عبد الباسط الساروت.. "بلبل" الثورة السورية

عبد الباسط الساروت ثائر ومقاتل سوري، ولد عام 1992، كان لاعبا لكرة القدم في منتخب سوريا للشباب، انضم إلى الثورة السورية منذ بدايتها، وعرف بتصدره المظاهرات وهتافاته وأهازيجه وأناشيده، أسس كتيبة "شهداء البياضة" وقاتل ضد النظام السوري، شهد حصار حمص، وأصيب مرات عدة، هجّر إلى الشمال وبقي على الجبهات إلى أن أصيب وقتل يوم 8 يونيو/حزيران 2019.

المولد والنشأة

ولد عبد الباسط ممدوح الساروت يوم الأول من يناير/كانون الثاني 1992 في حي البياضة بمدينة حمص السورية لأسرة بدوية فقيرة، والده ممدوح الساروت ينتمي إلى عشيرة النعيم العربية، أما والدته المعروفة باسم "أم وليد العاتقي" فهي ابنة عائلة نزحت من الجولان، له 9 إخوة، 6 ذكور و3 إناث.

نشأ الساروت في حي البياضة، ودرس المرحلة الابتدائية بمدرسة الشهيد عبد الرحمن شتور، ثم أكمل دراسته حتى الصف التاسع، وترك المدرسة بعدها وبدأ العمل مع والده في مجال الحدادة.

قتل أخوه الوليد في نوفمبر/تشرين الثاني 2011، ثم توفي والده في أكتوبر/تشرين الأول 2012، ثم قتل أخوه محمد عام 2013، وأخواه أحمد وعبد الله عام 2014.

كما فقد الساروت عمه و4 من أخواله وعددا من أبناء خالته وأقربائه خلال الثورة السورية.

عُرف بحبه للأهازيج والهتافات والأناشيد الثورية، ولقب بـ"منشد الثورة"، و"بلبل الثورة"، و"جيفارا الثورة"، و"أيقونة الثورة"، و"حارس الثورة"، و"وجه الثورة الأسمر".

وفاة عبد الباسط الساروت "حارس الثورة السورية".. مواقع التواصل الاجتماعي
عبد الباسط الساروت كان حارس مرمى منتخب سوريا للشباب (مواقع التواصل الاجتماعي)

التجربة الرياضية

بدأ الساروت مسيرته الرياضية بعد أن ترك الدراسة والتحق بنادي الكرامة السوري لكرة القدم، حيث لعب حارسا لمرمى فئة الناشئين.

وبسبب قدراته وبراعته في اللعب أصبح حارس فريق الشباب، وبعد مدة اختير ليكون حارسا لمنتخب سوريا للشباب.

حصل الساروت على عدد من الجوائز حين كان حارسا، أهمها جائزة أفضل ثاني حارس مرمى في قارة آسيا.

الثورة

حين بدأت الثورة السورية في مارس/آذار 2011 كان الساروت يبلغ من العمر 19 عاما، فالتحق بركبها منذ أيامها الأولى وترك كرة القدم، وخرج في المظاهرات والاعتصامات بمدينته حمص.

قاد المظاهرات في حيي البياضة والخالدية، وظهر محمولا على الأكتاف يردد الأهازيج والأناشيد والهتافات محفزا المتظاهرين، فأطلق عليه لقب "منشد الثورة"، وحفز وجوده الجماهير.

ولجرأته وشجاعته كشف عن وجهه مبكرا في الأشهر الأولى للثورة، في حين كان كثير من المتظاهرين يتجنبون الكشف عن وجوههم خوفا من الملاحقات الأمنية.

لاحقته الأجهزة الأمنية السورية وحاولت كسر شعبيته وتفريق الجموع من حوله ببث شائعة تناولتها وسائل الإعلام الموالية للنظام مفادها أن الساروت "إرهابي سلفي" على حد وصفها، وهي التهمة التي نفاها في تسجيل مصور، وأكد فيه رفضه الطائفية.

عرض عليه النظام السوري تسوية أمنية بأن يأتي إلى دمشق ويزور القصر الجمهوري ثم يخرج على قناة موالية للنظام يؤيد دعمه له ومقابل ذلك يعود إلى مكانته الأولى لاعبا في صفوف المنتخب السوري لكن الساروت رفض.

ونتيجة لذلك أصبح على قائمة المطلوبين من قبل النظام واتهم بالإرهاب، واقتحم الجيش السوري حي البياضة بحثا عنه في أواخر عام 2011، لكنه استطاع الهرب مع عائلته، وقُتل أخوه الوليد وعدد من أبناء خالته وأصدقائه، كما دمر الجيش بيت العائلة.

رصد النظام مكافأة مادية لمن يقتل أو يعتقل الساروت، لكنه استمر في قيادة المظاهرات والاعتصامات والهتافات والأناشيد التي كان يغنيها بين الجموع الكبيرة، ومن أكثر أناشيده التي عرفت "جنة يا وطنا"، و"حانن للحرية.. حانن يا شعب ببيته مش آمن"، و"يا يما بثوب جديد زفيني جيتك شهيد"، و"لأجل عيونك يا حمص بنقدم الأرواح"، وغيرها.

حمل السلاح

مع بداية عام 2012 تحولت الثورة إلى العسكرة نتيجة القتل والاستهداف والمذابح التي ارتكبت، وفقد النظام السيطرة على أحياء من حمص، وفي ذلك الحين أسس الساروت كتيبة مقاتلة للدفاع عن حيه سميت "كتيبة شهداء البياضة" وكان قائدها، وضمت عددا من إخوته وأقربائه وأبناء حيه.

حاول الجيش السوري إعادة السيطرة على الأحياء عبر سياسة الأرض المحروقة، فاستخدم القصف والاقتحام وارتكاب المذابح حتى تمكن من فرض سيطرته على عدد منها تباعا وحاصر أخرى، وسقطت البياضة بيده في مايو/أيار 2012.

وفاة حارس الثورة السورية وبلبلها عبد الباسط الساروت
عبد الباسط الساروت معتليا الأكتاف في إحدى المظاهرات (الجزيرة)

بدأ الجيش السوري حصار الأحياء التي لم يتمكن من السيطرة عليها، فحاصر الخالدية وأحياء حمص القديمة في يونيو/حزيران 2012، مع استمرار قصف الأحياء المحاصرة والاشتباكات على حدود المناطق المحاصرة، وبقي الساروت حينها مرابطا على جبهة الشارع الذي يفصل بين البياضة والخالدية والمعروف باسم "شارع القاهرة".

حاول الساروت الخروج مع عدد من رفاقه عن طريق قنوات الصرف الصحي إلى ريف حمص الشمالي للحصول على مساعدة، سواء كانت مساعدة عسكرية لفك الحصار أو تأمين غذاء وذخيرة، وفق ما روى الناشط خالد أبو صلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك.

وعلى إثر ذلك قرر مع رفاقه كسر الحصار بأي طريقة أو العودة إلى المدينة ومقاومته، فخاضوا معركة مع النظام في محاولة لكسر الحصار، وكانت نتيجتها مقتل عدد من المقاتلين -بينهم أحد إخوته- وإصابة الساروت في قدمه، وقد قال حينها "ذبحوني، لكن افتحوا الطريق للناس".

بعد أن تعافى استطاع مع رفاقه في ربيع عام 2013 كسر الطوق والدخول إلى المناطق المحاصرة، وبدأ الحديث أواخر هذا العام عن مفاوضات تقضي بخروج المقاتلين وتسليم المدينة إلى النظام السوري بسبب اشتداد الحصار وحاجة الناس.

رفض الساروت هذه المفاوضات، وخاض مع كتيبته معركة سميت معركة المطاحن في يناير/كانون الثاني 2014، وحاول هو ورفاقه حفر نفق باتجاه منطقة المطاحن لكسر الحصار ونقل أكياس الطحين إلى المناطق المحاصرة، واستمر حفر النفق لمدة شهرين.

وحين تسلل المقاتلون من النفق ووصل نحو 100 منهم إلى المكان اكتشف جنود النظام ما حدث، فقصفوا فتحة النفق بقذائف الدبابات، وجرت معركة بين الطرفين قتل فيها نحو 60 مقاتلا، كان منهم اثنان من إخوة الساروت ومعظم مقاتلي كتيبته.

التهجير

بعد نحو 700 يوم على حصار المدينة وبعد مفاوضات استمرت أشهرا عدة هجّر سكان حمص في أول عملية تهجير قسرية تشهدها محافظة سورية خلال الثورة بواسطة الحافلات الخضراء، وذلك في مايو/أيار 2014، وأُبعد المقاتلون إلى ريف حمص الشمالي وكان منهم الساروت.

بعد أشهر عدة من التهجير نقلت وسائل إعلام أن الساروت بايع تنظيم الدولة الإسلامية يوم 26 ديسمبر/كانون الأول 2014، لكنه نفى ذلك في مقابلات مصورة عدة، وأوضح أن الأمر كان نية المشاركة، لكنه عندما اكتشف أخطاء منهج التنظيم تراجع.

هاجمت "جبهة النصرة" عبد الباسط وكتيبته بتهمة مبايعة تنظيم الدولة، وحاصرت مقرات الساروت وكتيبته وتمكنت من السيطرة عليها وطردتهم منها في 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، وبقيت تلاحقهم في محاولة لاعتقالهم، فخرج الساروت إلى شمال سوريا ثم إلى تركيا.

العيش في تركيا

بقي الساروت في تركيا نحو سنة ونصف السنة بسبب تهديدات باعتقاله من قبل فصائل مسلحة عدة.

تنقل بين غازي عنتاب وإسطنبول، وعمل في إحدى الورش الصناعية بتركيا، وشارك في المظاهرات التي أقيمت هناك.

العودة إلى سوريا

عاد الساروت إلى سوريا فاعتقلته "هيئة تحرير الشام" في نهاية مايو/أيار 2017، وبقي معتقلا نحو 37 يوما.

بعد خروجه من المعتقل قرر مع رفاقه الخروج إلى ريف حماة الشمالي وإقامة مقرات على الجبهات لمقاتلة الجيش السوري، إذ كانت تلك المناطق هي الأقرب إلى محافظة حمص.

انضم في أواخر عام 2017 مع كتيبته إلى جيش العزة أحد الفصائل العاملة في ريف حماة الشمالي، وهو تابع للجيش السوري الحر الذي شكلته فصائل الثورة في بداياتها.

إصابته

خلال المعارك التي دارت في ريف حماة الشمالي والغربي أصيب الساروت نتيجة قذيفة استهدفت سيارته أدت إلى إصابته بجراح في البطن والساق والذارع، فنقل إلى نقطة طبية في خان شيخون للعلاج.

حاول المسعفون نقله إلى مدينة إدلب، لكنه تعرض لنزيف حاد فتوقفوا في معرة النعمان لنقل الدم إليه، ثم نقل إلى إدلب.

فضل رفاقه نقله إلى مستشفى يمتلك إمكانيات أكبر في الدانا، ثم نقلوه إلى تركيا يوم الجمعة 7 يونيو/حزيران 2019، فنقل إلى الريحانية ثم أنطاكيا، لكن وضعه عاد إلى التدهور.

الوفاة

صباح يوم السبت 8 يونيو/حزيران 2019 توفي عبد الباسط متأثرا بجراحه التي أصيب بها في المعركة، ونقل جثمانه إلى سوريا ودفن بمدينة الدانا في إدلب بجنازة شيعها عشرات الآلاف، وأقيمت صلوات الغائب عليه ومجالس العزاء في عدد من المدن والدول.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية