سلمى حراز-الجزائر
"لا تقلقي، كل شيء سيكون بخير".. بهذه العبارات تمتم أيوب وهو ينهي سريعا مكالمة هاتفية مع زوجته قبل أن يعيد الهاتف إلى جيبه ويمسك مجددا بدرعه الواقي مع المئات من زملائه حيث يرابط منذ نحو 46 يوما قرب ساحة البريد المركزي، معقل التجمعات الاحتجاجية المليونية في العاصمة الجزائرية.
أخبار مقترحة
بعد لقاء أول قبل يومين في الساحة التي شهدت احتجاجات للطلبة الجامعيين المطالبين برحيل النظام برمته، وعرفت احتكاكا بينهم وبين قوات مكافحة الشغب، استوقفت الجزيرة نت أيوب الشرطي في فرقة مكافحة الشغب، في نهاية يوم متعب وسألته "هل تؤمن حقا أن كل شيء سيكون بخير؟".
أجاب أيوب الذي فضل مناداته بالاسم الذي اختاره وزوجته لمولودهما المنتظر في أي لحظة من هذا الشهر، "زوجتي متوجسة وقلقة من عدة أمور، من المخاض، من ألا أكون بجانبها، خائفة علي وعلى مصير البلاد".
ويضيف الشاب "بالنسبة لي أنا متعب فقط ولست خائفا إلا من أن أفوّت ولادة طفلي الأول، لأن ما وقفت عليه في الميدان بعد سنوات من العمل، يؤكد أنه رغم كل شيء سنصل قريبا إلى بر الأمان.. هو فقط مخاض عسير".

أيوب الذي ينحدر من مدية سطيف (300 كلم شرق الجزائر العاصمة) لم يزر عائلته هناك منذ قرابة ثلاثة أشهر، والأمر قد يطول ما دام الحراك مستمرا، لا يحق له أخذ عطلة بسبب تجميد الحصول على عطل إلى موعد غير معلوم.
يعمل الشاب الثلاثيني مناوبات طويلة وقوفا، يكتفي بوجبات جاهزة خفيفة وغالبا ما يمضي ساعات العمل على معدة فارغة أيام الجمعة خاصة، إلا أن الطابع السلمي للمسيرات خفف من صعوبة المهمة.
يقول أيوب "شهدت الكثير من الاحتجاجات بحكم طبيعة عملي، لكن ما نعيشه حاليا تاريخي.. كيف سيكون ردك على شخص يقدم لك وردة، أو قارورة ماء؟".
"المتظاهر يساعدك حتى في التخلص من آثار الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته أنت أو زملائك تنفيذا للتعليمات.. لو كنت حرا من بذلتي الزرقاء لمشيت إلى جانبهم، لكني على ثقة أنهم هم من سيحرروننا جميعا" يضيف أيوب بحماس.
روح الفكاهة
من جهته، يؤكد سفيان، زميل أيوب القادم من وهران (432 كيلومترا غرب الجزائر العاصمة) أنه رغم التعب والحالة غير العادية التي تعيشها البلاد، فإنه يستمتع بهتافات المتظاهرين الذين كثيرا ما يحملون لافتات لا تغيب فيها روح الفكاهة الهادفة.

يقول سفيان للجزيرة نت "هم يفاجئوننا في كل مرة، عندما تحاول تفريقهم بخراطيم المياه يردون أن إضافة غسول الشعر سيجعلهم يستمتعون أكثر.. موقف يجعلك تضحك على طرافة الموقف".
سفيان المقبل على الزواج بعد شهر رمضان المقبل، والذي لا يتجاوز راتبه الشهري 37 ألف دينار جزائري (195 دولار)، يعيل والديه وثلاثة أشقاء.
لا يملك هذا الشاب سكنا مستقلا يؤسس فيه عشه الزوجي. يحلم، على حد قوله، أن يعيش في جزائر أفضل، ويتمنى أن يشارك المتظاهرين هتافاتهم "لكن ذلك صعب" حسب قوله.
يضيف ابن مدينة وهران الملقبة بـ"الباهية" (الجميلة) "اكتفيت بصرخة وان.. تو.. ثري.. فيفا لالجيري مع زملائي في نهاية إحدى المسيرات المليونية، هي صرخة خرجت من القلب".
بنوع من التوجس يضيف "أنا متخوف من أن أغامر بلقمة عيش عائلتي مثلما فعل قريبي قبل سنوات عندما خرج في مسيرة مع أكثر من 1200 شرطي لأول مرة في تاريخ البلاد، احتجاجا على أوضاعهم المهنية والاجتماعية، حيث تعرض لكثير من المضايقات وكاد يفصل من العمل".
استشارة نفسية
هذا الوضع دفع ببعض عناصر شرطة مكافحة الشغب إلى البحث عن استشارة نفسية، وهذا ما أكده أستاذ علم النفس الدكتور بلحيمر الذي استقبل في عيادته العديد من الحالات لعناصر شرطة مكافحة الشغب الباحثين عن مساعدة نفسية لتجاوز ما يصفونه بالوضع المعقد لعيشهم.

وفي حديثه للجزيرة نت قال إنهم "متعبون ويبحثون عن مخرج، فبعد قرابة شهرين من تأمين المسيرات أصبحوا يعيشون تناقضا وجدانيا وصراعا داخليا بين الواجب ورغبتهم أيضا في التغيير لأنهم أبناء هذا الشعب في الأخير".
وأوضح الدكتور بلحيمر أن سلمية المظاهرات خففت بعض الشيء من الضغط الذي تعيشه هذه العناصر، فالتعامل مع أشخاص مسالمين يقلل بالتأكيد من الاحتكاك الذي قد يجبر هؤلاء على استعمال الردع تنفيذا لتعليمات المؤسسة التي ينتمون إليها، وهنا تكمن المعضلة، برأيه.
واعتبر المتخصص النفسي أن "الوضع ولد لديهم روحا انهزامية، فلو كانت حرية التعبير مكفولة لهؤلاء لصرخوا بأعلى صوتهم أنهم يساندون الحراك ويتوقون للتغيير ويحلمون بوضع اجتماعي أفضل، لكن هذا صعب ولن يحررهم إلا نجاح الحراك ورحيل العصابة".


















