واشنطن- أعادت الهزيمة الواسعة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية طرح سؤال يتجاوز مستقبل الأغلبية في الكونغرس إلى مستقبل العلاقة داخل البيت الأبيض نفسه، بعدما خرج جيه دي فانس نائب الرئيس بانتقادات غير معتادة لحرب الرئيس دونالد ترمب على إيران، محملا إياها المسؤولية الأساسية عن الخسائر الانتخابية.
وأثارت تصريحات فانس تساؤلات بشأن حدود استقلاله عن الرئيس الذي اختاره نائبا له، وما إذا كان الخلاف بينهما يمثل بداية صراع على قيادة الحزب الجمهوري.
أخبار مقترحة
وفتحت تصريحات فانس أيضا ملفا دستوريا أكثر تعقيدا. فالرئيس الأمريكي، رغم اتساع سلطاته التنفيذية، لا يملك إقالة نائبه، بينما يمتلك نائب الرئيس موقعا دستوريا مستقلا، يجعله الوريث المباشر للرئاسة إذا شغر منصبها.
ومع انتقال السيطرة على مجلسي الكونغرس إلى الديمقراطيين اعتبارا من يناير/كانون الثاني المقبل، تعود كذلك احتمالات مساءلة ترمب وعزله إلى النقاش السياسي، وإن كانت العقبات الدستورية والسياسية أمام إزاحته لا تزال كبيرة.
ما مسؤوليات نائب الرئيس الأمريكي؟
على خلاف التصور الشائع، لا يمنح الدستور الأمريكي نائب الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة، ولا يجعله شريكا للرئيس في إدارة السلطة التنفيذية، وإنما يحدد له مجموعة محدودة من المسؤوليات، أهمها رئاسة مجلس الشيوخ، والتصويت عند تعادل الأصوات بين أعضائه، وتولي الرئاسة إذا توفي الرئيس أو استقال أو عُزل.
كذلك يتولى نائب الرئيس رئاسة الجلسة المشتركة للكونغرس التي تُحصى فيها أصوات المجمع الانتخابي بعد الانتخابات الرئاسية، لكنّ هذه المهمة إجرائية، ولا تمنحه سلطة تغيير نتائج الانتخابات أو رفض الأصوات المعتمدة بمفرده.
أما المشاركة في اجتماعات مجلس الأمن القومي، وإدارة الملفات الدبلوماسية، والقيام بمهام التفاوض مع الحكومات الأجنبية، والمشاركة في رسم السياسات الاقتصادية والعسكرية، فهي أدوار يستمد نائب الرئيس معظم سلطاته فيها من الرئيس نفسه، وليس من الدستور.
وقد شهد المنصب توسعا تدريجيا خلال القرن العشرين، بعدما كان نواب الرؤساء يؤدون في الغالب دورا محدودا داخل مجلس الشيوخ. ويُعد والتر مونديل، نائب الرئيس جيمي كارتر، من أبرز من أسهموا في تحويل المنصب إلى موقع استشاري داخل البيت الأبيض، بعدما أصبحت اللقاءات المنتظمة مع الرئيس والمشاركة في القرارات الكبرى جزءا من عمل نائب الرئيس.
وفي حالة فانس، منحه ترمب دورا سياسيا ودبلوماسيا بارزا، خصوصا في المفاوضات المتعلقة بإيران. وكان فانس من أبرز المسؤولين المشاركين في الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية للحرب، رغم تحفظاته السابقة على التدخل العسكري.
هل يستطيع ترمب إقالة فانس أو تهميشه؟
تكمن المفارقة في أن الرئيس الأمريكي يستطيع إقالة وزير الخارجية أو الدفاع أو غيرهما من أعضاء إدارته، لكنه لا يستطيع إقالة نائبه، لأن الأخير ليس موظفا عيّنه الرئيس، وإنما مسؤول دستوري انتُخب معه لولاية محددة.
وبالتالي، لا يملك ترمب إصدار قرار بإعفاء فانس من منصبه، أو تعيين نائب جديد بدلا منه لمجرد خلافهما على السياسات. والطريق الدستوري لإقالة نائب الرئيس يمر عبر إجراءات الاتهام والمحاكمة البرلمانية، شأنه شأن الرئيس، بينما يمكن أن يشغر المنصب باستقالة شاغله.
وفي الحالة الأخيرة، يستطيع الرئيس ترشيح نائب جديد، لكنّ تعيينه يتطلب موافقة الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وفق التعديل الدستوري الخامس والعشرين.
في المقابل، يستطيع ترمب تحييد فانس سياسيا دون إقالته دستوريا، وذلك بسحب الملفات التي كلفه بإدارتها، أو استبعاده من بعض دوائر صنع القرار، أو الاعتماد على وزراء ومستشارين آخرين في إدارة الملفات الحساسة.
لكنّ تأثير التهميش لا يقتصر على المؤسسات. ففانس يمتلك حضورا سياسيا مستقلا داخل حركة "ماغا"، ويرتبط اسمه بسباق الرئاسة المقبل، مما يجعل أي خلاف بينه وبين ترمب مرتبطا أيضا بالصراع على مستقبل الحركة بعد مغادرة مؤسسها البيت الأبيض.
من سيرث ترمب؟
ولا يقتصر أثر الخلاف بين دونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس بشأن الحرب على إيران على العلاقة بينهما داخل البيت الأبيض، بل يمتد إلى معركة خلافة ترمب في انتخابات الرئاسة لعام 2028، خصوصا أن الرئيس لم يعلن حتى الآن تأييده الرسمي لأي مرشح، رغم أنه سبق أن أبلغ مانحين جمهوريين برغبته في وصول فانس إلى الرئاسة.
وسبق أن نقلت صحيفة واشنطن بوست عن الرئيس الأمريكي قوله في اجتماع مع مانحين في المكتب البيضاوي: "في نهاية المطاف، علينا أن ننتخب جيه دي". لكنّ ستة من مستشاري الرئيس وحلفائه أكدوا للصحيفة أن هذا التصريح لا يعني أنه حسم قراره، خصوصا أنه يواصل سؤال المقربين منه عن الأفضل لخلافته: فانس أم وزير الخارجية ماركو روبيو.
بل إن ترمب عاد، خلال مقابلة مع "فوكس نيوز" إلى تجنب إعلان موقفه، قائلا إن الانتخابات التمهيدية الجمهورية لعام 2028 قد تكون مفتوحة للمنافسة، ومشيدا بتعدد الشخصيات المؤهلة داخل الحزب.
ويتمتع نائب الرئيس بعلاقات وثيقة مع حركة "ماغا"، كما يحظى بدعم دونالد ترمب الابن، والمعلق المحافظ تاكر كارلسون، ومنظمة "نقطة تحول الولايات المتحدة الأمريكية" التي أعلنت رئيسة مجلس إدارتها إيريكا كيرك تأييدها لفانس، وذلك بعد مقتل زوجها مؤسس المنظمة تشارلي كيرك.
ويتمتع فانس كذلك بشبكة علاقات مع ممولين جمهوريين كبار، وعمل خلال الانتخابات الأخيرة على جمع التبرعات للحزب، وهو ما يمنحه بنية تنظيمية يستطيع الاستفادة منها إذا قرر الترشح للرئاسة.
لكنّ وزير الخارجية ماركو روبيو اكتسب موقعا مهمّا داخل الإدارة، خصوصا مع جمعه بين منصبه الدبلوماسي ودور مستشار الأمن القومي، بينما تظهر بينه وبين فانس اختلافات واضحة بشأن السياسة الخارجية.
فبينما يمثل فانس تيارا محافظا متشككا في التدخلات العسكرية الخارجية وفي حدود التحالف مع إسرائيل، يرتبط روبيو بالمدرسة الجمهورية التقليدية الأكثر تشددا تجاه إيران، والأكثر تمسكا بالتحالف الإستراتيجي مع إسرائيل.
لكنّ روبيو أعلن سابقا أنه سيدعم فانس إذا قرر الترشح، وقال إنه سيكون من أوائل المؤيدين له، بينما تحدث ترمب مرارا عن رغبته في رؤية الرجلين على بطاقة انتخابية واحدة. ولم يعلن أي منهما حتى الآن ترشحه رسميا.
ولا تقتصر المنافسة الجمهورية على الرجلين، إذ طُرحت أيضا أسماء حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، والسيناتور تيد كروز، والسيناتور جوش هاولي، ضمن الشخصيات التي قد تدخل السباق.

هل يمكن للديمقراطيين عزل ترمب بعد فوزهم بالكونغرس؟
تفتح سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ، اعتبارا من الثالث من يناير/كانون الثاني 2027، المجال أمام تحقيقات ومساءلات لم تكن متاحة بالقوة نفسها أثناء سيطرة الجمهوريين على الكونغرس.
لكنْ من الضروري التمييز بين 3 أمور مختلفة: التحقيق مع الرئيس، وتوجيه اتهامات برلمانية إليه تمهيدا لعزله، وإزاحته بالفعل من المنصب.
يمنح الدستور مجلس النواب سلطة توجيه الاتهامات للرئيس، المعروفة بإجراءات العزل، بأغلبية بسيطة من أعضائه، في حالات الخيانة العظمى أو الرشوة أو ما يسميه الدستور الجرائم والجنح "الكبرى".
بيد أن موافقة مجلس النواب لا تعني عزل الرئيس، وإنما تنقل القضية إلى مجلس الشيوخ لمحاكمته. ولا يُعزل الرئيس إلا إذا صوّت ثلثا أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين لإدانته، أي 67 صوتا إذا حضر الأعضاء المئة جميعا.
وبذلك، حتى مع فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس الشيوخ في الانتخابات الأخيرة، سيحتاجون إلى تأييد عدد من الجمهوريين للوصول إلى أغلبية الثلثين.
وقد واجه ترمب هذا المسار مرتين من قبل. ففي ديسمبر/كانون الأول 2019 وجه إليه مجلس النواب اتهامات تتعلق بإساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونغرس، ثم اتهمه مجددا في يناير 2021 بالتحريض على التمرد عقب اقتحام الكابيتول.
لكنّ مجلس الشيوخ برأه في المرتين. وحتى في المحاكمة الثانية، التي صوّت فيها 57 سيناتورا لصالح إدانته مقابل 43، لم تبلغ الأصوات العتبة الدستورية المطلوبة.
أما على المستوى السياسي، فلا يبدو العزل أولوية معلنة لقيادة الحزب الديمقراطي في هذه اللحظة. فقد قال حكيم جيفريز، زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب والمرشح لرئاسته، إنه لم يتحدث إليه أي عضو في الكتلة الديمقراطية بشأن عزل ترمب، مشيرا إلى أن اهتمام حزبه ينصب على تكاليف المعيشة ومساءلة الإدارة.
لكنّ الديمقراطيين يخططون لفتح تحقيقات واسعة في قضايا تضارب المصالح والفساد المزعوم، والأعمال التجارية المرتبطة بعائلة ترمب، وسياسات الهجرة، وغيرها من الملفات، دون استبعاد أن تقود نتائج التحقيقات إلى إجراءات أشد.
هل يستطيع فانس تولي الرئاسة من خلال التعديل الـ25؟
يوجد مسار دستوري آخر يختلف عن إجراءات العزل البرلمانية، وهو التعديل الـ25، الذي ينظم انتقال السلطة عندما يصبح الرئيس غير قادر على أداء مسؤوليات منصبه.
وبموجب الفقرة الرابعة من التعديل، يستطيع نائب الرئيس، بالاشتراك مع أغلبية الوزراء المعنيين، تقديم إعلان رسمي يفيد بعدم قدرة الرئيس على أداء واجباته، وعندئذ تنتقل الصلاحيات إلى نائب الرئيس، الذي يصبح رئيسا بالإنابة.
لكنْ إذا اعترض الرئيس وأعلن قدرته على ممارسة مهامه، يمكن أن يتحول الأمر إلى نزاع دستوري يتدخل الكونغرس لحسمه. وإذا استمر نائب الرئيس والأغلبية المطلوبة من الوزراء في إعلان عدم قدرة الرئيس، فسيحتاج استمرار نائب الرئيس في ممارسة الصلاحيات إلى موافقة ثلثي أعضاء كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
كما أن اللجوء إلى الفقرة الرابعة لا يعني عزل الرئيس نهائيا أو انتقال المنصب إلى نائبه بصورة دائمة، وإنما نقل الصلاحيات وفق إجراءات محددة. أما في حالات الاستقالة أو الوفاة أو الإقالة بعد الإدانة البرلمانية، فإن نائب الرئيس يصبح رئيسا كامل الصلاحيات لبقية الولاية، وفق الفقرة الأولى من التعديل نفسه.




















