في استوديو "حصاد اليوم "، يستعرض جلال شهدا طائرة النقل الأمريكية "C-17 " وقدرتها على حمل القوات والمعدات الثقيلة، بعدما ينقل عن منصات رصد الطائرات رصد رحلات شحن عسكرية متجهة إلى الشرق الأوسط. لكن ما تفتحه هذه الصورة يتجاوز سؤال الحمولة إلى سؤال الغاية: هل تنقل واشنطن أدوات حرب أوسع، أم تزيد قوة التهديد بها؟
ويوضح شهدا في استعراضه أن طائرة "C-17" تستطيع حمل ما يصل إلى 77.5 طن من المعدات والشحنات، وتتنوع خيارات حمولتها بين الدبابات والمدرعات والمروحيات العسكرية؛ إذ يمكنها نقل دبابة أبرامز الثقيلة، أو استيعاب ما يصل إلى 102 من المظليين بكامل تجهيزاتهم. ولا تقتصر ميزتها على حجم الحمولة، فهي، وفق شرحه، قادرة على الهبوط على مدارج قصيرة وغير معبدة، والتزود بالوقود أثناء الطيران لمواصلة مهام النقل والإمداد عبر القارات.
أخبار مقترحة
ويضع العقيد نضال أبو زيد، الخبير العسكري والإستراتيجي، التحركات في إطار ما يسميه "هندسة ساعة الصفر "، لكنه يربطها بشرط: "إذا ما اتخذ المطبخ السياسي القرار العسكري ". وبين الجاهزية والقرار تقع المسافة التي يختلف ضيوف "نقاش الساعة " على تفسيرها.
ففي الحلقة التي قدمها حسن جمول على الجزيرة، لا ينحصر الخلاف في احتمال التصعيد، بل يمتد إلى وظيفة الحشود وحدود الضغط على طهران. ويضيف إعلان تكليف غادي آيزنكوت بتشكيل الحكومة الإسرائيلية متغيرا سياسيا: هل يغير تبدل القيادة مسار الحرب، أم طريقة إدارتها؟
حرب قائمة.. وخلاف على خطوتها التالية
يرفض جوي هود، نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكي السابق، الانطلاق من وصف "اللاحرب واللاسلم ". فهو يعتبر أن الضربات والحصار تدخل في أعمال الحرب، ويختصر قراءته بالقول: "نحن في خضم الحرب ". وبذلك يصبح السؤال، في منطقه، عن مستوى المواجهة المقبلة، لا عن الانتقال من سلام قائم إلى حرب لم تبدأ.
أما أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت عبد الله الشايجي، فيصف الصراع بأنه استنزاف متبادل يراهن فيه كل طرف على إرهاق الآخر. ويقترح أستاذ الصراعات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات توصيف "الحرب الباردة " التي تسخن أحيانا، بما يتيح استمرارها دون حسم سريع.
وتضع هذه القراءات التعزيزات أمام أكثر من احتمال: أن تسند استمرار الضغط، أو ترفع القدرة على التصعيد. لذلك لا يكفي رصد حركة الإمداد وحدها لاستخلاص قرار الحرب؛ كما أن عرض قدرات "C-17 " لا يثبت أن الدبابات والمعدات التي ظهرت في مجسمات الاستوديو هي حمولة الرحلات المرصودة.

الحشد نفسه.. قراءتان
يقدم الخبير بشؤون الأمن الدولي والدفاع مهند سلوم قراءة ترى أن خيار الحرب المباشرة يتراجع عمليا، وإن بقي على الطاولة. ويستدل بتوسيع أدوات الحصار ومنع التسليح على الانتقال إلى "الإكراه العسكري "، أي استخدام الضغط المدعوم بالقوة لدفع الطرف المقابل إلى تغيير سلوكه، دون اللجوء إلى مواجهة أوسع.
لكن الباحث وأستاذ النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات ابراهيم فريحات يعترض، مستندا إلى التموضع الأمريكي ونقل الأصول العسكرية إلى المنطقة. ففي قراءته، تمثل هذه التحركات استعدادات حرب، وإيران تتعامل معها على هذا الأساس. الخلاف هنا ليس على وجود القوة، بل على ما إذا كانت مهمتها الأساسية جعل التهديد أكثر إقناعا، أم تهيئة شروط تنفيذه.
ويساعد التعريف الأصلي لقوة مهام "البوابة الحديدية " على ضبط هذا التمييز. فبيان القيادة المركزية الأمريكية الصادر في 7 نوفمبر/تشرين الثاني يصفها بأنها فريق داخلي من نحو 20 عسكريا ومدنيا، مقره تامبا في فلوريدا، ينسق مع وكالات حكومية أمريكية لمنع مرور الأسلحة المتطورة والتقنيات مزدوجة الاستخدام والمواد الخاضعة للعقوبات عبر حدود إيران البرية وبحر قزوين.
فالبيان لا يعلن إرسال قوة اقتحام إلى الحدود الإيرانية، ولا يشرح آليات التنفيذ الميداني. ومن ثم، فإن جمع هذا الفريق وحركة النقل العسكري تحت عنوان واحد هو "الاستعداد للهجوم " يتجاوز ما يثبته الإعلان؛ فالتنسيق لتقييد الإمداد يختلف عن نشر وحدات قتالية، وإن أمكن أن يخدما سياسة ضغط واحدة.
لماذا قد لا ينتج الضغط تنازلا؟
يفسر الأكاديمي والخبير بسياسات الشرق الأوسط محجوب الزويري الإجراءات الأمريكية بمنطق "مراكمة الضغوط ": تضييق الخيارات أمام طهران ودفعها إلى حسم موقفها بدلا من إطالة الانتظار. وفي عرضه للمأزق التفاوضي، يبرز الخلاف على ترتيب الخطوات، وما يحصل عليه كل طرف مقابل ما يقدمه.
غير أن أستاذ دراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران حسن أحمديان يعترض على الحساب الذي يفترض أن زيادة الكلفة ستقود بالضرورة إلى التراجع. ففي قراءته، ترى إيران أن كلفة الصمود، مهما ارتفعت، تبقى أدنى من كلفة ما تعتبره استسلاما للمطالب الأمريكية، ولذلك لا تتعامل مع التنازل بوصفه المخرج الأقل كلفة.
وفي تحليل آخر عن "البوابة الحديدية "، يضع الخبير العسكري العميد إلياس حنا معيارا يتصل بهذه المعضلة: العبرة بقدرة الحصار على إيصال إيران إلى مستوى من الألم يدفعها إلى تغيير موقفها، لا بمجرد إعلان حصار إضافي. وهي قراءة تنقل اختبار القوة من حجم الوسائل المستخدمة إلى أثرها في قرار الخصم.
آيزنكوت.. تغيير الهدف أم طريقة الحرب؟
دخل المتغير الإسرائيلي النقاش مع إعلان مكتب الرئيس إسحاق هرتسوغ، مساء 7 نوفمبر/تشرين الثاني، عزمه تكليف آيزنكوت بتشكيل حكومة جديدة، على أن يسلمه كتاب التكليف بعد ظهر الأحد 8 نوفمبر/تشرين الثاني. وهذا إعلان يفتح مسار تشكيل الحكومة، لا إعلان عن اكتمالها أو تسلم آيزنكوت رئاستها.
ولا يرى هود أن تغيير نتنياهو يعني تلقائيا انتقال إسرائيل إلى سياسة سلام. ويقول "ليس كما لو أن إسحاق رابين قد عاد ليقود الحكومة "، معتبرا الفرق بين نتنياهو وآيزنكوت فرقا بين اليمين المتطرف واليمين.
ويطرح الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات لقاء مكي احتمالا أكثر اتصالا بالحساب العسكري: قد يسعى آيزنكوت، بخلفيته رئيسا سابقا للأركان، إلى إظهار نفسه قادرا على إدارة الجبهات وتحقيق نتائج أفضل من نتنياهو.
أما فريحات فيرى أن وصول آيزنكوت قد يعيد الخيار العسكري خطوة إلى الوراء دون إلغائه، بحيث تصبح القوة جزءا من إستراتيجية سياسية أوسع وبالتنسيق مع أمريكا. ولا يناقض ذلك قراءته للحشود بوصفها استعدادا للحرب؛ فهو يميز بين توافر القدرة وبين الموقع الذي قد تمنحه لها قيادة سياسية مختلفة.
الوقت ليس في صالح الجميع
ولا تقتصر حسابات القرار على إسرائيل. فالباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات طارق حمود يميز بين أثرين محتملين لنتائج الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية: كبح الحرب على المدى المتوسط، وتحفيزها خلال نافذة انتقالية قصيرة، قبل استقرار الترتيبات السياسية الجديدة.
وفي المقابل، يحذر حمود من فهم المنافسة الديمقراطية مع ترمب بوصفها اصطفافا مع إيران؛ فالديمقراطيون، في قراءته، لم يفوزوا للدفاع عن طهران. وبذلك لا يصبح تغير موازين السياسة الأمريكية ضمانة تمنح طهران وقتا مفتوحا.
ويظهر اختلاف آخر بين سلوم، الذي يرى الوقت قيدا على ترامب، وهود، الذي يقدر إمكان استمرار العمليات المحدودة فترة طويلة، مع احتمال تغير الحسابات عند الذهاب إلى ضربات كبيرة.
مخرج أصغر من التسوية الشاملة
في موازاة الضغط، أفاد موقع أكسيوس ، في تقرير نشره في 6 نوفمبر/تشرين الثاني نقلا عن مصدرين مطلعين، بأن نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس انخرط شخصيا في محادثات غير مباشرة مع إيران سعيا إلى وقف جديد لإطلاق النار واستئناف التفاوض النووي. وذكر التقرير أن الوسطاء ناقشوا اجتماعا فنيا أمريكيا إيرانيا، لكنه لم يتحقق بعد، وأن مكتب فانس امتنع عن التعليق.
وهذا مسار لا يثبت قرب الاتفاق، لكنه يمنع اختزال المشهد في الاستعداد العسكري وحده. وفي "نقاش الساعة "، يدفع فريحات نحو اتفاق مرحلي يتناول فتح مضيق هرمز وتخفيف الاستنزاف، بدلا من تعليق كل تقدم على حل الملفات الأكثر تعقيدا دفعة واحدة.
ويؤيد الشايجي البدء بخطوات عملية لبناء الثقة، واضعا كلفة الانتظار على إيران ودول الخليج في صلب النقاش. فالمنطقة، في قراءته، ليست مجرد ساحة لاختبار قدرة واشنطن وطهران على التحمل، بل طرف يدفع ثمن استمرار المواجهة.
















