بين مجموعة ضخمة من منازل المستوطنين الفارهة وذات الأسقف القرميدية يلمح أي مار في شارع السهل -ببلدة ترمسعيا قرب مدينة رام الله شمال الضفة الغربية- منزلا فلسطيني الانتماء والهوية يعود لعائلة بسيطة تدعى أبو الشطرية تحب الأرض وتستميت دفاعا عنها.
وكجبل أشم دق أوتاده في خاصرة مستوطنة "شيلو" الجاثمة فوق أراضي ترمسعيا والقرى المجاورة بدا المنزل ببنائه الفلسطيني التقليدي، وظهرت صاحبته أم محمد كشوكة في حلق أضخم مشروع استيطاني هناك ما انفك يقضم الأرض ويصادرها.
أخبار مقترحة
وفي محيط المنزل بمنطقة "شعاب الغرابة" كانت أم محمد (57 عاما) تشد إزارها وتبحث عن كل شبر فارغ من الأرض؛ لتغرسه بالأشتال الموسمية بما يسد رمقها وعائلتها وتنتفع به بيعا لأهالي قريتها.
وقبل 38 عاما زُفت أمل أبو عواد (أم محمد) عروسا للمنزل لتصبح بعد سنوات قليلة زوجة شهيد قتله مستوطن إسرائيلي لم تزل تذكر اسمه وشكله، وجرح شقيقها، وهما قائمان للصلاة في صيف رمضان عام 1988، فتصبح العروس بعد ذلك أمًّا لأيتام وتحمل رابعهم بين أحشائها.

شرارة المواجهة
شكلت تلك الحادثة عند أم محمد شرارة المواجهة ومعركة فرض الوجود أمام تغوُّلات المستوطنين الذين أرادوا تهويد السهل المقدر بـ3 آلاف دونم (الدونم يساوي ألف متر مربع) بعد أن احتلوا الجبل بأكمله.
وعام 1976 شيَّد المستوطنون مستوطنة "شيلو" فوق تل أثري ديني ينسبونه لهم، وتفرَّخت عنها 7 مستوطنات طوَّقت المنطقة الجنوبية لنابلس وشمال رام الله بأكملها وسميت بـ"مستوطنات التلال السبع"، بينما يقيم آل أبو الشطرية منزلهم قبل 1967؛ وهذا أهم عوامل صمودهم.
ومنذ البداية دفعت العائلة ثمن التصدي للمستوطنين، فاعتقل 3 من أبنائها وقضوا بالسجن لفترات طويلة، وبينهم زوجها الشهيد.
ثم تتالت اعتداءات المستوطنين وتنوعت بين الملاحقة والضرب والهدم؛ فصادروا 4 مركبات وسرقوا الدَّواب وهدموا بركسات (حظائر) المواشي وتربية الدواجن ودفيئات زراعية.
وداهموا المنزل مرات عدة وألقوا مواده التموينية -كالزيت والطحين- أرضا، وتمثل آخر الاعتداءات قبل بضعة أشهر بحرق أكثر من 300 من أشجار الزيتون.

مبالغ خيالية
وعندما لم يجد الترهيب نفعا لجأ الاحتلال للترغيب، فأغرى العائلة بأموال طائلة لترك المنزل ودفع من وقت قريب "7 ملايين دولار أميركي" أو "شيكا مفتوحا"، وهو مبلغ خيالي، لكن ليس على حساب "الكرامة" التي قالت أم محمد للجزيرة نت إنها "لم ولن تفرط بها".
وعززت أم محمد من وجودها فزوَّجت 5 من أبنائها وأسكنتهم معها في المنزل الذي تحوَّل لقرية مصغرة يقطنها 22 نفرا، كما أفشلت مخططات المستوطنين وزرعت عشرات الدونمات من أراضي السهل لتحميه وتُبقي على تواصل أصحابه معه.
كما انتزعت من وقت قريب أرضا وضع المستوطنون يدهم عليها وشرعوا بزراعتها لتمنع تغولا جديدا على منزلها الذي لا يبعد سوى 60 مترا عن تلك الأرض.
ويذكر تقرير إسرائيلي -أعدته منظمتان حقوقيتان إسرائيليتان هما "بتسيلم" و"كيرم نابوت" قبل أسبوع- أن أعداد المستوطنين بالضفة الغربية ازدادت بنسبة 222% منذ عام 2000.
حيث توزع أكثر من 440 ألف مستوطن على أكثر من 280 مستوطنة وبؤرة استيطانية تنهب ما يزيد على مليوني دونم من الأراضي الفلسطينية.
و"شيلو" إحدى تلك المستوطنات التي تمتد فوق آلاف الدونمات الفلسطينية "الأخصب" حسب التقرير، بينما تُحرم أم محمد من الوصول الآمن لأرضها ومنزلها، ولحمايتهم من المستوطنين نقلت اثنين من أبنائها للعيش خارجه.

حياة بدائية
وكأنها تعيش حياة بدائية؛ حيث يحرم الاحتلال عائلة أبو الشطرية أبسط احتياجاتها من ماء وكهرباء لتعيش في العتمة "52 عاما" قبل أن تتلقى مؤخرا دعما لتوليد الطاقة الشمسية، أما الماء فيشربونه من آبار جمع فيها مياه الشتاء.
ويمنعهم الاحتلال من مدّ شبكة المياه، بينما يقدم للمستوطنين "خدمات فندقية" وتحفيزات تصل لنحو 50 ألف دولار أميركي لكل واحد.
ويمنع أيضا اقتراب أحد من المنطقة، وهو ما اضطر البلدية -حسب سعيد طالب رئيس مجلسها- لتطويب (تثبيت ملكية) أكثر من 4 آلاف و500 دونم من أراضي المواطنين قرب مستوطنة شيلو عبر التصوير الجوي.
كما أصدر وزير الحرب الإسرائيلي نفتالي بينيت قرارا قبل عام بمنع البناء بمناطق "بي" الخاضعة للسيطرة الفلسطينية تحت ذريعة "الضرر الأمني على المستوطنات".

"قبل إسرائيل"
ويتذرع الاحتلال بخطر المنزل والعائلة على أمن المستوطنة، وهو ما تستنكره أم محمد بسؤالها عن أي خطر يشكّله أصحاب الدار والأرض ومعاول التجريف والبناء لم تتوقف لحظة؟ بينما هي لا يمكنها أن تطل برأسها فوق سياج المنزل أو تتركه خاليا لبضع ساعات خشية هجوم المستوطنين.
وقد لمسنا ذلك واقعا حين زرنا المنزل، فالمستوطنون طوَّقوه بالبناء ومزارع العنب والزيتون وأقاموا مصنع نبيذ ومعصرة زيتون ومنشآت صناعية أخرى.
ويصنف عبد العظيم وادي -الناشط ضد الاستيطان جنوب نابلس في حديثه للجزيرة نت- "شيلو" بثالث أبرز مستوطنة بالضفة الغربية بعد "معاليه أدوميم" شرق القدس و"أرائيل" قرب مدينة سلفيت شمالا.
وتكمن خطورتها بفصلها جغرافيا قرى جنوب نابلس وشمال رام الله وتحتل منطقة إستراتيجية تربط بين شفا الأغوار شرقا ومناطق غرب الضفة الغربية.
وبعفوية تسأل أم محمد "العالم الأصم" عن أي ذنب اقترفته وعائلتها ليمكر الاحتلال بها ويسعى لتهجيرها قسرا؟! وكيف أوصلها رعب المستوطنين لإخلاء منزلها من أية وثيقة تثبت ملكيتها له واحتفظت بها بعيدا كي لا تقع بين أيديهم؟! وتقول "أنا هنا قبل إسرائيل، وهذه أرضنا وهذه أيضا أرضنا".




















