• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
شعار قسم مدونات

بالأمس رثيت ابنتي

أحمد مصلحجي
5 أبريل 2018

وقت القراءة: 5 دقائق

مدونات - الغوطة

هذا هو الصباح الأخير لها، زاد مرضها في آخر شهر تقريباً حتى كاد يطيح بها، نعلم أنا وهي ومن حولها أنه اليوم الأخير لها على قيد الحياة، فتك المرض بجسدها تماماً، نخره حتى العظم، وما عاد العلاج ينفع، كبر الورم داخل جسدها وتضاعف حجمه، بدأ بخاصرتها وتغافلنا عن علاجه وقصرنا في ذلك، ثم انتشر الورم وانتشر حتى أتى عليها كلها، واليوم هو يوم الوداع الأخير.

 

البارحة رثيت ابنتي، كتبت فيها سطور، صفحات، مجلدات، لم يكف ما كتبته، استعنت بحبر الذاكرة وأقلام الذكريات، عندما تعجز الأبجديات عن وصف ما يجري، وحين تسقط الحروف أمام هكذا آلام، لا نعلم طريقة نواسي بها أنفسنا، ولكننا نقول حسبنا والله نعم والوكيل. طأطئ العز رأسه إجلالاً لها، وانحنى المجد أمامها، ركعت البطولة تحت أقدامها رأيتها شامخة تنظر للمحتل شذرا، تبصق دماء الشهداء في وجه المغتصب، يشتعل ترابها جمرا تحت أقدامهم وتتوعدهم بالفناءِ ولو طال الزمان بهم، رحلت موطن البطولة تحت إشراف أممي وتواطؤ عالمي، على مرأى ومسمع الجميع تُهدَمُ بلادٌ كاملة ويهجر أهلها.

 

لأهل الغوطة المهجرين احتراماً مضاعفاً، نسألهم أن يعذروا تقصيرنا، أحوالهم هي التي ستجعلنا نشعر بأنفسنا كائناتٍ طفيلية نستمد فرحنا من حزنهم وضحكاتنا من آلامهم، نعيش بسلامٍ مزيفٍ على أنقاض أمانيهم

بالأمس فقط غلبتني دمعتي، سال ماء المقلتين المالح على الوجنات، ألم أكبر من الوصف وأعظم من أن يشرح، خندق جديد حفر في القلب، للغوطة الشرقية سلاماً، سلاماً لتلك الأرض الطهور، سلاماً لذلك الركام، سلاما لتلك الليالي وتلك اللحظات، فقدتُ الغوطة فرثيتها وكأنما أرثي ابنتي، انتحب، أصرخ وتهدأ النفس فجأة على صوت آية قرآنية من شفاه أحد الأبطال "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"، ابتسم لشجاعته وأحزن لحزنه، يؤلمني أن يفارق تراب بلده، ذلك المكان الذي كان يوما كالرحم لكل حر، قبلة ثوار دمشق وريفها، لم يعد كمان كان، من لم تطأ قدماه ثرى الغوطة لن يعرف طعم الحب يوماً، لن يذق لذة الهدوء والسكينة ولن يستشعر العز والمجد الحقيقيين.
 
في صور التهجير الأخير، هذا يحمل متاعه أو ما تبقى منه، ذلك يحمل لباساً بالياً، لا يهم اللباس بقدر ما يهم أن يحمل معه من رائحة بلده شيئاً، أن لا يترك للمغتصب من أثره أي شيء، وفي منتصف الصورة طفلاً يحمل مصحفا، يمشي مع والده، تدمع عيناه، ما يُدري ذلك الطفل بمعنى الاشتياق للبلد والتعلق فيها وهو ذو السبعة أو الثمانية أعوام، ذلك الطفل هو الثورة وهو التغيير الذي نأمل، صورة أخرى بل صورٌ أخرى كثيرة، كلها تورث الألم والعذاب النفسي، شاب يحمل سلاحاً لم يفارقه منذ 7 سنين تدمع مقلتيه لبعده عن جبهة قتال عاش فيها أكثر من معيشته في بيته ربما، وشاب آخر في نهاية الصورة يحمل والده المريض، لم يكن مريضا من قبل، لكن استشهاد الزوجة قد قسم ظهره وأقعده.
 
لسنا من جنس البشر بعد الآن، فقدنا إنسانيتنا إلى ما لا عودة، لا تبريرات ولا حجج نستطيع تقديمها للآخرين بعد الآن، لكننا نستطيع تبرير ذلك لأنفسنا لأن الكذب على النفس أصبح مهنتنا فاحترفنا مهنة خلق الأعذار لتقاعسنا. لن يغادرني ذلك الإحساس بعد الآن أبداً، تلك اللحظة الحاسمة والفاصلة في تاريخ حياتي، سنفقد الطمأنينة والرضا أبداً ما زالت هي قابعة في جحيمها الخانق، ستضيق علينا أجسادنا وتخنقنا.

   

undefined

 

لأهلها المهجرين احتراماً مضاعفاً، نسألهم أن يعذروا تقصيرنا، أحوالهم هي التي ستجعلنا نشعر بأنفسنا كائناتٍ طفيلية نستمد فرحنا من حزنهم وضحكاتنا من آلامهم، نعيش بسلامٍ مزيفٍ على أنقاض أمانيهم، نستمد أمننا من خوفهم، تخمتنا من جوعهم، غنانا من فقرهم، وراحتنا من شقائهم، ولكننا سنعجز عن أن نستمد قبس نورٍ منهم فقد احتفظوا بشعاعهم لوحدهم وتركوا لنا الظلمة والظلام لنتوه فيها، لن نقدر على أخذِ حتى مشعلَ ضوءٍ من وجوههم الطيبة المغبرة بفعل القصف، الخطر المحدق بهم سيولد لدينا شعوراً بالندم والعجز، وستتولد من دمائهم لعنة تلطخ جباهنا إلى أبد الآبدين، سنعجز عن حتى التشبه بهم، أخذوا المجد جميعاً وتركوا لنا الخذلان والضعف.
  
اقبضوا حفنة من تراب الغوطة وذروها في أعين المتخاذلين عن نصرتها علها تعمى بصرهم كما عميت بصيرتهم عن رؤية ما حصل وما يحصل على أرضها، ذروها على رؤوسهم علها تزيد من إنسانيتهم، ارمي حفنات من ترابها في أنحاء العالم كله لكي تزداد قداسة أراضيه، وأتِ لي بحفنة أضمها لصدري، ألثم عطرها الممزوج بدماء الشهداء ودموع الثكالى والأرامل والأطفال.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

أحمد مصلحجي

حول هذه القصة

  • Syrian Democratic Forces (SDF) fighters ride atop of military vehicle as they celebrate victory in Raqqa, Syria, October 17, 2017. REUTERS/Erik De Castro

    أنقرة لباريس: طفح الكيل وقد نقصف قواتكم بسوريا

    31/3/2018
  • الدفاع المدني يحاول إسعاف الجرحى بعد الغارات على ريف إدلب

    روسيا تقصف إدلب وتمدد هدنة الغوطة لإخلائها

    31/3/2018
  • American army vehicles drive north of Manbij city, in Aleppo Governorate, Syria March 9, 2017. REUTERS/Rodi Said

    هل رفع ترمب الراية البيضاء أمام الأسد؟

    31/3/2018
  • epaselect epa06623506 Volunteers from Violet Organization carry and injured man as civilians and fighters arrive to Qalaat al-Madiq town, in Hama countryside, Southeast of rebels-held Idlib, Syria, 23 March 2018. According to reports, an evacuation deal which reportedly was brokered by Syria's ally Russia, a total of 27 government chartered busses carrying the first batch of rebel fighters and their families to Idlib, left the town of Harasta in Eastern Ghouta with 1,5

    اتفاق لإجلاء جرحى من دوما المهددة بالاجتياح

    1/4/2018

المزيد من المدونات

  • إضرابات الموانئ دعما لغزة.. كيف يتحول التضامن إلى ضغط؟كيف تتحول إضرابات الموانئ الداعمة لغزة من يوم تضامني إلى ضغط مستمر؟ دعوة لبناء جبهة نقابية دولية تربط رفض نقل السلاح بتوثيق دور الشركات ومساءلتها، وتترجم التضامن إلى خطوات عملية لكسر الحصار..
  • سباق الذكاء الاصطناعي.. قيود ترمب تسرع اندفاع الصينمن احتكار الحرير إلى حظر الرقائق، يتكرر الصراع على المعرفة. فهل تنجح قيود واشنطن في إبطاء الصين، أم تدفعها إلى التفوق؟ قراءة في مفارقة شركات تحذر من الذكاء الاصطناعي وتتسابق لتطويره..
  • ترمب ونتنياهو بعد الانتخابات.. هل تتجدد الحرب مع إيران؟أضعفت الانتخابات ترمب ونتنياهو، لكنها لم تحسم مصير الحرب مع إيران. فهل تضيق الخسائر السياسية هامش التصعيد، أم تدفع الزعيمين إلى مجازفة عسكرية جديدة؟ قراءة في حسابات الردع والتسوية وسوء التقدير..
  • حرب إيران والغلاء.. فاتورة ترمب يدفعها الجمهوريونهل أسقطت حرب إيران الجمهوريين، أم أن الغلاء حسم العقاب؟ قراءة في استطلاعات الناخبين وتداخل كلفة الحرب وأزمة المعيشة، وما إذا كانت خسارة الكونغرس تعني تراجع الترمبية أم مجرد تعثر انتخابي..

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1عقب تكليف آيزنكوت.. بن غفير يطالب بانتخابات جديدة وباراك يدعو للإطاحة بنتنياهو
  2. 2لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  3. 3جدعون ليفي: لهذا تحتاج إسرائيل إلى "عبدول السيد" خاص بها
  4. 4اليمن.. الحوثيون يعلنون سقوط قتلى بصنعاء والسعودية تعلن تضرر مبنى لأرامكو بالرياضرضا ياسين
  1. 5انقطع صوته في الصلاة على النبي.. نهاية مؤثرة لإمام تركي بملابس الإحرام
  2. 6إيران.. إصابة ناقلات نفط بهرمز والحرس الثوري يؤكد جاهزية الرد إذا تجدد القتالرضا ياسين
  3. 7أردوغان في أذربيجان.. مساع لترميم تحالف "الأمة الواحدة" واحتواء أزمة الحجاب
  4. 8لا يتراجع.. ترمب الذي نعرفه سترونه هكذا في الكونغرستيم قسطنطينرأي بقلمتيم قسطنطين

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية