• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
  • سكون
  • ميدان

علم الأعصاب يجيبك.. لم يروج ترمب الخرافات؟ ولماذا يصدقه الناس؟

أروى نجيب
14 يونيو 2026آخر تحديث: 22:13 (توقيت مكة)

وقت القراءة: 19 دقيقة

FILE PHOTO: U.S. President Donald Trump, next to U.S. Secretary of Health and Human Services Robert F. Kennedy Jr., makes an announcement linking autism to childhood vaccines and to the use of popular pain medication Tylenol for pregnant women and children, claims which are not backed by decades of science, at the White House, in Washington, D.C., U.S., September 22, 2025. REUTERS/Kevin Lamarque/File Photo

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وفي الخلفية روبرت ف. كينيدي الابن (رويترز)

استمع

44:440:00
44:4422:22

في سبتمبر/أيلول الماضي (2025)، شارك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مقطعا مصورا قديما على منصته تروث سوشيال، يظهر خلاله طبيب الوراثة مارك غاير وابنه ديفيد غاير، اللذان اشتهرا بالترويج لنظريات غير مثبتة تدعي وجود علاقة بين اللقاحات والتوحد، وهو ادعاء فُند علميا منذ نحو 20 عاما. نشر ترمب المقطع دون تعليق، ما دفع البعض لاستنتاج أن الرئيس الأمريكي يروج لموقف معاد للقاحات.

تفاقمت الأزمة بسبب توقيت المنشور، الذي جاء بعد أيام من استجواب وزير الصحة، روبرت ف. كينيدي الابن، من قبل أعضاء مجلس الشيوخ حول موقفه من اللقاحات، وقبل اجتماع اللجنة الاستشارية لممارسات التحصين التي كانت على وشك تحديث توصيات لقاحات "كوفيد-19" وغيرها. هذا التزامن سمح لرواد مواقع التواصل الاجتماعي باستنتاج أن ترمب يعارض اللقاحات التي تلقاها ملايين الأشخاص قبل 6 سنوات تقريبًا.

أخبار مقترحة

  • Fighters from the Saudi-led coalition hold a position during clashes with Iran-backed Houthis in Yemen's northwestern Jawf province on November 2, 2026.
    شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي

الأكثر من ذلك أن ديفيد غاير، الذي اتهم عام 2012 بممارسة الطب دون ترخيص إلى جانب والده في ولاية ماريلاند، وعُلّقت رخصته المهنية بعد مزاعم حول تعريضه أطفالا مصابين بالتوحد للخطر، كان قد عُيّن في الحكومة الفيدرالية من قبل وزير الصحة روبرت كينيدي نفسه للعمل على دراسة حول علاقة اللقاحات بالتوحد، وهو ما أثار الكثير من الجدل حول موقف الإدارة من هذه المسألة.

نيويورك أثناء جائحة كوفيد-19
نيويورك أثناء جائحة كوفيد-19 (شترستوك)

ترمب واللقاحات

العجيب أن دونالد ترمب طالما اعتبر لقاحات كوفيد إنجازا لشخصه خلال إدارته الأولى. وخلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، كرّر ترمب ادعاءه بأن إدارته قد "أنجزت عملًا رائعًا في مواجهة جائحة كوفيد-19″، على الرغم من وفاة أكثر من مليون أمريكي، وعلى الرغم من إدلاء ترمب بالعديد من الادعاءات الكاذبة المتعلقة بالجائحة خلال ولايته، بما في ذلك التقليل من شأن خطورة الفيروس في مناسبات عديدة.

ففي يوليو/تموز 2020 مثلًا، زعم ترمب أن 99% من حالات الإصابة بالفيروس "غير ضارة تمامًا"، كما أجرى ترمب مقارنات مضللة بين كوفيد والإنفلونزا، فكتب في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في أكتوبر/تشرين الأول 2020: "موسم الإنفلونزا قادم! يموت الكثير من الناس كل عام، وأحيانًا أكثر من 100 ألف، بسبب الإنفلونزا رغم وجود اللقاح. هل سنغلق بلادنا؟ لا، لقد تعلمنا التعايش معها، تمامًا كما نتعلم التعايش مع كوفيد، وهو أقل فتكًا بكثير في معظم الحالات".

"لم يكتف ترمب بالتهوين من خطر كورونا، ولكنه روج لعلاجات غير مثبتة للمرض"

لم يكتفِ ترمب بالتهوين من خطر كورونا بما يتناقض مع البيانات والأبحاث التي أجراها خبراء الصحة والعلوم، والتي أفادت بأن كوفيد-19 أشد فتكًا وأكثر عدوى من فيروسات الإنفلونزا. بل إن الرئيس روج لعلاجات غير مثبتة للفيروس، بما في ذلك زعمه أن حقن المطهرات في الجسم قد يكون علاجا محتملا، واقتراحه أن يدرس الباحثون ما إذا كان تعريض الجسم للأشعة فوق البنفسجية أو أي ضوء قوي جدًا قد يساعد في مكافحة الفيروس. وقد حذّر الأطباء وخبراء الصحة العامة على نطاق واسع من خطورة التفكير بحقن المطهرات أو تناولها.

وفقًا لمقال بحثي كتبه كريستوفر ديفيد سيمز، الباحث والمحاضر في مجال الصحة العامة وإدارة النظم الصحية في جامعة دالهوزي بكندا، ونُشر في مجلة محكمة تابعة لسلسلة "ذا لانسيت" المرموقة، لم يتعرض ترمب إلا لقدر ضئيل من الاعتراض على ادعاءاته بـ"العمل الرائع في مواجهة الجائحة"، ويرجع ذلك جزئيًا إلى شعور الجمهور بالرغبة الشديدة في "نسيان كوفيد" وتجنب استرجاع ذكريات التعب النفسي بسبب سياسات الإغلاق، واعتماد ثقافة "تجاوز الماضي".

"يشعر الجمهور برغبة شديدة في نسيان كل ما يتعلق بجائحة كوفيد-19، وتجنب استرجاع ذكريات التعب النفسي بسبب سياسات الإغلاق"

يشير سيمز إلى أن السياسات التي اتخذتها إدارة ترمب قبل يناير/كانون الثاني 2020، بما في ذلك تخفيض 70% من موظفي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في مكتبها بالصين، بعد أكثر من 30 عاما من التعاون الناجح، أسهمت في تفويت فرصة السيطرة على تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد في بدايتها، مما ساعد على انتشار الجائحة محليًا وعالميًا وساهم في مئات الآلاف من الوفيات الأمريكية، ضمن أكثر من 7 ملايين حالة وفاة عالمية، موضحًا أنه كان من الممكن حصر تفشي المرض في أزمة لا مأساة.

ذكر التقرير أنه في عام 2017، كانت الولايات المتحدة الدولة الأفضل استعدادًا لتجنب جائحة عالمية، أولا لأن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها كانت قد حددت الصين بشكل صحيح على أنها تمثل تهديدًا مرضيًا فريدًا، وثانيا لأنها ركزت استثماراتها الصحية على نقاط التدخل المؤثرة للوقاية من تفشي المرض.

إضافة إلى ذلك، لعب تسييس الصحة العامة خلال الفترة من 2020 إلى 2024، والتقارير المؤدلجة عن الجائحة، دورًا في تعزيز الانقسامات حول فعالية الإجراءات واللقاحات. من تلك التقارير مثلا تقرير لجنة برلمانية فرعية يهيمن عليها الجمهوريون نُشر في ديسمبر/كانون الأول 2024، وخلص إلى أن: "الكمامات وفرض ارتدائها لم تكن فعالة في السيطرة على انتشار كوفيد-19".

وادعى التقرير أن "عمليات الإغلاق غير العلمية تسببت في ضرر أكبر من النفع"، وأن "فرض لقاح كوفيد-19 تسبب في أضرار جانبية جسيمة، وكان من المرجح جدًا أن يأتي بنتائج عكسية". هذا التوجه المعارض للسياسات الصحية المجمع عليها، تجلى في ترشيح روبرت ف. كينيدي الابن لمنصب وزير الصحة والخدمات الإنسانية، برفقة فريق من معارضي اللقاحات، وظهر أيضا في جهود مقربين من كينيدي لسحب موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على لقاح شلل الأطفال.

"حث الرئيس الأمريكي الحوامل، في عدة مناسبات، على عدم تناول الباراسيتامول، مدعيا ارتباطه بزيادة كبيرة في خطر الإصابة بالتوحد"

أيضًا، حث الرئيس الأمريكي الحوامل، في عدة مناسبات، على عدم تناول الباراسيتامول ، مدعيا أن ذلك مرتبط بـ"زيادة كبيرة في خطر الإصابة بالتوحد". وتتناقض تصريحاته، التي لاقت تحذيرات وردود فعل سلبية فورية من الخبراء، مع النصائح الطبية الرائدة التي تؤكد على أن الباراسيتامول، عند استخدامه بشكل صحيح، آمن أثناء الحمل.

كل ما سبق عزز الشكوك بين الجمهور، عبر منصات التواصل الاجتماعي، في موقف الرئيس الأمريكي من اللقاحات، وفتح المجال لتصديق الأخبار المضللة حولها.

BERLIN, GERMANY - FEBRUARY 28: A medical worker prepares ampoules of the Nuvaxovid vaccine against Covid-19 by Novavax at the Tegel vaccination center on February 28, 2022 in Berlin, Germany. Germany is launching Novavax vaccinations this week, also in the hope that at least some of people who have so far refused to be vaccinated with mRNA vaccines will see Novavax as a desirable alternative. (Photo by Carsten Koall/Getty Images)
عززت مواقف ترمب شكوك الجماهير حول اللقاحات (غيتي إيميجز)

كيف يعالج الدماغ البشري المعلومات المهددة للحياة؟

رغم الكثير من المعلومات الصحية والطبية المضللة التي شاركها الرئيس الأمريكي، لا يزال كثير من الأمريكيين يميلون لتصديق التوجيهات التي لا يدلي بها. يرجع ذلك جزئيا إلى التأثير الرمزي الذي تتمتع به أي سلطة، لكن يمكن تفسيره أيضا بالنظر إلى الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات الخطيرة والمهددة للحياة.

فالدماغ البشري يعالج هذه المعلومات بطريقة عاطفية تجعل الخطابات العنيفة والسلبية تخترق "الفلاتر" المعرفية وتصبح أكثر "عرضة للتصديق" بدلا من التعامل معها كمعلومات يجب تحليلها ليتم قبولها أو رفضها. ولفهم كيفية حدوث ذلك بشكل أوضح، يجب أن نتعرف أولا بشكل دقيق على مفهوم "الانتباه"، وهو ببساطة قدرتنا على معالجة معلومات "محددة"، ترد إلينا من البيئة المحيطة بنا، بفعالية، مع تجاهل التفاصيل الأخرى.

السر هنا في "الانتباه التلقائي" لكل ما يشعرنا بالخطر ويدق أجراس الإنذار. فدماغنا يمتلك آليات عصبية سريعة تدفعه لتوجيه الانتباه فورا نحو المثيرات التي قد تمثل خطرًا، إذ يعمل على تضخيم الرسائل المثيرة أو الصادمة، بينما يُقلل من حضور المعلومات الأهدأ والأكثر تعقيدًا، حتى وإن كانت مدعومة بأدلة علمية واسعة.

"دماغنا يمتلك آليات عصبية تدفعه لتوجيه الانتباه نحو المثيرات التي قد تمثل خطرًا، بينما يُقلل من حضور المعلومات الأهدأ والأكثر تعقيدًا"

يُشبه الانتباه كشافًا يسلّط ضوءه على نقطة محددة فتغدو أكثر وضوحًا، بينما يتوارى ما عداها في الخلفية. يعود ذلك إلى أن الانتباه مورد محدود من حيث السعة والمدة. بعبارة أخرى، لا يمكننا التركيز على الكثير من الأشياء لفترة طويلة. لذا، عادة ما يختار الدماغ الانتباه والتركيز على ما هو مهم بالنسبة له وتجاهل الأقل أهمية.

لا يقتصر دور الانتباه على توجيه التركيز فحسب، بل يمتد ليؤثر في الإدراك والتفكير والتعلّم منذ اللحظات الأولى للحياة. فالاستجابات الفطرية لدى الرضيع للأصوات المرتفعة أو اللمسات المفاجئة تعكس نظامًا بيولوجيًا مبكرًا يحدد ما يستحق المعالجة الفورية. وهكذا، يعطي الدماغ أولوية قصوى للمعلومات المهدّدة للحياة كي يحسّن فرص البقاء.

تُفعّل التهديدات ما يُعرف باستجابة "الهروب أو المواجهة" (Flight or Fight)، وفيها يتم تنشيط اللوزة الدماغية، وهي جزء من الدماغ مسؤول عن معالجة العواطف والتهديدات. وعند تنشيط اللوزة الدماغية، يقلل الدماغ من اهتمامه بمعالجة المعلومات التحليلية أو المنطقية، ويزيد استجابته للرسائل السريعة والبسيطة التي تقدّم تفسيرات فورية للخطر.

عند هذه النقطة، تتراجع القدرة على التفكير النقدي بشكل تام، وتسقط أي عملية منهجية لتحليل المعلومات وفحصها وتقييمها بصورة موضوعية من أجل التحقق من مدى صحتها ودقتها. ويضيف مفهوم "الانحياز السلبي" (Negativity Bias) طبقة أعمق للأمر، وهو على عكس الانتباه التلقائي للخطر الذي يُشبه جرس إنذار سريع، يمكن تعريفه بأنه ميل نفسي "عام" يجعل الإنسان يمنح وزنًا أكبر وتأثيرًا أطول للمعلومات السلبية مقارنة بالمعلومات الإيجابية أو المحايدة.

"هذا التحيّز في الانتباه لكل ما هو خطير ليس مجرد تفضيل عاطفي، بل هو آلية معرفية تساعد الإنسان على البقاء"

هذا التحيّز ليس مجرد تفضيل عاطفي، بل هو آلية معرفية تساعد الإنسان على البقاء. فمنذ آلاف السنين، تعرض أجدادنا لتهديدات بيئية مباشرة لم نعد بحاجة للقلق بشأنها، كالحيوانات المفترسة، وكان الانحياز السلبي عاملًا مهمًا في بقائهم. بالطبع، لا يزال هذا الأمر هامًا في حالات محددة، مثلًا قد يلعب الانحياز السلبي دورًا في سنوات حياتنا الأولى، فهو يساعد الأطفال الرضع الذين لا يملكون خبرة حياتية واسعة يستندون إليها على تجنب المخاطر.

بسبب الانحياز السلبي تستهلك المعلومات، التي تُعتبر تهديدًا، موارد أكبر من الانتباه وتُعالج داخليًا بشكل أعمق من الأخبار الإيجابية، وتستثير الأحداث السلبية استجابات أسرع وأعمق وأطول وأكثر وضوحًا من الأحداث العادية. هذا يجعل خطاب التخويف السياسي، مثل الادعاءات بأن اللقاحات "قاتلة" أو "ضارة"، قادرًا على اختراق دفاعات الدماغ بسرعة ليتفاعل معه، حتى لو كانت الأدلة العلمية لا تدعم ذلك.

Glowing brain data stream finance neural network technology digital futuristic analytics intelligence innovation illuminated brain with financial chart lines and city lights background by Leninya ادوبي ستوك
الخطر يرتبط بآليات عصبية سريعة تجعل الدماغ يوجّه الانتباه فورًا نحو المثيرات (أدوبي ستوك)

الميل لتصديق الأقوى

في كتابه "التأثير: سيكولوجية الإقناع" يشرح أستاذ علم النفس روبرت سيالديني، الأسس والمبادئ النفسية التي تدفع الناس لقول "نعم"، أو تلقي ما يسمعونه بالقبول والتأييد. يُحدد سيالديني هذه الأسس مستندًا إلى 35 عاما من الأبحاث التجريبية في علم النفس الاجتماعي، مشيرًا إلى أن "السلطة" من المبادئ الأساسية للإقناع، ومبينًا أن البشر يميلون بشكل شبه تلقائي إلى تصديق ما يقوله من يُنظر إليه كخبير أو صاحب مكانة، فيمنح الدماغ وزنًا أعلى لكلام الشخصيات القوية، حتى لو لم يُقيّموا صحة الرسالة نفسها بعمق.

يرجع الميل إلى تصديق من يُنظر إليهم بوصفهم خبراء أو أصحاب نفوذ إلى آلية معرفية تهدف إلى تخفيف عبء التحليل والتدقيق عن الفرد، وتمنحه شعورا ضمنيا بالاطمئنان والأمان. فبدلًا من فحص الأدلة بتأنٍ، يعتمد العقل على مكانة المتحدث كإشارة جاهزة للمصداقية، فيُضفي على رسالته وزنًا أكبر بصورة تلقائية. وهكذا قد تُستقبل أقوال الشخصيات ذات المكانة أو القوة الرمزية بدرجة أعلى من القبول، حتى في غياب أي دليل واضح يدعمها.

"يرجع الميل إلى تصديق أصحاب النفوذ إلى آلية معرفية تهدف إلى تخفيف عبء التحليل والتدقيق عن الفرد"

تكشف أبحاث علم النفس الاجتماعي أن الميل لتصديق أصحاب السلطة وطاعتهم ليس سلوكًا عابرًا، بل نمطًا سلوكيًا موثقًا تجريبيًا. فخلال الستينيات، قدّم ستانلي ميلغرام واحدة من أشهر تجارب علم النفس الاجتماعي في القرن العشرين، والتي كانت تختبر مدى "طاعة السلطة"، أظهرت تجارب ميلغرام أن نسبة كبيرة من المشاركين استمرت في تنفيذ أوامر صدرت عن شخصية ذات مكانة رسمية، حتى عندما اعتقدوا أن ذلك قد يسبب أذى للآخرين.

أجرى ميلغرام تجارب مصممة بدقة، طُلب من المشاركين فيها توجيه صدمات كهربائية خطيرة إلى متطوعين آخرين، كان المتطوعون الآخرون متواطئين والصدمات وهمية، وعلى عكس توقعات جميع الخبراء الذين استشارهم، وجد ميلغرام أن أكثر من 70% من المشاركين وجهوا ما اعتقدوا أنها قد تكون صدمات قاتلة لشخص غريب بريء، فقط لأنهم تلقوا أمرا من شخص في موقع سلطة للقيام بهذا.

أثبتت هذه التجربة أن الأفراد يميلون إلى طاعة أوامر أي سلطة يُنظر إليها على أنها شرعية، حتى عندما تتعارض مع ضمائرهم. فالعقل لا يقيّم الرسالة بمعزل عن مصدرها؛ بل تمنح "الشرعية السلطوية" وزنًا معرفيًا إضافيًا للرسالة، ما يخفض النزعة للتشكيك، ويقلّل ميل الفرد إلى الاعتراض أو التقييم النقدي للمعلومات التي تُقدّم إليه.

"الأفراد يميلون إلى طاعة أوامر أي سلطة، حتى عندما تتعارض مع ضمائرهم"

ذلك المزيج بين الانحياز السلبي، والميل لتصديق السلطة حتى في ظل التناول السياسي للمعلومات العلمية بشكل مضلل يفتح الباب أمام المخيلات لملء الفراغ بـ "السرديات" التي تمنح المعنى، وهو ما جعل البعض يربط سريعًا بين موقف ترمب من اللقاحات ونظرية "المليار الذهبي"، هنا، تتحوّل التصريحات المثيرة للجدل، حتى وإن كانت مجرد شائعات، إلى مؤامرات تُصدّق بشكل جماعي.

"المليار الذهبي"

لم يتوقف التفاعل عند هذا الحد، بل ربط كثيرون تصريحات ترمب حول كوفيد ومواقف إدارته من اللقاحات، بما يُعرف بـ"المليار الذهبي"، وهي نظرية مؤامرة تقول إن هناك من يسعى لتقليص عدد سكان العالم بشكل كبير، ليتمكن النخبة الباقون على قيد الحياة من عيش حياة أكثر رفاهية. هذا المزج بين الخوف الشخصي ونظريات المؤامرة خلق حالة من الخوف الشديد، تجعل منشورات ترمب تتصدر النقاشات على الشبكات الاجتماعية.

بعد غياب التفكير النقدي وانعدام القدرة على التعامل مع المعلومات بشكل تحليلي، لا يبقى إلا شيء واحد، هو قبول التفسيرات البسيطة، حتى وإن كانت خيالية ولا تحمل أي دليل مثل التفسيرات التي تُقدّمها نظرية المؤامرة، فالإنسان يبحث عن سردية تمنحه المعنى حتى لو كان يتعامل مع خرافات أو معلومات عبثية تمامًا.

تعرف نظرية المؤامرة بأنها محاولة لتفسير الأحداث الضارة أو المأساوية على أنها نتيجة لأفعال جماعة صغيرة نافذة. وترفض التفسيرات التي تندرج تحت هذه النظرية الرواية العقلية المقبولة المحيطة بالأحداث؛ وتؤول التصريحات الرسمية على أنها دليل إضافي على وجود المؤامرة. الأشخاص هنا يكونون أكثر ميلًا لتصديق التصريحات الكاذبة التي تستغل مشاعرهم كالخوف والغضب، وأيضًا، أكثر ميلًا لتصديق المعلومات المضللة التي تصور خصومهم بصورة سلبية.

"تعرف نظرية المؤامرة بأنها محاولة لتفسير الأحداث الضارة أو المأساوية على أنها نتيجة لأفعال جماعة صغيرة نافذة"

تُظهر الدراسات النفسية الحديثة أن الخوف من التهديدات، خاصة في أزمات صحية مثل جائحة كوفيد-19، يعزز الميل نحو تبني تفسيرات بسيطة حتى لو كانت خاطئة. مثلًا، توصل بحث شمولي إلى أن ارتفاع الإحساس بالخطر يرتبط بانخفاض القدرة على التعلم من المصادر الموثوقة وزيادة الاعتقاد في نظريات المؤامرة، وهو ما يدل على أن الخوف وحده يمكن أن يدفع الشخص لقبول السرديات المضللة.

خلال دراسة نُشرت عام 2021، انطلق الباحثون من افتراض أن استجابة الأفراد للتهديد ليست ثابتة، بل تتشكل وفقًا لإدراكهم لطبيعة الخطر ومقداره. ففي الظروف المثالية، قد يدفع الشعور بالخطر البعض إلى البحث عن معلومات دقيقة تساعد على معالجة جذور المشكلة. غير أن جائحة كوفيد-19 قدّمت سياقًا مختلفًا؛ تمثل في بيئة معلوماتية معقدة مشبعة بالضبابية ومستويات عالية من عدم اليقين.

أظهرت نتائج الدراسة أن ارتفاع إدراك التهديد في بيئات معلوماتية غير مستقرة قد يعيق التعلم المجتمعي ويشجع على تبني معتقدات المؤامرة وزيادة الميل إلى تصديق الادعاءات التآمرية. بعبارة أخرى، عندما شعر الأفراد بأنهم في مواجهة خطر وجودي، تحول بعضهم من "التعلّم النشط" إلى أنماط تكيف غير فعّالة، مثل تجنب المعلومات أو الانخراط في تفسيرات تمنحهم شعورًا باليقين، حتى لو لم تستند إلى أسس علمية.

روج ترمب للكثير من المعلومات المضللة
روج ترمب للكثير من المعلومات المضللة (الفرنسية)

في المحصلة، لا يمكن فهم هذه الظواهر بمعزل عن السياق الأوسع لما يُعرف بـ "عصر ما بعد الحقيقة"، حيث لم يعد التفوق بالضرورة للمعلومة الأدق، بل للسردية الأكثر إثارة عاطفيا والأوسع قدرة على الانتشار. ففي بيئة رقمية سريعة ومشبعة بالضجيج، تتراجع سلطة الدليل العلمي أمام قوة السردية المبسطة، خصوصًا عندما تتقاطع مع مخاوف وجودية لدى الجمهور. وهنا يصبح التضليل الصحي والسياسي أقل اعتمادًا على اختلاق معلومات جديدة، وأكثر اعتمادًا على إعادة تأطير معلومات قديمة أو مجتزأة بما يخدم رواية بعينها.

لقد أظهرت الأمثلة السابقة كيف تتضافر آليات معرفية طبيعية – مثل الانتباه التلقائي للخطر والانحياز السلبي – مع ديناميات السلطة الرمزية لتخلق بيئة خصبة لتصديق الرسائل المضللة. ففي عصر ما بعد الحقيقة، لم يعد كافيا أن تكون المعلومة خاطئة لكي ترفض، بل يكفي أن تكون منسجمة مع المخاوف العميقة أو صادرة عن شخصية ذات نفوذ كي تكتسب زخمًا وانتشارًا. هذا التحول يجعل التضليل أكثر ذكاء نفسيا، لأنه يركب على بنية الإدراك البشري نفسها بدلًا من أن يصطدم بها.

"لم يعد التفوق بالضرورة للمعلومة الأدق، بل للسردية الأكثر إثارة عاطفيا والأوسع قدرة على الانتشار"

كما أن تسييس قضايا الصحة العامة – كما ظهر خلال جائحة كوفيد-19 – حوّل النقاش العلمي إلى ساحة استقطاب هوياتي، حيث لم يعد تقييم الادعاءات يتم على أساس الأدلة وحدها، بل عبر عدسة الانتماء السياسي والثقة المسبقة. وفي مثل هذه البيئات المستقطبة، تتراجع فعالية التصحيح العلمي التقليدي، لأن المشكلة لم تعد نقص معلومات فقط، بل تآكل الثقة المؤسسية وتضخم الشكوك الجمعية.

الأخطر أن المنصات الرقمية عززت هذا المسار عبر خوارزميات تُكافئ المحتوى المثير، ما يمنح الخطاب التخويفي أو التآمري قابلية انتشار أعلى بكثير من الخطاب العلمي المتزن. وهكذا يتشكل ما يشبه "اقتصاد الانتباه القائم على الخوف"، حيث تتحول المخاوف الصحية الحقيقية إلى وقود لدورات متكررة من التضليل، يعاد تدويرها سياسيًا وإعلاميًا.

في ضوء ذلك، يبدو أن مواجهة التضليل في عصر ما بعد الحقيقة لن تنجح بالتصحيح المعلوماتي وحده، بل تتطلب فهمًا أعمق للبنية النفسية والاجتماعية التي تسمح بانتشاره. فالمعركة لم تعد فقط حول ما هو صحيح وما هو خاطئ، بل حول من ينجح في جذب الانتباه، ومن يملك القدرة على تشكيل الإحساس بالخطر، ومن يستطيع أن يقدّم سردية تمنح الجمهور شعورًا باليقين في عالم يتزايد فيه الغموض.

المصدر: الجزيرة

المزيد من سكون

  • لماذا يعجز علم النفس الغربي عن فهم "إيمان" الفلسطيني؟يحوّل علم النفس الغربي معاناة الفلسطينيين من صدمة استعمارية وسياسية مستمرة إلى اضطرابات نفسية فردية، ما يجعله شريكا في الإبادة ومنظرا لها.
  • هل يحل الذكاء الاصطناعي المعضلة الأهم للطب النفسي؟كافح الطب النفسي كثيرا للوصول إلى دقة تشخيصية تضاهي ما نشاهده في مجالات الطب الأخرى، والذكاء الاصطناعي قد يضعه على الطريق.
  • لا نريدك أن تعيش معناتتكاثر المدن المسوّرة كجزر مغلقة للأثرياء على أطراف الحواضر، تعيد رسم الخرائط الطبقية وتغير معنى العيش في المدينة داخل الأسوار وخارجها.
  • مصحة أم معتقل.. لماذا رأى ساس العلاج النفسي محكمة تفتيش معاصرة؟توماس ساس، عالم النفس الذي ما زالت أفكاره تلقي بظلالها على النقاشات المعاصرة حول السلطة، والطب النفسي، والحرية الفردية.

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  2. 2على دراجة برفقة طفليها.. أم مصرية تكافح لتوصيل الطلبات في شوارع القاهرةبشار أبو زكري
  3. 3إيران مباشر.. “سنتكوم” تشكل قوة “لخنق” إيران بريا وبزشكيان يدعو لتجاوز “اللاحرب واللاسلم”رضا ياسين
  4. 4"اركب صاروخك وارحل".. تكساس تنقلب على ماسك بعد الهزيمة الانتخابيةسيد أحمد زروق
  1. 5جاؤوا لطردها من شقتها فوجدوها هيكلا عظميا.. ما قصة طبيبة العيون المصرية؟
  2. 6"أنا وأخي من الإخوان المسلمين".. كيف سخر عبدول السيد من اتهامات خصومه؟
  3. 7لماذا رفضوا إعدامه؟.. زعيم طائفة وعد أنصاره بالجنة فمات أكثر من 400 شخص فيديو, 01:41
    01:41
  4. 8ملك ماليزيا يحذر من تحدي أمره بوضع رئيس الوزراء السابق نجيب في الإقامة الجبرية

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية