مع كل شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام يظهر اللون الوردي في كل مكان.. على منصات التواصل الاجتماعي، وفي واجهات الشركات والمؤسسات الطبية، وعلى ملابس بعض الناس في الشوارع وأماكن العمل.
خلف هذا الحضور يقف الشريط الوردي، الذي صار منذ سنوات طويلة رمزا عالميا للتضامن مع المصابات والناجيات من سرطان الثدي، وتذكيرا بأهمية الكشف المبكر والعلاج. لكن هذه الصورة المألوفة لم تظهر دفعة واحدة.
أخبار مقترحة
فللشريط الوردي تاريخ تداخلت فيه حملات التوعية مع مبادرات الأفراد ومصالح الشركات، قبل أن يصبح من أكثر الرموز الصحية انتشارا في العالم.
كيف ولد الشريط الوردي؟
بدأت الجهود المنظمة للتوعية بسرطان الثدي في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1985، حين أطلقت الجمعية الأمريكية للسرطان حملة بالشراكة مع شركة "إمبيريال كيميكال إندستريز".
واستمرت الحملة في بدايتها أسبوعا، بهدف تشجيع النساء على إجراء التصوير الشعاعي للثدي (الماموجرام).
وفي العام التالي، اتسعت المبادرة لتصبح حملة توعية تمتد طوال شهر أكتوبر. أما اختيار الشهر نفسه فلم يكن لسبب طبي، وإنما جاء نتيجة تلك الحملة وما تلاها.
وتعود قصة الشريط الملون إلى أوائل التسعينيات.
ففي عام 1991 بدأت الناشطة الأمريكية شارلوت هالي، التي أصيبت عدة نساء من عائلتها بسرطان الثدي، تصنع شرائط بلون الخوخ وتوزعها بنفسها.
وأرفقت بها بطاقات تنتقد ضآلة ما ينفق على أبحاث الوقاية من السرطان، وتطالب بمزيد من الاهتمام بها.
كانت رسالتها احتجاجا قبل أن تكون رمزا. وفي العام نفسه ظهرت شرائط وردية في فعاليات أخرى، منها سباق "كومن من أجل العلاج" الذي نظمته مؤسسة سوزان جي. كومن في نيويورك، حيث وزعت الشرائط على المشاركات. لكن التحول الأكبر جاء عام 1992، حين أطلقت ألكسندرا بيني، المحررة في مجلة "سيلف"، حملة بالتعاون مع إيفلين لاودر من شركة "إستي لودر".
وكانت بيني قد طلبت من هالي استخدام شريطها، غير أن هالي رفضت خشية أن تتحول مبادرتها إلى أداة تجارية.
فاختارت الحملة اللون الوردي، ومع توزيع الشريط عبر المجلة ومتاجر الشركة ترسخ في الأذهان، ثم انتشر خارج الولايات المتحدة، ليصبح رمزا معروفا للتوعية بسرطان الثدي.
ولم تغب مخاوف هالي عن النقاش بعد ذلك.
فمع اتساع استخدام الشريط في الحملات التجارية، ظهر نقد لما صار يعرف بـ"التسويق الوردي"، حين تضع شركات اللون الوردي على منتجاتها دون أن تبين كم تتبرع، ولمن تذهب تبرعاتها، وما أثرها في البحث العلمي والرعاية الصحية.
ولا يستهدف هذا النقد مشاركة الشركات في حد ذاتها، وإنما الفجوة بين استخدام الرمز وتقديم دعم حقيقي يمكن قياسه.

المرض بأسماء مستعارة
في كثير من المجتمعات العربية لا يذكر سرطان الثدي باسمه. يقال "المرض الخبيث" تارة، و"ذلك الداء" تارة أخرى، ويخفت الصوت عند ذكره كأن النطق بالاسم قد يستدعي صاحبه.
وهذا الحذر في اختيار الكلمات ليس تفصيلا لغويا عابرا؛ فما لا نجرؤ على تسميته يصعب علينا السؤال عنه، والخوف من مواجهته قد يدفع بعض النساء إلى تأجيل الفحص أو طلب المشورة الطبية.
ولا يقف الصمت عند حدود الكلمات. تراه في أم تخفي عن ابنتها تاريخ العائلة الصحي، خوفا من أن تفزعها أو ظنا منها أنه لا حاجة لذلك.
وتراه في زوج يرتبك فلا يعرف كيف يفتح الحديث، وفي امرأة تخشى أن تتحول في عيون من حولها إلى "المريضة" وحدها، وأن تقابل بنظرات شفقة تشعرها بأنها فقدت استقلالها.
ويزداد الأمر تعقيدا حين يرتبط الثدي في الوعي العام بالأنوثة وصورة المرأة عن نفسها. عندها يصبح الخوف من العلاج، وخصوصا الجراحة وما تتركه من أثر في الشكل، أثقل من الخوف من المرض ذاته.
وهكذا تؤجل بعض النساء الفحص الدوري، وهن يدركن قيمته، لأنهن يخشين ما قد يترتب عليه.
لهذا كان إخراج الحديث إلى العلن أهم ما حققته الحملات، وإن بدا إنجازا بسيطا. فحين تروي امرأة تجربتها بصوت مسموع، تمنح غيرها إذنا بأن تسأل وتبحث.
وحين تتحدث طبيبة عن إصابتها، كما فعلت الدكتورة سامية العمودي، يخف الإحساس بأن المرض عيب يستر.
ويكفي لتقدير حجم المسألة أن سرطان الثدي، بحسب منظمة الصحة العالمية، أكثر السرطانات شيوعا بين النساء في معظم دول العالم. وصمت المجتمع عن مرض بهذا الانتشار ترف لا يحتمله.
ماذا يعني الكشف المبكر؟
الكشف المبكر هو اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة من تطوره، قبل أن يبلغ مراحل أكثر تقدما. ويتحقق ذلك بطريقتين: برامج فحص للنساء اللاتي لا تظهر عليهن أعراض، أو انتباه المرأة إلى ما يتغير في جسدها وطلبها تقييما طبيا دون تأخير.
وتسعى حملات "أكتوبر الوردي" إلى تغيير عادة قديمة في التعامل مع الجسد، هي أن نذهب إلى الطبيب حين نشعر بالألم فقط.
فمن لا تشكو من شيء، ولا تعرف تاريخا عائليا للمرض، قد لا ترى سببا للفحص.
ومن هنا الفكرة الأساسية للحملات.. أن يسبق الفحص ظهور الأعراض لدى الفئات التي تشملها توصيات الفحص، وأن يكون جزءا منتظما من العناية بالصحة، لا قرارا يتخذ تحت ضغط الخوف. والكشف المبكر لا يمنع حدوث الورم، لكنه قد يتيح تشخيصه قبل وصوله إلى مراحل متقدمة، ويمنح الطبيبة والمريضة فرصة أوسع لاختيار العلاج المناسب.
فالمرحلة التي يكتشف فيها المرض تؤثر في خيارات العلاج ومساره؛ وقد يسمح اكتشافه في مرحلة مبكرة، في بعض الحالات، بجراحة محافظة على الثدي بدلا من استئصاله كاملا، كما قد يقلل الحاجة إلى بعض العلاجات الأكثر شدة، بحسب نوع الورم ومرحلته وخصائصه.
ولا يتعلق الأمر بوعد مطلق بالشفاء، وإنما بزيادة فرص السيطرة على المرض وتحسين فرص البقاء، حيث تسمح الحالة بذلك.
وللفحص مفارقة تستحق التأمل: هو أقصر الخطوات زمنا وأثقلها نفسيا. دقائقه معدودة، لكن التردد الذي يسبقه قد يمتد أشهرا، وكثيرات يدخلن غرفة الفحص وخوفهن من النتيجة أكبر من خوفهن من الجهاز.
من هنا يصبح حسن الاستقبال جزءا من الرعاية: طبيبة تشرح قبل أن تفحص، وممرضة تطمئن، ومكان يحفظ الخصوصية.
فالمرأة التي تعامل بإنسانية في زيارتها الأولى تعود في الثانية دون أن يطلب منها ذلك. غير أن الحملات، على اتساع صوتها، تخاطب المرأة كأن القرار قرارها وحدها.
والواقع أن من تقرر الذهاب إلى الطبيب تحتاج إلى أكثر من الاقتناع: تحتاج إلى من يرعى أطفالها في غيابها، وإلى مال تدفعه أجرة وكشفا، وإلى وقت يتسع له عملها ويومها.
وفي بيوت كثيرة يتوقف الأمر على كلمة الزوج أو الأم أو الأخ، فتسمع المرأة النصيحة وتقتنع بها ثم تؤجلها، لأن أولويتها أن يأكل أولادها ويذهبوا إلى مدارسهم قبل أن تذهب هي إلى الفحص.
ولهذا تبقى رسالة "اعتني بصحتك" ناقصة ما لم يصحبها خطاب آخر موجه إلى من حولها: أن يسألوها، ويرافقوها، ويتحملوا معها نصيبهم من العبء.
فالصحة التي تترك لقرار امرأة واحدة داخل أسرة مثقلة تظل هشة، مهما بلغ وعيها.
مبادرات تحول الألم إلى أمل
تنتهي قصص بعض النساء مع المرض عند التعافي، لكن أخريات يحولن تجربتهن إلى مبادرات تخفف العبء عن غيرهن. ففي مصر، انطلقت مؤسسة "بهية" من قصة السيدة بهية وهبي، التي اضطرت أثناء علاجها إلى السفر إلى الخارج لعدم توفر العلاج الإشعاعي الذي تحتاج إليه في المنطقة آنذاك. وفي غربتها بعيدا عن أسرتها، تمنت أن يتوفر هذا العلاج في بلدها ليعفى المرضى من عناء السفر، لكنها رحلت قبل أن ترى أمنيتها تتحقق.
وبعد وفاتها قرر أبناؤها تحويل الأمنية إلى واقع، فصار منزل العائلة مستشفى متخصصا في الكشف المبكر وعلاج سرطان الثدي بالمجان.
وفي السعودية، شخصت الدكتورة سامية العمودي، استشارية النساء والتوليد، بسرطان الثدي عام 2006، فخاضت الرحلة مريضة وطبيبة في آن واحد. وبدل أن تكتم إصابتها اختارت أن تتحدث عنها علنا، ووظفت خبرتها الطبية في مواجهة الخوف والصمت المحيطين بالمرض.
وارتبط اسمها بنشر الوعي ودعم البحث والتثقيف الصحي، وبتأسيس مركز الشيخ محمد حسين العمودي للتميز في رعاية سرطان الثدي بجامعة الملك عبد العزيز، الذي يجمع بين الرعاية والبحث والتوعية.
ورغم اختلاف المسارين بين مستشفى علاجي مجاني ومركز أكاديمي بحثي، فإن الحافز واحد. امرأتان واجهتا المرض في أماكن مختلفة، وخرجتا من التجربة بسؤال واحد: ماذا ينقص غيرنا حتى لا يمررن بما مررنا به؟

حلول ميدانية في دول الجنوب
لا تواجه النساء المشكلة نفسها في كل مكان. ففي بعض الدول لا يكون نقص المعرفة هو العقبة الوحيدة، بل المسافة بين البيت والمركز الطبي، وقلة المتخصصين، وتكلفة التنقل والعلاج التي قد تفوق قدرة الأسرة. ففي السنغال، على سبيل المثال، تنظم الرابطة السنغالية لمكافحة السرطان (ليسكا) قافلة "أكتوبر الوردي" التي تنقل خدمات الفحص إلى الأقاليم والبلدات الواقعة خارج العاصمة داكار. وفي بلدة نغاي ميخي، أقبلت أعداد كبيرة من النساء على فحوص الكشف المبكر عن سرطاني الثدي وعنق الرحم، مع إحالة الحالات المشتبه بها إلى فحوص إضافية أكثر دقة، وفي مقدمتها تصوير الثدي بالأشعة (الماموجرام).
أما في رواندا، فقد ركزت إحدى المبادرات على تدريب العاملين الصحيين في المناطق الريفية على التعرف إلى علامات سرطان الثدي وتقييم الحالات التي تستدعي الإحالة إلى المستشفى. وبدأ البرنامج في أبريل/نيسان 2015، وشمل ممرضين وعاملين صحيين مجتمعيين، مع تدريب عملي ومتابعة مهنية للممرضين. وفي باكستان، تذكر منظمة "بينك ريبون" الباكستانية أن نحو 100 ألف "عاملة صحية" تتولى كل منهن قرابة ألف بيت، وأن جهودها أسهمت في إدراج التوعية بسرطان الثدي والفحص الذاتي ضمن مواد تدريب العاملات.
ويستفيد هذا النهج من شبكة أنشئت لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية، ويوظفها في نشر الوعي بالمرض والتعرف إلى العلامات التي تستدعي مراجعة المرافق الطبية. وتظل فاعلية هذا المسار مرتبطة بوجود خدمات قادرة على استقبال الحالات المحالة واستكمال الفحوص والعلاج.
ما بعد الشريط الوردي
أبرز ما حققته حملات "أكتوبر الوردي" أنها أخرجت سرطان الثدي من دائرة الصمت والحرج إلى النقاش العلني، وجعلت الحديث عنه مألوفا بعد أن كان يهمس به. لكن اختبارها الحقيقي يبدأ حين ينتهي الشهر، وتنزع الملصقات، وتخفت الأضواء.
فالوعي لا يقف عند معرفة اسم المرض أو رمزه، بل يبدأ حين تعرف المرأة متى تحتاج إلى استشارة الطبيب، وأين تجد الفحص، وماذا تفعل إذا ظهرت نتيجة تستدعي مزيدا من التقييم. وهذه المعرفة تظل قاصرة الأثر إن لم تجد في الطرف الآخر ما يسندها: طبيبا متاحا، وفحصا بكلفة مقدورة، وتشخيصا لا تعرقله قوائم الانتظار، ومسارا علاجيا يكتمل دون أن يرهق الأسرة ماديا أو نفسيا.
وهذا يتطلب بالضرورة تطويرا مستداما في منظومة الرعاية؛ بتدريب الكوادر الطبية على الكشف المبكر، وإدماج خدمات الفحص ضمن حزم الرعاية الصحية الأساسية والتأمين الصحي بصورة مستمرة، ليغدو الاستثمار في صحة النساء التزاما مؤسسيا دائما لا يرتبط بموسم أو حملة، ويرفع فيه العبء عن كاهل الفرد لصالح حماية صحية مجتمعية شاملة.















