تكشف التطورات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل عن تعقيدات جديدة تحيط بمستقبل المواجهة مع إيران، في وقت يواجه فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تداعيات انتكاسات انتخابية وضغوطا سياسية متزايدة.
وبينما يسعى نتنياهو إلى استئناف الحرب أملا في إسقاط النظام الإيراني، يجد ترمب نفسه أمام خيارات صعبة، بين تجديد التصعيد العسكري والبحث عن مخرج دبلوماسي لحرب أصبحت مكلفة سياسيا واقتصاديا.
أخبار مقترحة
وفي تحليل نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم" قال مسؤول رفيع إن الحرب على إيران كان يفترض أن تسقط النظام في طهران، لكنها أدت، بدلا من ذلك، إلى "إسقاط الإدارة الأمريكية في واشنطن" في إشارة إلى هزيمة الجمهوريين الانتخابية.
ورغم أن ترمب لم يغادر البيت الأبيض، فإن العامين الأخيرين من ولايته سيكونان مختلفين عن سابقيهما، إذ سيواجه تحقيقات متواصلة وقيودا متزايدة على قراراته وهجمات من خصومه السياسيين، وحتى من داخل معسكره الجمهوري.

ترمب يبحث عن كبش فداء
وترى الصحيفة أن ترمب قد يبحث عن طرف آخر يحمله مسؤولية الإخفاقات، مرجحة أن تكون إسرائيل في مقدمة الجهات التي ستتحمل جانبا من اللوم.
وتستشهد الصحيفة بمنشور نائب الرئيس الأمريكي، أورد فيه 4 مطالب قال إنها برزت لدى ناخبين دعموا ترمب عام 2024 ثم اتجهوا إلى الديمقراطيين بانتخابات 2026، وهي الرغبة في إنهاء الحرب، والانشغال بغلاء المعيشة والتضخم، وإعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية، وإعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل. وخلص فانس نفسه إلى أن الحرب كانت السبب الرئيسي لهزيمة حزبه.
وتكتسب تصريحات فانس أهمية خاصة، ليس فقط لأنه نائب الرئيس، بل لأنه شخصية مؤثرة داخل الحزب الجمهوري، وأحد الطامحين إلى الترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة. وترى "يسرائيل هيوم" أن إسرائيل تواجه بذلك تراجعا في الدعم داخل الحزبين الأمريكيين، بعدما كان الجمهوريون يعدون تقليديا حلفاءها الأكثر ثباتا.

النتيجة العكسية لرهان نتنياهو
وتربط الصحيفة هذا التحول بالسياسة التي اتبعها نتنياهو ومستشاره المقرب رون ديرمر، القائمة على التخلي عن تقليد الحفاظ على دعم الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والانحياز الواضح إلى الجمهوريين.
وتعتبر الصحيفة أن هذا الرهان ألحق ضررا بمكانة إسرائيل في الولايات المتحدة، بعدما أصبح بعض المرشحين يتوافدون على إعلان رفضهم التعاون مع لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك) أو دعم إسرائيل.
وتحذر من أن تراجع الدعم الأمريكي لا يقتصر على المساعدات العسكرية، بل قد يمتد إلى الحماية الدبلوماسية في المؤسسات الدولية، والتعاون مع الصناعات الدفاعية الأمريكية، والتأييد الشعبي. كما قد يجعل فرض العقوبات على إسرائيل أسهل، ويضعف قدرتها على الحفاظ على مكانتها الدولية والإقليمية.
تراجع الدعم الأمريكي لإسرائيل قد يتجاوز المساعدات العسكرية إلى مكانتها الدولية وعلاقاتها الدفاعية والدبلوماسية
نتنياهو متمسك بمواصلة الحرب
وفي هذا السياق، تشير "يسرائيل هيوم" إلى أن نتنياهو لا يزال يدفع باتجاه جولة عسكرية جديدة ضد إيران منذ توقف القتال الواسع منتصف أبريل/نيسان الماضي، وأن رغبته في استئناف المواجهة ازدادت مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
غير أن تصريحات فانس، وما تعكسه من تراجع الحماسة الأمريكية للحرب، تجعل موقف واشنطن أقل وضوحا، فيما يتوقف القرار النهائي على ترمب، وما إذا كان سيواصل رهانه السابق أم يسعى إلى تقليل خسائره.
وتطرح الصحيفة سؤالا أساسيا بشأن أهداف الحرب الجديدة، مشيرة إلى أن أهداف الحملة السابقة لم يتحقق منها إلا هدف واحد، وهو تعطيل إنتاج الصواريخ والطائرات المسيرة، وحتى هذا النجاح كان جزئيا، بعدما تمكنت إيران من إعادة بناء قدراتها الإنتاجية.
وتشكك في الوعود بأن تكون المواجهة المقبلة قصيرة وحاسمة، مذكّرة بأن ترمب استخدم التوصيف نفسه قبل الحملة السابقة من دون أن تتحقق النتيجة الموعودة. كما أن اعتقاد نتنياهو بأن الحرب الجديدة ستسقط النظام الإيراني يواجه المشكلة ذاتها، إذ لم يتحقق هذا الهدف.
وتشير إلى أن إيران ربما استخلصت من الحرب درسا معاكسا لما أرادته إسرائيل، يتمثل في أن التخلي عن طموحاتها النووية سيجعل النظام أكثر عرضة للهجمات، وأن امتلاك قدرة نووية قد يكون ضمانة لبقائه.
كما تراهن إسرائيل، وفق الصحيفة، على أن ضرب البنية التحتية الإيرانية بصورة مكثفة قد يدفع السكان إلى الاحتجاج وإسقاط النظام، لكن التقديرات الإسرائيلية بشأن التطورات الداخلية في إيران أخفقت خلال المواجهة السابقة.
وتكشف الصحيفة أن مسؤولين في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حذروا قبل الحرب السابقة من أن مخاطرها تفوق فرص نجاحها، ومن أن النظام الإيراني لن يسقط، والهدف النووي لن يتحقق، وأن مضيق هرمز قد يتعرض للإغلاق، فيما ستدفع موارد الطاقة ثمنا باهظا. وبحسب روايته، تجاهل نتنياهو هذه التحذيرات وأقنع ترمب بالمضي في الحرب رغم تحفظات مسؤولين أمريكيين كبار.
مخاطر حرب جديدة
ومن جانبه، يقدم الدكتور مايكل ميلشتاين، الباحث في مركز موشيه ديان بجامعة تل أبيب، في تحليل نشره موقع "يديعوت أحرونوت" بعنوان "زعيمان أضعفتهما الانتخابات ومخاطر حرب جديدة مع إيران" قراءة للمخاطر الإقليمية المرتبطة باحتمال استئناف المواجهة.
ويقول ميلشتاين إن دول الشرق الأوسط أصبحت شديدة الحساسية لأي مؤشرات على التصعيد مع إيران، خصوصا أن الهجومين السابقين وقعا في ظل وجود مفاوضات بين واشنطن وطهران، الأمر الذي يعزز مخاوف الإيرانيين من أن يكون الحوار غطاء للتحضير لعمل عسكري.
وفي طهران، لم يخف المسؤولون ارتياحهم للهزيمة الجمهورية، التي ربطها كثيرون بالاستياء الأمريكي من الحرب. لكن هذا الارتياح لا يعني الاطمئنان، إذ تشير تقديرات الخبير بالشؤون الإيرانية داني سيترينوفيتش إلى أن إيران تستعد لاحتمال توسيع نطاق المواجهة، واستهداف دول الخليج باعتبارها الحلقة الأضعف والأكثر قدرة على ممارسة الضغط على ترمب.
ويضيف سيترينوفيتش أن طهران أجرت اختبارات صاروخية لتحسين دقة الإصابة وقدرات الاختراق، وتستعد لاحتمال تفعيل حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله والحوثيون والمليشيات الشيعية بالعراق. كما لوحت بإمكانية توجيه ضربة استباقية إذا رصدت استعدادات أمريكية أو إسرائيلية للهجوم.
معضلة ترمب
أما ترمب، فيواجه معضلة بين تجديد التصعيد وإنهاء المواجهة. وينقل يديعوت أحرونوت عن الدكتورة شيرا إفرون، الباحثة بمؤسسة "راند" أن الهزيمة الانتخابية والانتقادات الموجهة إلى طريقة إدارة الحرب قد تدفعانه إلى استئناف الهجمات قريبا، وربما قبل انعقاد الكونغرس الجديد.
لكنها لا تستبعد أن يختار إنهاء المواجهة التي لا تحظى بشعبية حتى بين الجمهوريين، وأن يقدم أي ضربة مقبلة باعتبارها الحسم النهائي إذا قرر التصعيد.
ويشير البروفيسور عودي سومر، من جامعة تل أبيب، إلى أن نتائج الانتخابات ستقيد قدرة ترمب على التحرك، وأن حساباته بشأن إيران ستتأثر أيضا بعلاقاته مع القوى الكبرى، ولا سيما الصين، وباللقاء المرتقب مع الرئيس الصيني في بكين.
وفي المقابل، يقول ميلشتاين: لا تزال هناك محاولات دبلوماسية بمشاركة قطر والسعودية، فيما يسعى فانس إلى دفع محادثات بشأن اتفاق ينهي المواجهة، تشمل استئناف التفاوض حول البرنامج النووي ومضيق هرمز. لكن الخلافات بين واشنطن وطهران لا تزال واسعة، ولم تبد إيران استعدادا للتراجع عن مواقفها الأساسية.
ويضيف ميلشتاين أن الأزمة السياسية التي يواجهها نتنياهو تزيد المخاوف الإقليمية، خصوصا في ظل تصعيده ضد خصومه السياسيين والمواطنين العرب، وحديثه عن الاستعداد للعزلة الدبلوماسية والحصار الاقتصادي وفق نموذج "إسبرطة العظمى".
ويرى أن هذه الظروف تزيد المخاوف من دفع نتنياهو نحو هجوم جديد على إيران في هذا التوقيت، بما قد يعرقل المفاوضات السياسية الداخلية ومساعي تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة.
العقيدة النووية لإيران
كما يتوقف الكاتب عند تقارير إعلامية تحدثت عن بحث إسرائيل مع الأمريكيين احتمال استخدام سلاح نووي ضد منشأة "بيك آكس ماونتن" (جبل الفأس) الإيرانية، وعن استعدادات إيرانية للرد بأسلحة كيميائية واستهداف مواقع غربية، مشددا على أن هذه المزاعم لم تثبت بصورة مستقلة.
ويخلص ميلشتاين في تحليله إلى أن المواجهة السابقة لم تسقط النظام الإيراني ولم تنه قدراته النووية، بل عززت تشدد قيادته ونفوذ الحرس الثوري، ودفعت طهران إلى التفكير في امتلاك السلاح النووي باعتباره ضمانة لبقاء النظام.
وينقل عن رئيس بلدية طهران علي رضا زاكاني قوله إن إيران لم تكن تسعى إلى امتلاك قنبلة نووية، لكن التهديدات الاستثنائية التي تتعرض لها قد تدفع قيادتها إلى تغيير عقيدتها النووية. ولا يمثل هذا التصريح إعلانًا رسميًا بتغيير تلك العقيدة.




![US President Donald Trump, right, and Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu arrive for a press conference on September 29, 2025 at the White House in Washington, DC, the United States [AFP]](/wp-content/uploads/2026/08/468a4sd-1786517440.jpeg?resize=570%2C380&quality=80)












