أفاد الكاتب مارتن وولف في تقرير بصحيفة فايننشال تايمز البريطانية، بأن مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي قرر عدم رفع سقف رأس مال العكسي المطلوب من البنوك فوق مستوى الصفر في الوقت الذي بلغ فيه الاقتصاد الأميركي ذروته، كما أزال الدرجات النوعية في اختبارات الضغط لقياس مدى قدرة للبنوك الأميركية على مواجهة الأزمات الاقتصادية.
بالإضافة إلى ذلك، قام مجلس مراقبة الاستقرار المالي، بقيادة وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوشين، بإزالة آخر شركة تأمين من قائمتها الخاصة بالمؤسسات التي تعتقد أنها أكبر من أن تنهار.
وأورد الكاتب أن هذه القرارات لا يمكن أن تشكل خطرا على استقرار النظام المالي، لكنها تُظهر أن التنظيم المالي أمر دوري.
فغالبا ما يكون التخفيف من صرامة هذه اللوائح في الوقت الذي يجب فيه تشديدها أو العكس.
وقد جرى تشديد الرقابة على البنوك منذ الأزمات المالية التي حدثت بين سنة 2007، حيث أصبحت كل من متطلبات رأس المال والسيولة، فضلا عن نظام اختبار الضغط، أكثر صرامة.

استدانة عالية
في الحقيقة، لا تزال البنوك مؤسسات عالية الاستدانة، في حين يتوقع الجميع أن هذه البنوك آمنة.
لكن باعتبار متوسط نسبة رأس المال الأساسي للبنوك يتراوح بين 17% و1% فذلك يعني أن قدرتها على تحمل الخسائر لا تزال محدودة، حسب الكاتب.
وكما يشير جهاد داغر المحلل بصندوق النقد الدولي، في دراسة حديثة، فإن التاريخ يوضح مدى قدرة اللوائح التنظيمية على مسايرة التقلبات الدورية للاقتصاد.
ولطالما جرى التخفيف من شدة صرامة اللوائح التنظيمية خلال فترة الازدهار، مما يعني أن إلغاء الضوابط التنظيمية غالبا ما يساهم في تحقيق الازدهار، يذكر التقرير. ومن ثم -يقول الكاتب- عندما تحدث أزمة يجري تشديدها مرة أخرى.
الجدير بالذكر أنه يمكن رؤية الكثير من الأمثلة على غرار أزمة فقاعة بحر الجنوب التي حدثت في المملكة المتحدة في أوائل القرن الثامن عشر (إحدى أهم الفقاعات المالية عبر التاريخ).
أربعة أسباب
في الواقع، تكمن أربعة أسباب وراء حدوث ذلك، وهي في الأغلب اقتصادية وأيديولوجية وسياسية وإنسانية.
ويتمثل السبب الاقتصادي في تطور النظام المالي مع مرور الوقت. وقد بات هناك ميل كبير لاستخدام اللوائح الأقل تنظيما التي تشكل في الحقيقة خطرا كبيرا، يقول الكاتب.
وحتى إذا كانت الهيئات التنظيمية تتمتع بالقوة والإرادة في مواكبة هذه المسألة، فإن الابتكار المالي الذي يصاحبها في كثير من الأحيان يجعل القيام بذلك صعبا.
فالنظام المالي العالمي معقد ولكنه قابل للتكيف، كما أن الأشخاص الذين يديرونه يتمتعون بدرجة عالية من الحماس، مما يجعل من الصعب على المنظمين اللحاق بتطور ما نسميه الآن بالظل المصرفي، بحسب التقرير.
أما بالنسبة للسبب الأيديولوجي، فيعود إلى الميل الكبير إلى رؤية هذا النظام المعقد بشكل مبسط. فكلما صارت أيديولوجيا الأسواق الحرة أكثر قوة، تراجعت سلطة ونفوذ الهيئات التنظيمية.
وبطبيعة الحال، تتغير ثقة الجمهور إزاء هذه الأيديولوجية، حيث تكون قوية في فترات الازدهار وضعيفة خلال فترة الركود.

ماذا عن السياسة؟
وبين الكاتب أن السياسة تلعب دورا مهما كذلك. فمن بين هذه الأسباب نجد أن النظام المالي لديه سيطرة على موارد ضخمة، كما أن له تأثيرا كبيرا.
وفي سنة 2018، وتحديدا خلال انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، كان قطاع التمويل والتأمين والعقارات من أكبر المساهمين، حيث غطت سُبع التكلفة الإجمالية للحملة.
يضاف إلى ذلك انتشار الفساد بشكل كبير، حيث يطلب السياسيون حصة في الثروة الناتجة عن الطفرات، لا سيما أنهم يسيطرون على الهيئات التنظيمية، يشير الكاتب.
وعندما تحاول ولاية قضائية واحدة جذب الاستثمارات عن طريق تخفيف لوائحها التنظيمية، تقرر الولايات الأخرى أن تحذو حذوها.
ويبدو مثل هذا التوجه شائعا لأن ممولي الولايات ومراكزها المالية يشتكون باستمرار من اللوائح الصارمة.
وأضاف الكاتب أن الناس يميلون إلى نبذ الأحداث التي وقعت منذ فترة طويلة، ويعتبرون أنها لا تمت للوقت الحالي بصلة، كما يتجاهلون الأمور التي تقف أمامنا مباشرة.
ومع مرور الوقت، تصبح اللوائح التنظيمية أضعف وتصبح القوى التي تواجهها أكثر قوة.
نهاية المطاف
وكلما كانت الكارثة أكبر، ارتفعت احتمالية استمرار اللوائح التنظيمية لمدة أطول، لكن الأمر المؤكد هو أنها ستنتهي في نهاية المطاف.
ويقول الكاتب إن الحقيقة المتمثلة في أن استجابة السياسيين للأزمة الأخيرة حالت دون وقوع كساد آخر، زادت من فرص تكرار هذا الأمر بشكل مبكر، كما أن استمرار إثقال كاهل القطاع الخاص بالديون يجعل هذه النتيجة أكثر ترجيحا.
وخلص الكاتب إلى أنه ينبغي علينا رؤية قدوم إدارة دونالد ترامب كجزء من هذه الدورة، ومن المحتمل أن تكون بعض أجزاء هذه اللوائح غير ضرورية، لكن التأثير التراكمي لهذه اللوائح شديد الوضوح.
ويضيف أنه من المؤكد أن هذا سيقود إلى تآكل هذه اللوائح التنظيمية كما حدث سابقا، فهذه المرة ليست استثناء.
















