"السبب الذي خسرنا من أجله هو حرب إيران"، بهذه الكلمات اختار جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي تفسير الهزيمة التي تعرض لها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي، محملا أحد أهم القرارات السياسية للرئيس دونالد ترمب مسؤولية فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس، في موقف غير مألوف من الرجل الثاني في الإدارة الأمريكية.
ولم يكن فانس وحده، فقد وصف حاكم فلوريدا الجمهوري رون ديسانتيس نتائج الانتخابات بأنها أشبه بـ"ضربة نيزك"، فيما دعا السيناتور الجمهوري جون كيرتس حزبه إلى مراجعة السياسات التي تبناها خلال السنوات الماضية، وأعلن رئيس مجلس النواب مايك جونسون تخليه عن قيادة الجمهوريين بعد الهزيمة.
أخبار مقترحة
وتأتي هذه التطورات بعد خسائر انتخابية واسعة، شملت ولايات اعتاد الجمهوريون الفوز فيها، مثل تكساس وأوهايو وساوث كارولينا، فضلا عن هزيمة مرشحين اختارهم ترمب ودعمهم شخصيا، ومن أبرزهم كين باكستون في تكساس وفيفيك راماسوامي في أوهايو.
فانس يحمّل ترمب مسؤولية الهزيمة
في منشور مطول على منصة إكس، قدم فانس تفسيرا مختلفا للنتائج الانتخابية عن الرواية التي سعى ترمب إلى ترسيخها، ومفادها أن المشكلة تكمن في ضعف المرشحين الجمهوريين وغياب اسمه شخصيا عن بطاقات الاقتراع.
وقال فانس إن الناخبين الذين صوّتوا لبطاقة ترمب وفانس في انتخابات 2024 لم يتخلفوا بالضرورة عن التصويت، وإنما تحول كثير منهم إلى تأييد الديمقراطيين، بعدما أصيبوا بالغضب من السياسات التي انتهجتها الإدارة.
ثم خلص إلى أن السبب الأساسي للهزيمة هو الحرب على إيران، مضيفا: "إذا كنتم تريدون القول إن الحرب كانت تستحق خسارة مجلس الشيوخ للسنوات الست المقبلة، فعليكم تقديم هذه الحجة بصراحة". كما أشار فانس إلى مسألة العلاقة مع إسرائيل التي تحولت إلى ملف انتخابي حاسم في تقييم مدى نزاهة المرشحين والتزامهم تجاه مصالح ناخبيهم.
وتكمن أهمية التصريحات في أنها لا تحمل مجرد انتقاد للأداء الانتخابي، وإنما تشير إلى انقسام بشأن أحد القرارات الإستراتيجية الكبرى التي اتخذها ترمب. وقد نقلت وكالة رويترز عن مستشار في البيت الأبيض أن بعض المسؤولين اعتبروا المنشور انفصالا سياسيا في ملف السياسة الخارجية، وأن تصريحات فانس يمكن قراءتها باعتبارها بداية لتحركاته السياسية المرتبطة بعام 2028، مع الإشارة إلى أن عددا من كبار مسؤولي البيت الأبيض فوجئوا بالمنشور.
لكن فانس حرص في الوقت نفسه على تقليل حدة الخلاف مع الرئيس، مشيرا إلى أن ترمب نفسه اعترف بالتكلفة الانتخابية للحرب. ويكشف ذلك عن محاولة للجمع بين انتقاد القرار والمحافظة على العلاقة الشخصية والسياسية مع الرئيس الأمريكي.
ديسانتيس وكيرتس.. انتقادات من اتجاهات مختلفة
وفي فلوريدا، استخدم الحاكم الجمهوري رون ديسانتيس لغة أكثر حدة في وصف نتائج الانتخابات، معتبرا أن الحديث عن "موجة ديمقراطية" لا يكفي لتفسير حجم الخسارة.
وقال ديسانتيس إن ما شهدته الولايات المتحدة يعادل سياسيا "ضربة نيزك"، واصفا النتائج بأنها تقترب من "حدث انقراض" للجمهوريين في مناطق واسعة من البلاد، ومضيفا أن تداعياتها قد تستمر سنوات طويلة.
وحذّر من أن الحزب أصبح في وضع وطني بالغ الصعوبة، مشيرا إلى أن خسارة تكساس بوصفها إحدى القواعد الانتخابية الكبرى للجمهوريين تحمل تداعيات تتجاوز الدورة الانتخابية الحالية.
كما أن ديسانتيس، الذي سبق أن نافس ترمب على ترشيح الحزب للرئاسة عام 2024، اختار التركيز على نجاح الجمهوريين في الحفاظ على مواقعهم في فلوريدا، معتبرا أن ذلك يعكس سجل إدارته للولاية وثقة الناخبين فيها. وقال إن نتائج الانتخابات لا تعبر بالضرورة عن تأييد شعبي لبرنامج الديمقراطيين بقدر ما تعكس رفضا لأداء الجمهوريين في واشنطن.
أما السيناتور الجمهوري جون كيرتس، ممثل ولاية يوتا، فقد ذهب إلى ما هو أبعد من انتقاد الأداء الانتخابي، مطالبا الحزب بالعودة إلى المبادئ المحافظة التي قال إنه تخلى عنها تدريجيا خلال العقد الماضي.
وفي مقال نشره بعد الانتخابات، اعتبر كيرتس أن الحزب استبدل بمبادئ التجارة الحرة والانضباط المالي والقيادة الأمريكية الدولية، سياسات شعبوية انتهت إلى نتائج معاكسة لوعودها. وأشار إلى الحرب على إيران التي أربكت أسواق الطاقة، وارتفاع الدَّين العام إلى أكثر من 40 تريليون دولار، وتوالي فضائح الفساد، وابتعاد الإدارة عن سياسات الاستقرار الاقتصادي.
فبينما انتقد فانس ترمب لأنه ابتعد عن مبادئ "أمريكا أولا" المناهضة للتدخل الخارجي، انتقده كيرتس لأنه ابتعد عن المبادئ التقليدية للحزب الجمهوري، بما فيها التجارة الحرة والدور القيادي الأمريكي في العالم.
ومع ذلك، فإن الانتقادات لا تعني دائما معارضة متسقة لسياسات الإدارة، إذ إن كيرتس نفسه سبق أن صوّت ضد إجراءات تشريعية سعت إلى إنهاء التدخل العسكري في إيران، كما أيد تشريعات مالية أسهمت في توسيع سقف الدَّين العام.
التمرد بدأ قبل الانتخابات
ورغم الاهتمام الواسع بتصريحات فانس وديسانتيس عقب الهزيمة، فإن محاولات الابتعاد عن ترمب لم تبدأ ليلة الانتخابات.
فقد حاول أغلب مرشحي الكونغرس من الجمهوريين إظهار مسافة سياسية بينهم وبين الرئيس، ولم ترد أي إشارة في حملاتهم إلى تأييد الرئيس ترمب لهم، ووصل الأمر ببعضهم إلى تجنب مشاركة الرئيس الأمريكي في فعالياتهم الانتخابية. وتمحورت الخلافات بين كثير من المرشحين والإدارة الجمهورية حول الحرب على إيران.

ترمب يرفض تحمل المسؤولية
في المقابل، اختار ترمب تقديم تفسير يقلل من مسؤوليته الشخصية عن الهزيمة. وقال لشبكة فوكس نيوز إنه لا يعتبر النتائج هزيمة له، لأنه لم يكن مرشحا في الانتخابات، معتبرا أن الناخبين لم يعجبهم المرشحون الذين اختارهم الحزب.
وتتعارض هذه الرواية مع الدور الذي لعبه الرئيس نفسه في اختيار المرشحين ودعمهم، فقد تدخل في الانتخابات التمهيدية لصالح كين باكستون ضد السيناتور الجمهوري جون كورنين في تكساس، كما دعم فيفيك راماسوامي في أوهايو ومايكل واتلي في نورث كارولينا، قبل أن يخسر الثلاثة الانتخابات.
وتكشف بيانات التصويت أيضا صعوبة الفصل بين شعبية ترمب وأداء مرشحي حزبه. فقد أظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس قبل الانتخابات أن نسبة تأييده هبطت إلى 32%، وأن نصف الناخبين المستقلين المسجلين تقريبا كانوا ينظرون إلى تصويتهم في انتخابات الكونغرس باعتباره تصويتا ضد الرئيس.
ورغم ذلك، لم يبد ترمب استعدادا واضحا لتغيير سياساته. وعندما سئل عن انتقادات فانس للحرب، قال إنه يتفهمها، لكنه أكد أنه لو عاد به الزمن لاتخذ قرار مهاجمة إيران مجددا. ونقلت رويترز عن مسؤول كبير في البيت الأبيض أن استطلاعات داخلية حذرت الإدارة، قبل الانتخابات بـ6 أسابيع، من احتمال خسارة مجلسي الكونغرس، لكن ترمب رفض تغيير موقفه من الحرب رغم التحذيرات.
وقد بدأت أصوات جمهورية تطالب بإجراء تغييرات داخل البيت الأبيض ومراجعة السياسات الاقتصادية والخارجية. وقال المستشار الجمهوري جون فيهيري إن النتائج تمثل "كارثة كبيرة" لترمب، داعيا إلى تغييرات واسعة في فريق الإدارة.

التصدع يصل إلى قيادة الجمهوريين
لم تقتصر تداعيات الهزيمة على انتقاد الرئيس، وإنما وصلت إلى قيادة الحزب في الكونغرس، فقد أعلن رئيس مجلس النواب مايك جونسون، أحد أبرز حلفاء ترمب خلال العامين الماضيين، أنه لن يسعى إلى تولي قيادة الأقلية الجمهورية في المجلس الجديد. وجاء القرار بعدما فشل جونسون في الحفاظ على الأغلبية، رغم دفاعه المستمر عن سياسات الإدارة ومشاركته في الحملات الانتخابية.
وبدأ بالفعل التنافس على خلافته بين ستيف سكاليز، زعيم الأغلبية الجمهورية، وجيم جوردان، أحد أبرز وجوه الجناح اليميني المقرب من ترمب.
وامتد الخلاف إلى الأوساط الإعلامية المحافظة المؤثرة على جمهور حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" (ماغا)، فقد حمّل المعلق اليميني مات والش ترمب مسؤولية الهزيمة مباشرة، معتبرا أن الحرب على إيران وارتفاع أسعار الوقود والغذاء والتخلي عن شعار "أمريكا أولا" أدت إلى خسارة الناخبين.
في المقابل، اتهم معلقون محافظون آخرون قيادات الكونغرس بالفشل في تنفيذ برنامج ترمب، بينما تبادل مؤيدون ومعارضون للحرب الاتهامات بشأن مسؤولية كل طرف عن إضعاف الحزب.



















