلى حين تشكيل حكومة جديدة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في سياق الحرب على إيران. فالحكومة القائمة خلال المرحلة الانتقالية لا تفقد تلقائيا صلاحياتها المتعلقة بالأمن القومي والعمليات العسكرية. وبالتالي، فإن تراجع الدعم البرلماني لنتنياهو لا يحول، في حد ذاته، دون مشاركته في اتخاذ قرارات تتعلق بتجدد العمل العسكري.
ولا تزال المواجهة مع إيران مرتبطة بخطابه الأمني والسياسي الأوسع؛ فقد دأب على تصوير البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين باعتبارهما تهديدا وجوديا لإسرائيل. ولذلك، قد يضعه اتفاق دبلوماسي يبقي على قدر مهم من القدرات الإيرانية أمام معضلة سياسية، حتى لو أسهم في خفض خطر المواجهة المباشرة.
لكن شن حملة عسكرية جديدة ينطوي بدوره على مخاطر، خصوصا في ظل حالة عدم اليقين السياسي التي تعيشها إسرائيل، والضغوط الأمنية والإقليمية المحيطة بها.
قد تفترض واشنطن أن طهران ستضطر في النهاية إلى تقديم تنازلات، بينما تعتقد إيران أن ترمب لم يعد قادرا على تحمل كلفة هجوم جديد. وقد يخلص نتنياهو إلى أن إطالة المسار الدبلوماسي تمنح إيران فرصة لاستعادة قدراتها الإستراتيجية
زعيمان وحسابات مختلفة
لا يعني التحالف بين ترمب ونتنياهو بالضرورة تطابق مصالحهما.
فقد يرى نتنياهو أن مواصلة العمل العسكري ضرورة لمنع إيران من إعادة بناء قدراتها الإستراتيجية. أما ترمب، فعليه أن يأخذ في الحسبان تداعيات أي تصعيد على الناخبين الأمريكيين، وأسواق الطاقة، والموارد العسكرية، والعلاقات مع شركاء واشنطن في الخليج.
وقد أصبح هذا التباين أوضح بعد انتخابات التجديد النصفي. فالمسألة بالنسبة إلى واشنطن لم تعد تقتصر على ما إذا كانت إيران لا تزال تشكل تهديدا، بل تشمل أيضا إمكان تحقيق نتيجة تبرر الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي حملة عسكرية جديدة.
ويمتلك ترمب خيارات عدة؛ فقد يسعى إلى التفاوض مع الإبقاء على العقوبات والضغوط البحرية، أو يواصل العمليات العسكرية الدفاعية من دون إطلاق هجوم واسع. كما يمكنه الموافقة على ضربات محدودة إذا خلصت إدارته إلى أن إيران تعيد بناء قدرات تهدد الأمن الأمريكي أو الإسرائيلي.
وقد استعرضت وكالة أسوشيتد برس هذه الخيارات، بما فيها مواصلة إجراءات الحصار البحري، واستهداف المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض، وشن هجمات أوسع على أهداف إيرانية.
ولا يخلو أي من هذه الخيارات من المخاطر. فقد تؤدي ضربة محدودة إلى رد إيراني يفضي إلى مواجهة أوسع، وقد يطيل استمرار الضغوط أمد الأعباء الاقتصادية للصراع. أما الدبلوماسية، فتتطلب تنازلات قد يجد الطرفان صعوبة في الدفاع عنها أمام جمهوريهما.
فرصة إيران ومخاطر سوء التقدير
قد تقرأ طهران نتائج الانتخابات الأمريكية باعتبارها مؤشرا على أن الكلفة السياسية للحرب أصبحت أثقل على ترمب.
وقد يدفع هذا التقدير المسؤولين الإيرانيين إلى الاعتقاد بأن واشنطن باتت أكثر ميلا إلى التفاوض من العودة إلى حملة عسكرية واسعة. ومن شأن ذلك أن يشجع طهران على التشدد إزاء المطالب الأمريكية، والسعي إلى انتزاع شروط أكثر ملاءمة في أي اتفاق محتمل.
لكن هذا الرهان ينطوي على مخاطر. فإذا فسرت واشنطن التشدد الإيراني بوصفه محاولة لاستغلال ضعفها السياسي، فقد تتزايد الضغوط داخل الإدارة لاستئناف العمل العسكري.
وعلى إيران أيضا أن تأخذ موقف نتنياهو في الحسبان. فعدم اليقين بشأن مستقبله السياسي لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستتبنى سياسة أقل تصادمية تجاه طهران؛ إذ لا تزال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى القدرات العسكرية والنووية الإيرانية باعتبارها تهديدات رئيسية، بصرف النظر عن نتائج المفاوضات الائتلافية.
ويكمن الخطر في أن تسيء الأطراف الثلاثة تقدير القيود السياسية التي يواجهها كل منها. فقد تفترض واشنطن أن طهران ستضطر في النهاية إلى تقديم تنازلات، بينما تعتقد إيران أن ترمب لم يعد قادرا على تحمل كلفة هجوم جديد. وقد يخلص نتنياهو إلى أن إطالة المسار الدبلوماسي تمنح إيران فرصة لاستعادة قدراتها الإستراتيجية.
ومن شأن هذه الحسابات الخاطئة أن تقوض المفاوضات، حتى لو لم يكن أي من الأطراف راغبا، في البداية، في توسيع نطاق الحرب.
لقد جعلت انتكاستان انتخابيتان مواصلة الحرب أكثر كلفة سياسيا، لكنهما لم تجعلا السلام حتميا
حدود العقاب الانتخابي
غيرت الانتخابات البيئة السياسية المحيطة بالصراع مع إيران، لكنها لم تحسم مستقبله الإستراتيجي.
فترمب يواجه كونغرسا أكثر معارضة له، ورأيا عاما يزداد قلقا من كلفة التدخل العسكري. أما نتنياهو، فيواجه تراجعا في موقعه البرلماني وغموضا بشأن قدرته على تشكيل الحكومة. ولدى الزعيمين أسباب تدفعهما إلى تجنب مواجهة مفتوحة وطويلة الأمد. ومع ذلك، لم يتخل أي منهما علنا عن الأهداف التي استندت إليها الحملة العسكرية. ومن ثم، فإن انتكاستيهما السياسيتين تفرضان ضغوطا لضبط النفس، لكنهما لا تضمنان ذلك.
ويبقى السؤال الحاسم: هل تتمكن واشنطن وطهران من التوصل إلى اتفاق يعالج الخلاف النووي والعقوبات والأمن الإقليمي، قبل أن تستعيد الضغوط العسكرية موقعها بوصفها الأداة المهيمنة في إدارة الصراع؟
لقد جعلت انتكاستان انتخابيتان مواصلة الحرب أكثر كلفة سياسيا، لكنهما لم تجعلا السلام حتميا. وسيتوقف مستقبل المواجهة على ما إذا كانت القيود التي يواجهها ترمب ونتنياهو ستتحول إلى حوافز للتسوية، أم ستدفعهما إلى البحث عن حسم عسكري قبل أن تضيق هوامش المناورة أمامهما.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













