دخلت ليبيا على ما يبدو مرحلة جديدة من الصراع الدولي بين روسيا والغرب، خاصة بعد وصول سفن حربية روسية إلى المياه الإقليمية الليبية، وسط توقعات بسعي موسكو إلى إقامة قاعدة عسكرية في ليبيا، فضلا عن إنزال إيطاليا وحدات عسكرية في العاصمة طرابلس بدعوى حماية سفارتها، إضافة إلى وجود على الأرض لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، وفق بعض المصادر.
ولم تخف روما امتعاضها من تقارير إعلامية ليبية عن توقيع اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر اتفاقا مع موسكو بشأن تنفيذ اتفاقية صفقة سلاح كان ﻧﻈﺎﻡ العقيد الراحل ﻣﻌﻤﺮ ﺍﻟﻘذﺍفي ﺃﺑﺮﻣﻬﺎ مع موسكو في 2008، مقابل السماح للسفن التابعة لسلاح البحرية الروسية باستخدام ميناء بنغازي (ألف كيلومتر شرق طرابلس).
وفي تعليقه على التحرك الروسي، قال وزير الخارجية الإيطالي إنجيلينو ألفانو إن "الاتفاقيات المحتملة بين حفتر وروسيا، والتقدم الروسي في الساحة الليبية بعد سوريا، يدفعان إلى مزيد من العمل ليكون لنا دور قيادي في المشهد الليبي، حتى من خلال الحوار مع حفتر".
وبالتزامن مع وجود حاملة الطائرات الروسية في المياه الإقليمية الليبية الشرقية، انتقدت "الحكومة المؤقتة" بمدينة البيضاء (شرق) الموالية لحفتر تواجد بارجتين حربيتين إيطاليتين قرب السواحل الليبية الغربية.
وتحدثت "الحكومة المؤقتة" أيضا الخميس الماضي عن "نزول وحدات من القوات الإيطالية في طرابلس"، فضلا عن "معلومات تفيد بوجود أكثر من ألف جندي أميركي دخلوا (ليبيا) خلسة، ومتمركزين في إحدى ضواحي العاصمة".
كما توجد، وفق وسائل إعلام ليبية، وحدات عسكرية إيطالية في محافظة الجفرة (وسط)، التي سبق أن قصف طيران حفتر -مرارا- قاعدتها الجوية الخاضعة لسيطرة "كتائب مصراتة".

نشاط غربي
ونقلا عن مصدر عسكري ليبي، ذكرت تقارير إعلامية أن بريطانيا -رغم حظر تصدير السلاح إلى ليبيا من الأمم المتحدة- تعيد بناء منظومة دفاع جوي متكاملة في مصراتة لحساب "كتائب مصراتة"، إضافة إلى تدريب طيارين وفنيين، وتوريد طائرات حربية ومنظومة صواريخ دفاع جوي وردارات، وذلك على المدى الطويل.
أما الولايات المتحدة الأميركية، فقد شاركت قواتها الجوية بشكل مباشر في عملية تحرير سرت من تنظيم الدولة، إضافة إلى تواجد قوات خاصة أميركية وبريطانية في المنطقة الفاصلة بين مصراتة وسرت، وظهر ذلك جليا خلال اشتباكات مع عناصر تنظيم الدولة في مايو/أيار 2016، خلال عملية "البنيان المرصوص"، التابعة لحكومة الوفاق.
وإذا كانت واشنطن ولندن وروما تنسق عملياتها بشكل أكبر مع حكومة الوفاق الوطني و"كتائب مصراتة" على الأرض، فإن قوات فرنسية خاصة شاركت في عمليات عسكرية لحفتر في بنغازي، وهو ما تأكد بعد سقوط مروحية فرنسية غرب طرابلس خلال مواجهات مع سرايا الدفاع عن بنغازي، وتتواتر الأخبار أيضا عن تواجد قوات خاصة فرنسية جنوب غربي ليبيا.
وعلى متن حاملة الطائرات الروسية الأميرال كوزنيتسوف، بينما كانت راسية في ميناء طبرق، الأسبوع الماضي، اجتمع حفتر مع رئيس أركان الجيش الروسي فاليري غيراسيموف، وأجرى مباحثات مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو عبر دائرة تلفزيونية، وذلك وسط دعوات من حفتر لموسكو كي تزوده بالسلاح.

روسيا وحفتر
وبحسب الدكتور جواد الحمد الخبير الإستراتيجي الأردني، ومدير مركز دراسات الشرق الوسط بالأردن، فإن "روسيا لن تلتزم بالحظر الدولي المفروض على توريد السلاح إلى أطراف الصراع في ليبيا، ولم يستبعد في حديث لوكالة الأناضول أن "تقوم موسكو بتفعيل اتفاقية وقعتها مع نظام القذافي في 2008، وكان مقررا أن تدخل حيز التنفيذ في 2010.
ومن بين بنودها السماح بإقامة قاعدة بحرية (روسية) في بنغازي (جنوب البحر الأبيض المتوسط) على غرار قاعدة طرطوس (الروسية) في سوريا (شرق البحر الأبيض المتوسط)".
ووفق مصادر دبلوماسية عربية، فإن الصفقة التي يسعى حفتر إلى تفعيلها لصالحه تبلغ قيمتها 1.8 مليار دولار، وتشمل شراء نحو عشرين طائرة مقاتلة، ومنظومات دفاع جوي من نوع "إس 300"ودبابات من طراز "تي 90″، إضافة إلى تحديث وتطوير 140 دبابة من نوع "تي 72".
ويعني تواجد قواعد بحرية أو جوية روسية -كما يتردد- شرقي ليبيا أن "الساحة الخلفية الأوروبية تحت التهديد"، بحسب الخبير الإستراتيجي الأردني، الذي أضاف أن "أوروبا قلقة من أي تحرك روسي شرقي ليبيا، فهذه مسألة جوهرية بالنسبة لها، خاصة أن لها علاقات اقتصادية وتجارية مع ليبيا".
وفي قطاع النفط والغاز الليبي، تسيطر شركة "إيني" الإيطالية على معظم الاستثمارات، وتملك حقول نفط وغاز، منها "أبو الطفل" (50% حصة إيني)، وحقل "البوري" (50%)، وحقل "الفيل" (33.3%)، وحقل "الوفاء" (50%).
وتخشى إيطاليا أن يؤثر التواجد الروسي في ليبيا على نفوذها الاقتصادي في مستعمرتها السابقة، خاصة أن روسيا خسرت استثمارات بقيمة عشرة مليارات دولار قبل سقوط القذافي في 2011.
ويرى الخبير الإستراتيجي الأردني أن إقامة قاعدة بحرية روسية في ليبيا "تتيح للجيش الروسي التواجد على مسافة أقرب من أوروبا والقواعد الأميركية في جزيرة صقلية الإيطالية، وهذا غير مقبول إستراتيجيا بالنسبة لواشنطن".
ويقول الحمد إن "الصمت الأميركي الراهن تجاه التمدد الروسي في ليبيا ربما يهدف إلى توريط الدب الروسي أكثر في مستنقع النزاعات الدولية بالشرق الأوسط، وربما يعبر عن رضا غربي عن هذا الدور الروسي في محاربة الإرهاب".
















