بيروت – أعادت مطالبة وزير الطاقة والمياه اللبناني جو الصدي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، في الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني، بإيجاد آلية لتسديد فواتير الكهرباء المستحقة على المخيمات الفلسطينية، ملف الديون المتراكمة إلى الواجهة، وسط تحذيرات من احتمال قطع التيار إذا لم تُدفَع المستحقات.
ولا يقتصر الخلاف على تحصيل الفواتير، بل يمتد إلى تحديد الجهة المسؤولة عن تسديدها، وتنظيم احتساب الاستهلاك وجبايته، في ظل غياب آلية منتظمة للفوترة ومحدودية التغذية الكهربائية، فضلا عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها اللاجئون.
أخبار مقترحة
ديون بلا تسوية
وتتراوح قيمة مستحقات الكهرباء المتراكمة على المخيمات الفلسطينية بين 60 و70 مليون دولار، وفق تقديرات مصدر فلسطيني تحدث للجزيرة نت. ولم تصدر مؤسسة كهرباء لبنان حتى الآن بيانات رسمية تحدد القيمة النهائية لهذه المستحقات، أو تفصّل توزيعها بين المخيمات وفترات الاستهلاك.
ولا تقر الأونروا بمسؤوليتها عن تسديد فواتير الكهرباء الناتجة عن الاستهلاك الفردي خارج منشآتها، ففي تقريرها المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2024، اعترضت الوكالة على مطالبة السلطات اللبنانية لها بدفع مبالغ عن الكهرباء التي يستهلكها اللاجئون خارج مرافقها.
وسبق أن بحثت الجهات المعنية سبل معالجة الملف، ففي يوليو/تموز 2023، عقدت لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني اجتماعا بمشاركة ممثلين عن الأونروا ووزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان ووزارة الداخلية، واتفق المجتمعون على إعداد دفاتر شروط للتعاقد مع شركة تتولى جباية رسوم استهلاك الكهرباء في المخيمات الفلسطينية الاثني عشر، على أن تنجز الخطوة قبل نهاية أغسطس/آب من العام نفسه.
وأعلنت الأونروا آنذاك عدم قدرتها على تحمل أعباء مالية إضافية، مع استعدادها لتسهيل التنسيق الإداري لتنظيم الجباية، مؤكدة أن اللاجئين مستعدون لدفع قيمة استهلاكهم الفردي متى توافرت آلية واضحة ومنصفة، لكن تلك التفاهمات لم تتحول إلى نظام قابل للتنفيذ، فعاد الملف إلى دائرة المطالبات من دون تسوية.

مقترح مؤجل
ويقول المسؤول السابق عن اللجان الشعبية الفلسطينية في لبنان عبد المنعم عوض، إن مشاورات عام 2023 أفضت إلى مقترح لبناني لجباية 40 دولارا شهريا عن كل منزل و80 دولارا عن كل دكان، مع تركيب عدادات للمرافق ذات الاستهلاك المرتفع.
لكن اللجان الشعبية اعترضت على هذه التعرفة، معتبرة أنها لا تتناسب مع ساعات التغذية المحدودة، التي لم تكن تتجاوز أربع ساعات يوميا، وقدمت بدلا منها دراسة تقترح تحصيل خمسة دولارات شهريا عن كل منزل وعشرة دولارات عن كل دكان، على أن يحدد الاستهلاك الفعلي للمرافق الكبيرة من خلال العدادات.
ويضيف عوض، للجزيرة نت، أن المقترح الفلسطيني حظي بالموافقة خلال النقاشات، لكن تنفيذه أُرجئ ثم تعثر مع التغييرات التي طرأت على المسؤولين في لجنة الحوار واللجان الشعبية.
وعن الجهة التي كانت تتولى تسديد الفواتير، يوضح عوض أن الأونروا ومنظمة التحرير الفلسطينية لم تكونا تدفعان المستحقات بصورة منتظمة، وإن تدخلتا أحيانا لتغطية بعض المبالغ في ظروف استثنائية أو عند وقوع أضرار كبيرة، وهو ما أبقى الاستهلاك مستمرا من دون جهة تتولى بصورة دائمة تسوية الحسابات.

بين الجباية والحقوق
في المقابل، يقول أمين سر لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عدنان الرفاعي إن الجهات الفلسطينية لم تتلقَّ -حتى إجراء المقابلة- تبليغا رسميا بشأن آلية التسديد أو الإجراءات التي قد تتخذ بحق المخيمات، وإن المعلومات المتداولة عن حجم الديون واحتمال قطع الكهرباء وصلت إلى الأهالي عبر وسائل الإعلام.
ويضيف، للجزيرة نت، أن التغذية الكهربائية المحدودة، التي لا تتجاوز ساعتين يوميا في كثير من المخيمات، تجعل المطالبة بمبالغ إضافية موضع اعتراض، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية. ويشير إلى أن نحو 72% من الفلسطينيين لا يعملون، وفق تقديره للواقع المعيشي داخل المخيمات.
ويحذر الرفاعي من أن قطع الكهرباء سيضاعف الأعباء على عائلات تعاني أصلا من تراجع الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرا أن معالجة المديونية ينبغي أن تراعي خصوصية أوضاع اللاجئين، وألا تنفصل عن مسؤولية الدولة في ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
حملة تحصيل واسعة
ولا ينفصل ملف المخيمات عن حملة أوسع تقودها وزارة الطاقة ومؤسسة كهرباء لبنان لتحصيل المستحقات المتراكمة على الإدارات والمؤسسات العامة. ففي 23 أكتوبر/تشرين الأول 2026، قرر مجلس إدارة المؤسسة قطع التغذية عن الجهات العامة والمصالح المستقلة، بما فيها مصالح المياه، التي لم تسدد فواتيرها رغم الإنذارات المتكررة، على أن يبدأ التنفيذ في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، مع استثناء المستشفيات الحكومية.
وكان مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت من أبرز المرافق التي شملتها المطالبات، إذ بلغت مستحقات الكهرباء المتراكمة عليه نحو 22.8 مليون دولار. وبعد تلقيه إنذارات واحتمال قطع التيار، تواصلت إدارة الطيران المدني مع المؤسسة، وأبدت استعدادها لتسديد دفعة فورية، وجدولة المبالغ الباقية، والالتزام بتسديد الفواتير الشهرية بانتظام.
وأعلنت وزارة الأشغال العامة والنقل لاحقا تسديد جزء كبير من مستحقات المطار، على أن تخضع المبالغ الباقية للتدقيق تمهيدا لدفعها على دفعات.
وعزت الوزارة تراكم الديون إلى ارتفاع تعرفة الكهرباء من دون زيادة موازية في الاعتمادات المخصصة لها ضمن الموازنة، مشيرة إلى موافقة مجلس الوزراء على مشروع قانون لفتح اعتماد إضافي بقيمة 100 مليون دولار لتغطية نفقات الكهرباء المترتبة على الإدارات العامة، على أن يستكمل المشروع مساره التشريعي.
إصلاح قبل التحصيل
ومن منظور اقتصادي، يرى الباحث والخبير المالي عماد فران أن مطالبة الأونروا بتسديد فواتير الكهرباء تندرج ضمن تنظيم العلاقة المالية بين مؤسسة كهرباء لبنان والجهات المستفيدة من خدماتها، إذ إن الاستهلاك يرتب تكلفة ينبغي تسديدها، لكنه يميز بين حق الدولة في تحصيل مستحقاتها واللجوء إلى قطع الخدمة عن المخيمات، معتبرا أن الاعتبارات الإنسانية لا تسمح باتخاذ هذا الإجراء.
ويشير فران، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن معالجة أزمة الكهرباء تتطلب إصلاح الاختلالات المتراكمة في القطاع، من خلال صيانة معامل الإنتاج وتأمين الفيول وتحسين الجباية والحد من الهدر، لافتا إلى أن اعتماد سكان المخيمات على المولدات الخاصة، بتكلفة يقدر متوسطها بنحو 75 سنتا للكيلوواط الواحد، يضاعف الأعباء المعيشية عليهم.
من جهته، يرى الباحث والخبير الاقتصادي سامي زغيب، للجزيرة نت، أن إشكالية التحصيل لا تنفصل عن العدالة في تطبيق السياسات المالية، مشيرا إلى أن الدولة مطالبة بملاحقة المستحقات لدى مختلف الجهات، لا أن تتركز إجراءاتها على الفئات المحدودة القدرة المالية.
ويؤكد زغيب أن مطالبة المواطنين بتسديد فواتير الكهرباء ينبغي أن تقابلها مسؤولية الدولة عن توفير الخدمة، معتبرا أن إصلاح القطاع لا يحتاج إلى مزيد من الدراسات بقدر ما يتطلب تنفيذ الخطط القائمة، ولا سيما زيادة الإنتاج وضبط الهدر وتحسين الجباية.
















