بول كروغمان اقتصادي أميركي درّس مادة الاقتصاد في أرقى الجامعات الأميركية، وألف أكثر من 20 كتابا، وكان من أبرز كتاب الرأي في صحيفة نيويورك تايمز طيلة ربع قرن (1999-2024)، قبل أن يبدأ تجربة جديدة في موقع إلكتروني بمقالات يومية يتناول فيها الشأن الاقتصادي في أبعاده السياسية والاجتماعية ويبسّط المشاكل الاقتصادية المعقدة لأكبر قاعدة ممكنة من القراء.
كروغمان صوت ليبرالي رائد في النقاشات السياسة الأميركية، وهو من أبرز منتقدي السياسات الاقتصادية المحافظة، وخاصة في عهد الرئيس جورج بوش الابن (2001-2009) ثم الرئيس دونالد ترامب منذ ترشحه للولاية الأولى عام 2016.
فاز بجائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008 تقديرا لجهوده في مجال الاقتصاد الدولي. وقال عنه مارتن وولف، كاتب الرأي في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إنه "الكاتب الأكثر إثارة للكراهية والأكثر إثارة للإعجاب في الولايات المتحدة".
النشأة والتكوين
وُلد بول كروغمان في 28 فبراير/شباط 1953 بمدينة ألباني، عاصمة ولاية نيويورك، ووالداه هما ديفيد وأنيتا كروغمان.
نشأ في مقاطعة ناسو، وتخرج من مدرسة "جون إف. كينيدي" الثانوية في بيلمور. وهو متزوج من روبن ويلز، مدربة اليوغا والخبيرة الاقتصادية التي تعاونت معه في تأليف بعض كتبه.

المسار الأكاديمي والمهني
حصل كروغمان على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة ييل عام 1974 وعلى درجة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 1977.
وفي فترة وجوده في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا كان ضمن مجموعة صغيرة من الطلاب الذين أُرسلوا للعمل في البنك المركزي البرتغالي ثلاثة أشهر في صيف عام 1976، بعد عامين من ثورة القرنفل التي أطاحت بنظام أنطونيو سالازار.
عمل كروغمان عضوا في هيئة تدريس الاقتصاد بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا من عام 1979 إلى عام 2000، وفي تلك الفترة غادر المعهد لمدة عام (1983-1984) ليشغل منصب كبير موظفي قسم الاقتصاد الدولي في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس الأميركي رونالد ريغان، ثم تفرغ بين عامي 1994 و1996 للتدريس في جامعة ستانفورد.
ومنذ عام 1979 عمل أيضا باحثا مشاركا في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية. وفي عام 2000 أصبح أستاذا للاقتصاد والشؤون الدولية في كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية بجامعة برينستون؛ وتقاعد عام 2015 بدرجة أستاذ فخري. ثم أصبح أستاذا في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك.

أفكار ونظريات
منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، بدأ كروغمان في تحليل التجارة الدولية وكشف عن نموذج جديد للمنافسة الاحتكارية في التجارة.
ثم طوّر لاحقا العمل على نظرية التجارة الجديدة وعمّمها من خلال محاضراته وكتبه ومنشوراته في الدوريات المتخصصة ووسائل الإعلام واسعة الانتشار.
وكانت مساهمات كروغمان تنبني على الوعي بأن التجارة يمكن تفسيرها بشكل متزايد من خلال التركيز الإقليمي وحجم الاقتصادات المعنية.
كما أوضح أهمية تفضيل المستهلكين للتنوع، مما يفسر بقاء السلع ذات التكلفة الأعلى، والتي لها علامة تجارية مميزة.
وأصبح هذا المجال من نظرية التجارة الجديدة أحد مجالات خبرة كروغمان وشكل الأساس لمنحه جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008.
يدعم كروغمان بشكل عام التجارة الحرة والعولمة، وتطور عمله في نظرية التجارة الجديدة ببطء إلى الجغرافيا الاقتصادية الجديدة.
أصبحت ورقته البحثية الرائدة عام 1991 عن الجغرافيا الاقتصادية الجديدة في مجلة الاقتصاد السياسي واحدة من أكثر الأعمال الاقتصادية استشهادا في هذا المجال.

انصبت أبحاث وأطروحات بول كروغمان على دمج وفرة الإنتاج في نماذج التوازن العام، لفهم محددات التجارة وموقع الإنتاج في اقتصاد ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي يشهد عولمة متزايدة.
وأوضحت نتائج أبحاثه كيف أن رغبة المستهلك في التنوع والاختيار مكّنت الدول من تحقيق الطفرات الإنتاجية اللازمة لتحقيق تجارة مربحة، وقد أدى ذلك إلى بحث لاحق حول "الجغرافيا الاقتصادية الجديدة"، التي أثبتت دور الوظائف والشركات وسبب تسارع وتيرة التحضر وانخفاض عدد السكان في المناطق الريفية.
اكتسب كروغمان شهرة واسعة بفضل أعماله في مجال الاقتصاد الكلي والسياسة المالية، ودرس بعمق التجربة اليابانية وسلّط كتابه "عودة اقتصاد الكساد" الضوء على فخ السيولة الذي وقعت فيه اليابان.
بعد الأزمة الاقتصادية عام 2008، كان كروغمان من أبرز منتقدي سياسات التقشف ووجه اللوم للاقتصادات الرائدة، وقال إنها كانت عالقة في فخ السيولة التقليدي. وكان رأيه أن الحكومات قادرة على طباعة النقود دون التسبب في ارتفاع أسعار الفائدة أو التضخم.
تنبأ نموذجه لفخ السيولة على نطاق واسع بانخفاض التضخم وتباطؤ انتعاش النمو. أصبح كروغمان اسما مألوفا على نطاق واسع، ويعود ذلك إلى قدرته على تعميم وتبسيط المشاكل الاقتصادية المعقدة وعلى نزوعه إلى الصراحة والمجاهرة بمواقفه في وجه صناع القرار من السياسيين والاقتصاديين.

مؤلفات ومقالات
كروغمان كاتب غزير الإنتاج، نشر أكثر من 20 كتابًا و200 بحث في مجلات متخصصة. من بين كتاباته مقالات دورية في مجلتي "سليت" (1996-1999) و"فورتشن" (1997-1999)، ومن عام 1999 إلى عام 2024، كان كاتب مقالات رأي في صحيفة نيويورك تايمز بمعدل مرتين في الأسبوع، ومباشرة بعد ذلك، انتظم في الكتابة بشكل يومي في موقع "سابستاك".
ومن مؤلفاته كتاب "التفكك الكبير: فقدان الطريق في القرن الجديد" (2003)، وانتقد فيه إدارة الرئيس جورج بوش الابن، كما ألف كتبا دراسية في الاقتصاد مثل "الاقتصاد الجزئي" (2004) و"الاقتصاد الكلي" (2005).
له أعمال غير أكاديمية مثل "عودة اقتصاد الكساد" (1999)، و"الجدال مع الزومبي: الاقتصاد والسياسة والكفاح من أجل مستقبل أفضل" (2020).
وأصبح كروغمان من أبرز منتقدي تفاقم التفاوت في الدخل في أميركا، مُلقيا باللوم على الأيديولوجية الجمهورية في شنّ حرب على الفقراء. ويُفصّل كتابه "ضمير الليبرالي" (2007) تفاقم التفاوت في الدخل في أواخر القرن العشرين في الولايات المتحدة.

انتقاد الجمهوريين
برز كروغمان على الساحة العامة بفضل مقالاته التي انتقد فيها بشدة إدارة الرئيس الجمهوري جورج بوش الابن، وعلى وجه الخصوص سياسته في خفض الضرائب على الأغنياء، مما أدى إلى عجز في الميزانية في فترة النمو.
كما يعتقد كروغمان أن بوش بنى حملته الانتخابية على معلومات مضللة وحقائق زائفة.
كان كروغمان من أبرز من انتقدوا الغزو الأميركي للعراق عام 2003 في عهد الرئيس بوش، وانتقد أيضا رد فعل بعض السياسيين الأميركيين عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي استهدفت مبنى برجي التجارة العالمية في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قرب العاصمة واشنطن.
في انتخابات عام 2016 كان كروغمان داعما قويا للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في مواجهة المرشح الجمهوري دونالد ترامب الذي فاز بالرئاسة.
وانتقد كروغمان بشدة سياسات ترامب الاقتصادية والخارجية في ولايته الأولى (2017-2021)، واتهمه بأنه مستعد للكذب وتقديم حقائق مضللة.
واستأنف كروغمان انتقاداته لتوجهات ترامب بعد عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، وركز مآخذه على قرار فرض الرسوم الجمركية ومدى قانونيتها وجدواها الاقتصادية.

وينشر كروغمان مقالاته بانتظام في موقع "سابستاك" واضعا تحت المجهر كل قرارت ترامب الذي عبر مرارا عن غضبه من انتقادات غروكمان إلى درجة أنه دعا في السابق إلى توقيفه عن الكتابة في نيويورك تايمز، ووصفه في أغسطس/آب 2025 بأنه "متسكع ومختل عقليا". وقد بادر كروغمان إلى اعتماد ذلك التوصيف في بطاقة حسابه على موقع "سابستاك".
ويرى كروغمان أن ما سماه الحرب التجارية التي يخوضها الرئيس ترامب من خلال فرض رسوم جمركية على أطراف خارجية ما هي إلا حرب طبقية ضد أكثر من 80% من الأميركيين، لأنها تؤثر سلبا على توزيع الدخل بين المواطنين وتساهم في نقل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء.
جوائز
في عام 2008 حصل كروغمان على جائزة نوبل في الاقتصاد تقديرا لعمله في شرح نماذج التجارة الدولية والتركيز الجغرافي للثروة من خلال دراسة اقتصاديات الحجم، وسلوك المستهلكين والنمو، إضافة إلى أبحاثه في الاقتصاد الدولي، بما في ذلك نظرية التجارة، والجغرافيا الاقتصادية، والتمويل الدولي، ومصائد السيولة، وأزمات العملات.
في عام 2004 حصل كروغمان على جائزة أمير أستورياس (الإسبانية) في فئة العلوم الاجتماعية، وذلك تقديرا لمكانته العلمية والاجتماعية وثراء أبحاثه، التي ساهمت إسهاما بارزا في إرساء أسس النظرية الجديدة للتجارة الدولية والتنمية الاقتصادية.
وقالت لجنة الجائزة إن كروغمان طبّق مناهج مبتكرة لمعالجة القضايا الاقتصادية الرئيسية التي تُؤثر بشدة على الرأي العام وإن نتائج أبحاثه تنعكس على ظروف المعيشة والرفاهية الحقيقية.
وفي عام 1991 حصل على ميدالية جون بيتس كلارك، وهي جائزة تقديرية تمنحها الجمعية الاقتصادية الأميركية كل عامين لاقتصادي لم يتجاوز الأربعين من عمره، وقدم مساهمة كبيرة في المعرفة الاقتصادية.












