• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران

  • سياسة
  • ميدان
  • الولايات المتحدة الأمريكية

نصف مليار دولار لم تشترِ تكساس.. كيف خسر المليارديرات الكونغرس الأمريكي؟

عبد الرحمن طه
6 نوفمبر 2026آخر تحديث: 14:24 (توقيت مكة)

وقت القراءة: 29 دقيقة

(FILES) SpaceX CEO Elon Musk (top) looks on as US President Donald Trump speaks to the press after a meeting with technology executives about artificial intelligence at the White House in Washington, DC, on September 29, 2026.

ماسك يتابع ترمب في البيت الأبيض قبل الانتخابات النصفية بنحو خمسة أسابيع، بعد أن أنفق ما يقارب نصف مليار دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، ثم خسر مرشحوه أكبر سباقين في تكساس (الفرنسية)

الملخص

  • اكتسح الديمقراطيون مجلسي الكونغرس الأمريكي في الانتخابات النصفية رغم الإنفاق المالي الضخم للمليارديرات الداعمين للجمهوريين.
  • فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد مجلس الشيوخ عن تكساس متغلباً على كين باكستون المدعوم من إيلون ماسك.

في 23 أكتوبر/تشرين الأول، قبل أيام من الانتخابات النصفية، وقف جيمس تالاريكو أمام قاعة اكتظت بمئات الطلاب والمؤيدين في جامعة تكساس بأوستن التي تخرج فيها. لم يقتصر حديث المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ، ابن السبعة والثلاثين عاما، على مهاجمة منافسه الجمهوري كين باكستون هذه المرة، ولكنه امتد إلى رجل آخر لا يظهر اسمه على بطاقة الاقتراع، فقال "إيلون ماسك يحاول شراء مقعد مجلس الشيوخ… إن كنت قد رأيت إعلانا هجوميا على شاشتك فهذا إيلون، وإن وصلتك أكاذيب في صندوق بريدك فهذا إيلون، وإن تلقيت رسالة نصية تقول أشياء مخيفة عني مع صور مقبضة بالأبيض والأسود، فهذا إيلون أيضا… في 3 نوفمبر/تشرين الثاني سنوجه رسالة واضحة تماما إلى أول تريليونير في العالم: تكساس ليست للبيع".

شبّه تالاريكو، دارس اللاهوت المسيحي، أنصاره بالمقلاع الذي صرع به داود جالوت، وقال إن حركته يمولها 1.3 مليون فرد، بينما يموّل باكستون "رجل واحد". وفي القول مبالغة، لكنه ليس بعيدا عن الحقيقة، فبحسب حسابات الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية (إن بي آر)، كان ما ضخه ماسك في "لجنة قيادة مجلس الشيوخ" الجمهورية، التي حوّلت المبالغ نفسها إلى ذراعها في الولاية "تكساس باك"، يفوق حتى منتصف أكتوبر/تشرين الأول ما جمعته حملتا تالاريكو وباكستون معا طوال السباق. ولتقريب الصورة، أنفق ماسك نحو 56 سنتا على سباق تكساس وحده، مقابل كل دولار جمعته حملات مجلس الشيوخ كلها بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول.

أخبار مقترحة

  • تصميم خاص - انتخابات مجلس الشيوخ
    أكثر 10 شخصيات وكيانات تمويلا للانتخابات النصفية الأمريكية 2026
  • U.S. President Donald Trump reacts as he is applauded while arriving to make an announcement on Freedom Haulers, an initiative to open pathways for military veterans to become commercial truck drivers, during an event at the White House in Washington, D.C., U.S., July 30, 2026. REUTERS/Kylie Cooper
    الحرب التي قد تهزم الرئيس الأمريكي في صناديق الاقتراع
  • 24:59
    "المرصد" يبحث الدعاية والمال المظلم في الانتخابات الأمريكية فيديو, 24:59

لكن مليارات الجمهوريين لم تفلح في كبح "التسونامي" الأزرق الذي اجتاح مجلسي الكونغرس ومنح الديمقراطيين حتى الآن 54 مقعدا في مجلس الشيوخ وأغلبية مريحة في مجلس النواب. وركب تالاريكو موجته متغلبا على باكستون بفارق تجاوز 1.2 مليون صوت (55% مقابل 43%)، مهديا الديمقراطيين مقعد مجلس الشيوخ في الولاية لأول مرة منذ عام 1988. ولم يقف الأمر عند تالاريكو، فقد خسر غريغ أبوت منصب الحاكم أمام جينا هينوخوسا، رغم 5 ملايين دولار تبرع بها ماسك لحملته في الأسابيع الأخيرة، لتنتخب تكساس أول حاكم ديمقراطي لها منذ أكثر من ثلاثة عقود.

ومن تالاريكو وهينوخوسا في تكساس، إلى عبد الرحمن السيد في ميشيغان، أول مسلم يدخل مجلس الشيوخ، وآدم هاميلتون في كنساس، التي لم تنتخب ديمقراطيا لمجلس الشيوخ منذ عام 1932، وشيرود براون في أوهايو، وجوش توريك في آيوا، كلهم فازوا رغم تفوق جمهوري كاسح في أموال اللجان الخارجية، مول حملات هجومية واسعة عليهم على شاشات التلفاز ولوحات الإعلانات. فهل فقد المال سحره في السياسة الأمريكية؟ أم أنه يغير جلده في الخلفية فحسب، كما فعل مرارا عبر تاريخها؟

من مورغان إلى ماسك

لطالما كان لأصحاب الملايين، ثم المليارات والآن التريليونات، نفوذ مفرط على النظام السياسي... لكن ماسك ليس له مثيل قط.

بواسطة ديفيد ناساو، أستاذ التاريخ الفخري بجامعة مدينة نيويورك

في أواخر القرن التاسع عشر، في "العصر المذهّب" كما يسميه المؤرخون، سبقت الرأسمالية الديمقراطية بأشواط في الولايات المتحدة، وأدت إلى ميلاد أباطرة المال والأعمال وتركز هائل للثروة. بين هؤلاء الأباطرة كان المصرفي الشهير جيه بي مورغان، الذي وجد نفسه في موقع أفضلية غير مسبوق. ففي عام 1895 هبط احتياطي الحكومة الأمريكية من الذهب إلى نحو 41 مليون دولار، دون الحد الأدنى المقرر وهو 100 مليون، بينما كان في خزائن 26 مصرفا في نيويورك وحدها 129 مليون دولار منه، بحسب المؤرخ هوارد زِن في كتابه "تاريخ شعبي للولايات المتحدة"، فعرض اتحاد من المصرفيين يقوده مورغان على الرئيس غروفر كليفلاند ذهبا مقابل سندات حكومية، ثم أعادوا بيع السندات فورا بأسعار أعلى، محققين ربحا يقدّره زِن بـ18 مليون دولار، وإن قدّره مؤرخون آخرون بأقل من ذلك بكثير. ويقول ريتشارد وايت، أستاذ التاريخ الفخري بجامعة ستانفورد، في حديث للإذاعة الوطنية العامة الأمريكية، إن مورغان صار من يومها "يرى نفسه شريكا للحكومة"، ويضيف "فحين تنقذ الولايات المتحدة من التخلف عن الوفاء بوعدها بسداد ديونها بالذهب، تدرك أن لك نفوذا عظيما".

بعدها بعام واحد فقط، شهدت الانتخابات الرئاسية ما يسميه زِن "أول استخدام مكثف للمال في حملة انتخابية". فبعد أن انضوت الحركة الشعبوية تحت لواء الحزب الديمقراطي ومرشحه ويليام جينينغز برايان، احتشدت الشركات والصحافة خلف منافسه الجمهوري ويليام ماكينلي، وطاف مدير حملته مارك هانا على كبار المصارف والشركات يجمع منها نحو 3.5 مليون دولار بحسب الأرقام الرسمية، في أغلى حملة عرفتها البلاد حتى ذلك الحين، وأوصلته في النهاية إلى البيت الأبيض.

لكن الحال لم يدم. فحين دمج مورغان ثلاثا من كبرى شبكات السكك الحديدية في كيان عملاق، رفع عليه الرئيس ثيودور روزفلت، الملقب بمحطم الاحتكارات، دعوى انتهت بحله عام 1904. وبحسب هـ. و. براندز، أستاذ التاريخ بجامعة تكساس في أوستن، رد التقدميون في مطلع القرن العشرين بتفكيك الاحتكارات وحظر تبرعات الشركات للمرشحين، سعيا إلى استعادة الديمقراطية، فصدر "قانون تيلمان" عام 1907، أول قانون فيدرالي يمنع الشركات والمصارف الوطنية من التبرع للمرشحين الفيدراليين.

وبعدها تباينت حظوظ رجال الأعمال في التأثير في العملية السياسية بين الصعود والانحسار. وكانت أوضح لحظات هذا الانحسار في ثلاثينيات القرن الماضي. فبعد أن عصف الكساد الكبير بسمعة المصرفيين، أسس آل دو بونت وحلفاؤهم من كبار رجال الأعمال "رابطة الحرية الأمريكية" عام 1934 لمحاربة "الصفقة الجديدة"، وجعلوا هدفها الأول إسقاط فرانكلين روزفلت في انتخابات عام 1936، وجمعت الرابطة في عام 1935 وحده ما يكاد يعادل ما جمعته اللجنتان الوطنيتان للحزبين الكبيرين معا. فرد روزفلت في خطاب بنيويورك قبل الاقتراع بثلاثة أيام قائلا "لم تتحد هذه القوى قط في تاريخنا كما تتحد اليوم ضد مرشح واحد… إنهم مجمعون على كراهيتي، وأنا أرحب بكراهيتهم"، ثم اكتسح 46 ولاية من 48، وبدأت الرابطة بعدها رحلة أفولها حتى حُلت عام 1940. وهو مشهد تكرر بعد تسعين عاما في تكساس، حين حوّل المرشحون الديمقراطيون الملياردير الذي يموّل خصومهم إلى هدف وشعار لحملاتهم.

AFP PICTURES OF THE YEAR 2025 Tesla and SpaceX CEO Elon Musk gestures as he speaks during the inaugural parade inside Capitol One Arena, in Washington, DC, on January 20, 2025. (Photo by ANGELA WEISS / AFP) / NO USE AFTER JANUARY 31, 2026 23:00:00 GMT - AFP PICTURES OF THE YEAR 2025
إيلون ماسك، أغنى رجل في العالم، دعم الجمهوري كين باكستون في تكساس، لكن الديمقراطي جيمس تالاريكو انتزع مقعد الولاية في مجلس الشيوخ الأمريكي (الفرنسية)

ثم عادت الكفة تميل إلى المال من جديد. ففي عام 1976، بعد عامين فقط من فرض الكونغرس سقوفا صارمة على التبرعات والإنفاق في أعقاب فضيحة ووترغيت، قضت المحكمة العليا في قضية "باكلي ضد فاليو" بأن سقوف الإنفاق تفرض "قيودا مباشرة وجوهرية" على التعبير السياسي، فألغتها وأبقت على سقوف التبرعات المباشرة للمرشحين، لتولد معادلة حكمت نصف القرن التالي، وهي أن إنفاق المال في السياسة مشمول بحرية التعبير التي يكفلها التعديل الأول للدستور.

وفي عام 2010 جاءت الضربة الأكبر. فمنذ حكم المحكمة العليا في قضية "سيتيزنز يونايتد"، الذي أتاح للشركات والنقابات الإنفاق المستقل غير المحدود في الانتخابات الفيدرالية، تصاعد الإنفاق الانتخابي تصاعدا هائلا. وبعدها ولدت لجان "سوبر باك" القادرة على جمع التبرعات وإنفاقها بلا حد أقصى، ومعها ما صار يعرف بـ"المال المظلم"، أي الإنفاق الانتخابي لجهات لا يلزمها القانون بالكشف عن مموليها. وفي عام 2014 أسقطت المحكمة العليا السقف الإجمالي لما يحق للفرد التبرع به لكل المرشحين والأحزاب مجتمعين. وقد وجدت دراسة نشرها مركز برينان للعدالة أن الأموال المظلمة في الانتخابات الفيدرالية لعام 2024 تجاوزت 1.9 مليار دولار، أي نحو ضعف ما أُنفق في عام 2020، ذهب منها نحو 1.3 مليار إلى لجان سوبر باك. ويرجح المركز أن الرقم الحقيقي أكبر، لأن جانبا من الإنفاق يمر عبر قنوات يصعب تتبعها، مثل الإذاعة والبث الرقمي والمؤثرين واللوحات الإعلانية. وللمفارقة، فإن القضاة طمأنوا الأمريكيين في حكمهم بأن هذا الإنفاق الجديد الذي أباحوه سيكون شفافا وعلنيا يراه الجميع.

والطريقة بسيطة، إذ يتبرع المانح لمنظمة غير ربحية مسجلة بوصفها جمعية "رعاية اجتماعية"، ولا يلزمها القانون بالكشف عن مموليها. ثم تحوّل المنظمة المال إلى لجنة سوبر باك، فيظهر اسمها في سجلات التبرع ويختفي خلفها صاحب المال الحقيقي.

وفي هذه الدورة، ذهبت مئات الملايين إلى جهات لا تكشف مموليها، بينها لجان سوبر باك "منبثقة" تتشكل وتنفق في الأسابيع الأخيرة من السباق. أما المثال الكاشف فجاء من قطاع الذكاء الاصطناعي. فقد تلقت شبكة "قيادة المستقبل" نحو 125 مليون دولار من غريغ بروكمان رئيس أوبن أيه آي وزوجته، وشركة أندريسن هورويتز ومؤسسيها، ووزعتها على لجان فرعية، من بينها "ثينك بيغ" التي تخاطب الناخبين الديمقراطيين، و"أمريكان ميشن" التي تخاطب الجمهوريين. فمولت الشبكة نفسها إعلانا يمتدح ديمقراطيا في يوتا لأنه "تصدى لحركة ماغا"، وآخر يمتدح جمهوريا في تكساس بوصفه "محاربا من محاربي ماغا". وعلى الضفة المقابلة، تلقت منظمة "بابليك فيرست أكشن" المؤيدة لتنظيم الصناعة 40 مليون دولار من شركة أنثروبيك، وموّلت المنظمة بدورها لجانا تخاطب كل حزب بلغته. والقاسم المشترك أن هذه الإعلانات، التي دعمت أو هاجمت 40 مرشحا، لم تذكر الذكاء الاصطناعي إلا قليلا.

وفي يونيو/حزيران الماضي، ألغت المحكمة العليا القيود على ما يمكن للأحزاب السياسية إنفاقه بالتنسيق مع مرشحيها للكونغرس والرئاسة، لتكون انتخابات عام 2026 أول انتخابات وطنية بعد الحكم، وتضخ مزيدا من الأموال في النظام السياسي. والنتيجة أن هذه الانتخابات النصفية كانت الأغلى في التاريخ الأمريكي، إذ بلغ الإنفاق على الإعلانات السياسية فيها نحو 11.9 مليار دولار حتى يوم الاقتراع، بحسب شركة "آد إمباكت" لتتبع الإعلانات، متجاوزا الرقم القياسي للانتخابات النصفية في عام 2022 (8.9 مليارات دولار)، بل ومجمل ما أُنفق في دورة 2024 الرئاسية بكل سباقاتها (11.2 مليار)، لتكون أول دورة نصفية يتجاوز إنفاقها الإعلاني إنفاق الدورة الرئاسية التي سبقتها. وصار سباق تكساس وحده، بأكثر من 570 مليون دولار من الإعلانات حتى أواخر أكتوبر/تشرين الأول، أغلى سباق خارج الانتخابات الرئاسية في تاريخ البلاد.

الأثر الأوضح لهذه التحولات هو ما يسميه هنريك شاتزينغر، مدير مركز السياسة والشعب في كلية ريبون بويسكونسن، "الصعود الذي لا يتوقف لكبار المانحين". فبحسب مركز برينان، كان يكفي في عام 2014 أن يتبرع المرء بما يعادل 2.3 مليون دولار بقيمة اليوم ليدخل قائمة أكبر 40 متبرعا في البلاد، أما في هذه الانتخابات فالحد الأدنى 25 مليونا. وتصدّر هؤلاء جميعا ماسك، الذي أنفق ما يقارب نصف مليار دولار لدعم المرشحين الجمهوريين وإبقاء تكساس حمراء، ثم فشل.

أحزاب أفقر من مانحيها

في سبتمبر/أيلول الماضي، وصف ترمب الأموال المكدسة في خزائن "ماغا إنك"، لجنة سوبر باك الرئيسية الموالية له، بأنها "أموالي التي أتحكم فيها". لم يمر التصريح مرور الكرام، فقد استندت إليه منظمة "مركز الحملات القانونية" في شكوى تتهم الرئيس بالسيطرة غير القانونية على اللجنة، إذ يحظر القانون الفيدرالي على شاغلي المناصب التحكم في لجان سوبر باك أو توجيه إنفاقها. وكانت "ماغا إنك" قد بدأت سبتمبر/أيلول وفي حسابها نحو 416 مليون دولار، وصرفت بعدها نحو 277 مليون، حوّلت معظمها إلى لجنتين تابعتين تتوليان الإعلانات، وهو مبلغ يفوق بفارق كبير ما أنفقه أي رئيس في التاريخ في انتخابات نصفية، بحسب الاستراتيجي الجمهوري كوري بليس.

وللمفارقة، في الحزب نفسه الذي يتباهى بتفوقه المالي وسخاء مانحيه، اضطرت اللجنة الوطنية الجمهورية لمجلس الشيوخ إلى اقتراض 20 مليون دولار (واقترضت نظيرتها الديمقراطية 15 مليونا في أكتوبر/تشرين الأول)، في وقت عانى فيه مرشحو الحزب لمجلس الشيوخ في جمع التبرعات. أما اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي فقد تعثرت في جمع الأموال طوال ولاية ترمب الثانية، ودخلت موسم الانتخابات مثقلة بالديون. وهذا التباين يظهر تحولا عميقا في الحياة الحزبية الأمريكية، فالأحزاب بهياكلها التقليدية تقترض وتلهث خلف التبرعات، بينما تفيض الخزائن الموازية التي يديرها الرئيس وحلفاؤه بتبرعات المليارديرات.

وثمة بعد آخر، فأموال الحملات الانتخابية تبقى في معظمها حبيسة السباق الذي جُمعت له بحكم القانون، أما أموال لجان سوبر باك فيمكن توجيهها إلى أي سباق مع تغير الخريطة الانتخابية. وهذه المرونة تعني في بعض الأحيان التخلي عن مرشحين بعينهم. ففي ولاية نورث كارولاينا، تعهدت لجنة قيادة مجلس الشيوخ بإنفاق 71 مليون دولار لدعم مايكل واتلي، الرئيس السابق للجنة الوطنية للحزب الجمهوري، لكنها سحبت أموالها من الولاية بعد أن أنفقت نحو نصف المبلغ، وتبعتها لجان أخرى، مع استمرار تقدم منافسه الديمقراطي روي كوبر في الاستطلاعات، وفاز كوبر بالمقعد في النهاية. وحتى الأموال التي أعيد توجيهها لإنقاذ السيناتور روجر مارشال في كنساس لم تنقذه، فقد خسر أمام القس الوسطي آدم هاميلتون. وعلى النقيض، أنفقت "تكساس باك"، المرتبطة بزعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون، أكثر من 83 مليون دولار على الإعلانات في شهر واحد. وهكذا يصير قرار توزيع موارد الحزب بين الولايات رهنا بلجان تمولها حفنة من المانحين، وأحيانا مانح واحد.

وعلى الضفة الأخرى، يعيد صغار المتبرعين تشكيل الحزب الديمقراطي على طريقتهم. فقد جمعت منصة "آكت بلو" 833 مليون دولار للمرشحين والقضايا الديمقراطية في الربع الثالث من العام، وهي أعلى حصيلة لها في ربع من عام غير رئاسي، وجمع المرشحون الديمقراطيون لمجلسي النواب والشيوخ أكثر من 906 ملايين دولار مقابل 420 مليونا لمنافسيهم الجمهوريين، فيما تقول حملة تالاريكو إنها جمعت وحدها 64 مليون دولار بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول، 97 بالمئة منها تبرعات تقل عن مئة دولار.

لهذه الديمقراطية المالية ثمنها هي الأخرى. فأكثر من 80 بالمئة من التبرعات الفردية المفصّلة التي تلقاها السيناتور جون أوسوف في جورجيا، وجوش توريك السيناتور المنتخب في آيوا، جاءت من خارج ولايتيهما. وتنفق الحملات ملايين الدولارات على إعلانات رقمية على المستوى الوطني لاستدرار التبرعات، تركز في الغالب على قضايا مثل مهاجمة ترمب أو الدفاع عنه، لا على هموم الولاية التي يترشح عنها أوسوف أو توريك أو غيرهما. ويقول مايكل فرانز، مدير مشروع ويسليان الإعلامي، إن المرشح لا يقدم نفسه في إعلانه التلفزيوني المحلي بوصفه ديمقراطيا، لأنه يريد استمالة المعتدلين والناخبين المتأرجحين، "لكن في إعلان رقمي يُبث خارج ولايتك، تصبح الهوية الحزبية أهم".

وهكذا صار للمرشح اليوم جمهوران، أحدهما ناخبون محليون والآخر مانحون ينتشرون في أنحاء البلاد، وصار طريق النجاح السياسي يمر عبر ما يسميه دانيال هوبكنز، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنسلفانيا، "دوائر الصراف الآلي"، المعروفة بسخاء تبرعاتها لهذا الحزب أو ذاك. والشاهد أن الأموال الصغيرة لا تحل أزمة الأحزاب بقدر ما تنقلها من غرف المليارديرات المغلقة إلى سوق وطنية مفتوحة للغضب والاستقطاب.

ARLINGTON, VIRGINIA, UNITED STATES - SEPTEMBER 18: Voters cast their ballots inside the Arlington County Courthouse as early voting begins in Virginia ahead of the 2026 midterm elections, in Arlington, Virginia, United States, on September 18, 2026. Early voting for the Nov. 3 US midterm elections got underway Friday in several states, beginning a process that will spread across most of the country in the coming weeks. Forty-seven states, along with Washington, DC, and several US territories, offer some form of early in-person voting to all voters, according to the National Conference of State Legislatures. Early voting periods nationwide range from three to 46 days, with the average lasting about 20 days. Most states will begin offering early voting later in September or October. (Photo by Mehmet Eser/Anadolu via Getty Images)
بلغ الإنفاق على الإعلانات السياسية في انتخابات 2026 النصفية نحو 11.9 مليار دولار، متجاوزا ما أُنفق في دورة 2024 الرئاسية بكل سباقاتها (الأناضول)

ولهذه الظاهرة تفسير أعمق يطرحه رايموند لا راجا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماساتشوستس، منذ عقد كامل. ففي كتابه "حين ينتصر الطهرانيون" الذي شارك في تأليفه براين شافنر، يقسم لا راجا المال السياسي إلى نوعين. الأول مال "البراغماتيين"، أي الأحزاب ولجان العمل السياسي التابعة للشركات والمصالح، التي تريد الفوز بالأغلبية أو بالوصول إلى صاحب القرار أيا كان، فتميل إلى دعم المعتدلين والنواب الحاليين من الحزبين. والثاني مال "الطهرانيين"، أي المتبرعين الأفراد الذين يعطون عن قناعة أيديولوجية، فيكافئون المرشح على مواقفه لا على فرص فوزه. ويخلص الكاتبان، بعد تتبع تغير قوانين التمويل في الولايات، إلى أن الإصلاحات التي سعت إلى تقليص الإنفاق، وخاصة تلك التي قيدت يد الأحزاب، انتهت دون قصد إلى تقوية الطهرانيين على حساب البراغماتيين، ومن ثم إلى زيادة الاستقطاب.

وفي كتاب جديد صدر هذا العام بعنوان "صغار المتبرعين في السياسة الأمريكية: الأسطورة والواقع"، يمد لا راجا وزاكاري ألبرت من جامعة برانديز الحجة إلى صغار المتبرعين أنفسهم. فهؤلاء، بحسبهما، ليسوا "الأمريكيين العاديين" كما يُصوَّرون، بل أكبر سنا وأكثر ثراء وتعليما من عموم الناس، ولا يقلون عن كبار المانحين حزبية واستقطابا. وهم يستجيبون للصراع والشهرة والغضب، فتتدفق أموالهم إلى السباقات الوطنية المشتعلة، بينما تجف تمويلات السباقات الأقل صخبا. ولم يكن مصادفة أن يتصدر قائمة متلقي التبرعات الصغيرة في انتخابات عام 2022 النصفية مارجوري تايلور غرين وألكساندريا أوكاسيو كورتيز ومات غيتز، وكلهم من أكثر الساسة الأمريكيين إثارة للجدل.

المال وحده لا يكفي

المال يمكن أن يشتري لك مكبر الصوت، لكنك لا تستطيع حقا أن تشتري المزاج العام.

بواسطة هنريك شاتزينغر، أستاذ العلوم السياسية بكلية ريبون

لا نحتاج إلى العودة إلى أمثلة بعيدة لنرى أن الإنفاق الانتخابي لا يشتري المقعد. فقد دخلت كامالا هاريس المرحلة الأخيرة من سباق عام 2024 بأموال تفوق ما لدى ترمب بكثير، ثم خسرت كل الولايات المتأرجحة الحاسمة والبيت الأبيض معها، ولم يتأهل توم ستاير إلى الانتخابات العامة على منصب حاكم كاليفورنيا هذا العام رغم ضخه 216 مليون دولار من ماله الخاص في حملته. وأنفق ماسك نفسه أكثر من 20 مليون دولار على سباق المحكمة العليا لولاية ويسكونسن العام الماضي، ليخسر مرشحه بنحو عشر نقاط.

أما أيباك، فقد ضخت قرابة 30 مليون دولار في الانتخابات التمهيدية على مقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ، في أكبر استثمار لها في سباق واحد على الإطلاق، ومع ذلك خسرت مرشحتها النائبة هايلي ستيفنز أمام عبد الرحمن السيد. ولم تتوقف أيباك عند الانتخابات التمهيدية، إذ خططت لضخ ما يصل إلى 9 ملايين دولار في لجنة تدعم الجمهوري مايك روجرز، وواصلت لجنتها "مشروع الديمقراطية المتحدة" الإنفاق ضد السيد حتى الأيام الأخيرة. لكنه هزم روجرز أيضا، ليصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ البلاد، بعد حملة جعلت إخراج المال الخارجي من الانتخابات أحد شعاراتها.

ضخت أيباك قرابة 30 مليون دولار في ميشيغان دعما لهايلي ستيفنز في مواجهة عبد الرحمن السيد بالانتخابات التمهيدية، ثم خططت لإنفاق ما يصل إلى 9 ملايين لدعم خصمه الجمهوري مايك روجرز، لكنه تغلب عليهما
ضخت أيباك قرابة 30 مليون دولار في ميشيغان دعما لهايلي ستيفنز في مواجهة عبد الرحمن السيد بالانتخابات التمهيدية، ثم خططت لإنفاق ما يصل إلى 9 ملايين لدعم خصمه الجمهوري مايك روجرز، لكنه تغلب عليهما (غيتي)

بل إن الطريقة التي يُنفق بها المال اليوم قد تبدد أثره. فالقانون يضمن للمرشحين أدنى أسعار الإعلانات المتاحة، بينما لا تتمتع لجان سوبر باك بهذا الامتياز. وفي إحدى مباريات كرة القدم الأمريكية في سبتمبر/أيلول، دفعت "تكساس باك" 450 ألف دولار لبث إعلان واحد في سوق أوستن، بينما دفعت حملة تالاريكو 50 ألفا فقط لإعلان في المباراة نفسها والسوق نفسها. وزاد الطين بلة أن المنظمات المرتبطة بترمب انتظرت حتى سبتمبر/أيلول لتبدأ إنفاقها الكبير، فاضطرت أحيانا إلى دفع أكثر من خمسة أضعاف ما كانت ستدفعه لو تحركت مبكرا.

ويشكك باحثون في جدوى هذا الطوفان الإعلاني من الأساس. فأليكس كينا، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فرجينيا كومنولث، يقول "قراءتي للأدلة أنه لن يؤثر حقا في نتيجة السباق"، إذ تعتمد كثير من أبحاث العلوم السياسية حول فعالية الإعلانات على تجارب أُجريت في التسعينيات ومطلع الألفية "حين كان الناس يشاهدون التلفاز فعلا"، بينما يشير شاتزينغر إلى دراسات كثيرة تُظهر أن أثر الإعلانات يتبدد غالبا في غضون أسبوع.

لكن قبل أن نعلن موت المال السياسي، علينا أن ننظر غربا. ففي كاليفورنيا، ضخ مليارديرات التكنولوجيا أكثر من 300 مليون دولار في لجان لإسقاط "المقترح 40"، الذي يفرض ضريبة لمرة واحدة بنسبة 5% على ثروات المليارديرات، فيما وصفه ديفيد ماكوان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة ولاية سونوما، بأنه قد يكون أغلى استفتاء "في تاريخ العالم". ومع فرز نحو 60% من الأصوات، كان الرافضون متقدمين بنسبة 55.6% مقابل 44.4%، ولم تُحسم النتيجة رسميا بعد. فالمال الذي عجز عن شراء مقاعد مجلس الشيوخ ما زال قادرا على ما برع فيه دائما، أي إقناع الناخبين المترددين بأن يقولوا "لا".

إن كان المال عاجزا عن شراء المزاج العام، فأين تكمن قوته إذن؟ تكمن غالبا فيما بعد الانتخابات، في الوصول إلى صناع القرار وفي صياغة القواعد التي تحكم الأسواق. وصناعة العملات المشفرة مثال نموذجي، إذ أنفقت أكثر من 130 مليون دولار في انتخابات عام 2024 لإيصال ساسة ودودين إليها من الحزبين، وتلقى ديمقراطيون مثل السيناتورين روبن غاليغو وإليسا سلوتكين دعم لجانها على أمل أن يتعاونوا معها إن فازوا.

Bitcoin Cryptocurrency coin on a PC computer graphic card, crypto currency mining concept shutterstock_1036661875
أنفقت صناعة العملات المشفرة أكثر من 130 مليون دولار في انتخابات 2024 لإيصال ساسة ودودين إليها من الحزبين (شترستوك)

لكن الرياح تبدلت سريعا. فبعد أن جنى الرئيس وعائلته أكثر من مليار دولار من العملات المشفرة، لم يعد بوسع الديمقراطيين أن يبرروا لناخبيهم إثراء الرئيس لحساب صناعة مولت حملاتهم، فأسقط ديمقراطيو مجلس الشيوخ، ومعهم أربعة جمهوريين، "قانون الوضوح" في تصويت إجرائي يوم 15 سبتمبر/أيلول (49 صوتا مقابل 50)، بعد أن ضغط أقطاب الصناعة لتمريره أكثر من عام. وإن كان الجمهوريون قد لوّحوا بإحيائه بعد الانتخابات، فقد صار ذلك أبعد منالا بعد أن صارت الأغلبية في المجلسين للديمقراطيين بدءا من يناير/كانون الثاني المقبل. ولم تكن هذه الخسارة الوحيدة للصناعة، فقد أعلنت لجنة "فيرشيك" الداعمة للعملات المشفرة إنفاقها ضد شيرود براون في أوهايو، ففاز براون بالمقعد.

والأخطر على أصحاب المال أنه قد يتحول هو نفسه إلى تهمة. ففي 21 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت أيباك أنها ستتوقف عن إعلان تأييد المرشحين وتقديم التبرعات المباشرة لهم، بعد خمس سنوات فقط من بدء انخراطها السياسي المباشر، وفي دورة انتخابية واجهت فيها مقاومة متصاعدة، حتى إن بعض المرشحين الذين أيدتهم أعلنوا رفضهم تلقي أموالها لتهدئة الانتقادات، فيما أعلن النائب عن نيويورك بات رايان أنه سيعيد قرابة 250 ألف دولار تلقاها منها. والأمر نفسه يتكرر مع صناعة الذكاء الاصطناعي، إذ طالب نحو 170 من المنظمين والعاملين في الحملات الديمقراطية قيادات حزبهم برفض تبرعات لجنة "قيادة المستقبل" الداعمة للصناعة، وتعهد نحو عشرة من المرشحين الديمقراطيين لمجلس النواب برفض أي أموال منها. ووجد استطلاع أجرته شركة "داتا فور بروغرس" في آيوا وميشيغان وأوهايو أن نحو ثلاثة أرباع الناخبين المرجح تصويتهم يقل ميلهم إلى دعم مرشح تسانده لجان سوبر باك تابعة لصناعة الذكاء الاصطناعي، ومنهم نحو ثلاثة من كل خمسة جمهوريين.

ولم يأت تراجع أيباك من فراغ. فحرب الإبادة على غزة غيّرت مزاج القاعدة الديمقراطية، وجعلت المال المؤيد لإسرائيل عبئا على من يتلقاه. وفي فبراير/شباط الماضي، وجد استطلاع لمؤسسة غالوب أن الأمريكيين صاروا، لأول مرة في استطلاعاتها، أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين (41%) منهم مع الإسرائيليين (36%). وكانت القفزة أوضح بين الديمقراطيين، إذ صار نحو ثلثيهم أميل إلى الفلسطينيين، بعد أن كان نصفهم أميل إلى إسرائيل عام 2016. وانتقل هذا المزاج إلى قاعة الكونغرس. ففي يوليو/تموز الماضي، صوّت 103 من النواب الديمقراطيين لصالح تعديل قدمه الجمهوري توماس ماسي لوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. وكان بينهم بات رايان، الذي أيدته أيباك من قبل، فكتب بعد التصويت أنه لا يريد دعمها في انتخاباته المقبلة، وأعلن أنه سيعيد أموالها.

وفي هذا المناخ، صار تأييد أيباك ورقة يلوّح بها الخصوم في الانتخابات التمهيدية، وصار رفض أموالها ورقة يلوّح بها المرشحون. ولم يكن مصادفة أن تضع المنظمة أكبر رهان مالي لها في سباق واحد على هزيمة مرشح جعل غزة في قلب حملته، في ميشيغان، ثم تخسره. وحين أعلنت تراجعها، اعترفت قيادتها في رسالتها إلى الأعضاء بأن "التحديات التي نواجهها ستستمر في التزايد في السنوات المقبلة".

لكن قراءة تراجع أيباك بوصفه انسحابا قد يكون فيه شيء من التسرع. فقد قالت المنظمة إن أعضاءها قدموا أكثر من 90 مليون دولار مباشرة للمرشحين في هذه الدورة، معظمها عبر بوابتها للتبرع، بينما لم تتبرع لجنتها السياسية نفسها إلا بنحو 3 ملايين، وأن هذا العطاء المنظم "سيستمر ويزداد"، فيما تواصل لجنتها "مشروع الديمقراطية المتحدة" عملها وقدرتها على جمع أموال بلا سقف، بعد أن أنفقت 53.5 مليون دولار في نفقات مستقلة. وفي رسالتها إلى الأعضاء، كتبت قيادة أيباك أن "الأسلوب الوحيد الذي نتمسك به هو الأنجع". فالمال هنا يحاول التواري عن الأنظار وتجربة أشكال مختلفة من الدعم تناسب المرحلة، وأيباك "تجرب بالفعل طرقا تجعل دعمها أعصى على التتبع"، بحسب حامد بنداس من مشروع السياسات التابع لمعهد تفاهم الشرق الأوسط.

إلى أين؟

تتراكم المؤشرات على أن الأمريكيين ضاقوا ذرعا بهذا الواقع، ومنها ما سبق تسونامي 3 نوفمبر/تشرين الثاني بكثير. ففي ولاية مين، صوّت 75 بالمئة من الناخبين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 لصالح استفتاء جعل ولايتهم الأولى في البلاد التي تضع حدا لما يمكن للأفراد والمنظمات التبرع به للجان سوبر باك، بسقف قدره 5 آلاف دولار. صحيح أن السقف لم يُطبَّق قط، إذ طعنت فيه لجنتان محافظتان على الفور، وأسقطه قاض فيدرالي في يوليو/تموز 2025، فاستأنفت الولاية، ونظرت محكمة الاستئناف الفيدرالية في بوسطن القضية في يوليو/تموز الماضي دون أن تصدر حكمها بعد، فيما يأمل مؤيدو القانون أن يصلوا به إلى المحكمة العليا.

وفي مونتانا، حيث اشترى "ملوك النحاس" نفوذهم في المجلس التشريعي للولاية بالرشى في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، رد الناخبون عام 1912 بإقرار قانون الممارسات الفاسدة الذي حظر إنفاق الشركات على الانتخابات، وصمد مئة عام حتى أسقطته المحكمة العليا عام 2012. وفي 3 نوفمبر/تشرين الثاني عاد الناخبون إلى السلاح نفسه، فأقر نحو ثلثيهم "المبادرة 194" المعروفة بـ"خطة مونتانا"، لتصبح ولايتهم الثانية بعد هاواي التي تعيد تعريف قانون الشركات بحيث لا يحق لها الإنفاق في السباقات السياسية بالولاية، بدءا من يناير/كانون الثاني 2027.

وقد وجد استطلاع أجراه مركز برينان هذا العام أن 79% من الناخبين المسجلين يؤيدون تعديلا دستوريا يعيد فرض حدود على الإنفاق السياسي، بينهم 84% من الديمقراطيين و75% من الجمهوريين. لكن الفكرة تبقى حتى الآن شعارا انتخابيا أكثر منها مشروعا جادا، فبينما تُلهب عبارة "ألغوا حكم سيتيزنز يونايتد" حماس الحضور في أي لقاء جماهيري للديمقراطيين، لا يوجد جهد جاد لتمرير تعديل دستوري يحد من صوت الأثرياء، وهو ما وصفه بيت بوتيجيج، وزير النقل السابق الذي أيد خطة مونتانا وشارك في حشد الدعم لها، بأنه "فشل كامل في الطموح والخيال". واستعاض الديمقراطيون عن ذلك بخطاب شعبوي يصور خصومهم أدوات في يد فاحشي الثراء، حتى صاروا يتحدثون عن "طبقة إبستين" التي ترمز إلى تلاعب الأثرياء بالنظام للإفلات من المساءلة.

وفي المقابل، تتراكم شواهد على أن المنظومة تسير في الاتجاه المعاكس، فلجنة الانتخابات الفيدرالية، الجهة المكلفة بمراقبة جمع الأموال وإنفاقها، عاجزة منذ مايو/أيار 2025 عن فتح أي تحقيق أو فرض أي غرامة أو إصدار أي توجيه، بعد أن فقدت النصاب القانوني اللازم لعملها (أربعة أعضاء من ستة) إثر إقالة ترمب رئيستها الديمقراطية إلين وينتروب مطلع 2025، ثم استقالة أعضائها الجمهوريين تباعا. لم تحسم اللجنة منذ ذلك الحين قضية واحدة، وتضاعفت القضايا المتراكمة لديها في عام واحد من 154 إلى 307، بينما لم يعقد مجلس الشيوخ حتى يوم الاقتراع جلسة استماع واحدة لمرشحَي ترمب لعضويتها منذ ترشيحهما في فبراير/شباط. وما لم يثبّتهما المجلس الحالي في أسابيعه الأخيرة، سيصير مصير اللجنة في يد الأغلبية الديمقراطية الجديدة في يناير/كانون الثاني.

وتضع هذه الحصيلة الأغلبية الديمقراطية الجديدة أمام اختبار يبدأ في يناير/كانون الثاني. فالحزب الذي جعل "المال الخارجي" و"طبقة إبستين" عنوانين لحملاته يجد في أدراجه مشروعات جاهزة. ففي مارس/آذار الماضي، أعاد أكثر من 180 نائبا ديمقراطيا طرح "قانون الإفصاح"، الذي يلزم لجان سوبر باك والجمعيات غير الربحية بكشف أسماء من يتبرعون لها بعشرة آلاف دولار أو أكثر، وأعادوا معه طرح تعديل دستوري يلغي حكم "سيتيزنز يونايتد". لكن الطريق ضيق. فالقانون يحتاج في مجلس الشيوخ إلى 60 صوتا لتجاوز التعطيل الإجرائي، وللديمقراطيين حتى الآن 54 مقعدا، وإن تجاوز المجلس فسينتظره فيتو ترمب. أما التعديل الدستوري فيحتاج إلى ثلثي المجلسين وموافقة 38 ولاية.

والاختبار الأصعب داخل البيت الديمقراطي نفسه. فالحزب الذي هاجم مليارديرات خصومه لم يكن فقيرا إلى المال الكبير. ففي الربع الثالث وحده، جمعت "لجنة الأغلبية في مجلس الشيوخ"، كبرى لجان سوبر باك الديمقراطية، 151 مليون دولار، وهو رقم قياسي لها، وبلغت حصيلتها مع ذراعها غير الربحية، التي لا تكشف مانحيها، 202 مليون دولار، بحسب صحيفة نيويورك تايمز. وحين يقف المال الكبير في صف الديمقراطيين، سيتبين إن كان خطابهم ضده قناعة أم سلاحا انتخابيا.

إذن، تبدو الإجابة عن السؤال معقدة. فالمال لم يفقد قدرته على شراء مكبر الصوت، لكنه يكتشف حدود ما يستطيعه مكبر الصوت في مواجهة مزاج عام غاضب، ويكتشف أنه حين يصير هو نفسه موضوع المعركة، يتحول من ميزة إلى عبء يثقل كاهل المرشح ويضعف حظوظه. وكان زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر قد لخّص الانتخابات كلها، قبل الاقتراع بنحو شهر، في سؤال "هل يمكن لتفوق جمهوري هائل في المال أن يهزم تفوقا ديمقراطيا هائلا في جودة المرشحين وفي المناخ السياسي؟"، قبل أن يجيب "أراهن أنه لا يستطيع". لكن هل هذه بداية فصل جديد من نفوذ رجال المال والأعمال، أم نتجه بعد ولايتي ترمب نحو حقبة جديدة من الإصلاح الديمقراطي كتلك التي أعقبت العصر المذهّب الأول؟

المصدر: الجزيرة

حول هذه القصة

  • شعار إيباك @aipac.org

    العبء الكبير.. اللوبي الإسرائيلي الأمريكي على موعد مع قدره المحتوم

    26/8/2026
  • صور محاكاة - واشنطن تفرض عقوبات جديدة على ما وصفته بـ"شبكات الظل المصرفية" الإيرانية

    الاستخبارات الاقتصادية.. السلاح الصامت في السياسة الخارجية الأمريكية

    25/6/2026
  • إنترسبت.. المال الخفي يعيد تشكيل الانتخابات الأمريكية

    23/5/2026

المزيد من سياسة

  • الموجة الزرقاء التي لم ترها الاستطلاعات.. أين أخطأ الجميع في قراءة ناخبي ترمب؟كان ترمب وحزبه يراهنان على قاعدة انتخابية صلبة، لكن صناديق الاقتراع حملت مفاجآت من قلب المعاقل الجمهورية. فهل بالغت شركات الاستطلاع في تقدير حظوظ الجمهوريين؟ وما الذي دفع الناخبين إلى تغيير خياراتهم؟
  • موسم الزيتون في جنوب لبنان.. مزارعون ينتظرون إذنا لقطف محاصيلهميواجه مواطنون ومزارعون في عدد من القرى الحدودية جنوبي لبنان صعوبة في الوصول إلى أراضيهم بعدما أصبح دخولها مرتبطا بتصاريح وتنسيق مسبق، في وقت لا يحتمل فيه موسم قطاف الزيتون مزيدا من التأخير.
  • حرب الخرائط الصامتة.. لماذا تظهر ناقلات هرمز في مواقع لم تصل إليها قط؟ فيديو, 04:27باتت شاشات التتبع في الخليج ومضيق هرمز تظهر سفنا “تبحر” على اليابسة جراء تلاعب بإشارات الفضاء؛ فكيف يسقط التشويش والخداع دقة أنظمة التموضع العالمي ليجبر الملاحة على العودة لأدواتها التقليدية؟
    04:27
  • ملفات إبستين تعود للواجهة بعد هزيمة الجمهوريينيعتزم نواب ديمقراطيون بارزون في مجلس النواب الأمريكي إعادة ملفات جيفري إبستين للواجهة مرة أخرى، وذلك في أعقاب الزخم الذي منحه الفوز الكبير في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1نجوم هوليود يحتفلون بنجاح عبد الرحمن السيدأسامة صفار
  2. 2أخشى أن نفيق من نشوة هزيمة ترمب ونتنياهو على كارثةعريب الرنتاويرأي بقلمعريب الرنتاوي
  3. 3وجوه عربية في الكونغرس الأمريكي
  4. 4رفض وضع الأناناس على البيتزا.. فخسر وظيفته وإقامته
  1. 5اسمي "عبد الرحمن محمد السيد".. الرجل الذي هزم ترمب مرتينعبدالرحمن عياش
  2. 6من هيغسيث إلى فانس.. مَن أبرز المهدَّدين بالإقالة بعد هزيمة الجمهوريين؟
  3. 7فيديو اعتزال رونالدو يتخطى نصف مليار مشاهدة في أقل من 24 ساعة
  4. 8خروج المينورسو من الصحراء.. الدلالات والانعكاساتمحمد المختار الخليل

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية