لم يأخذ موضوع أو مفهوم "المثقف المحتال" ما يستحقه من تناول في السجال الفكري المعاصر، رغم خطورته، قياسا إلى حديث مستفيض عن "المثقف الخائن" و"المثقف الانتهازي"، وإن كان الاحتيال لا يخلو من خيانة للدور والمهمة الملقاة على عاتق صاحب المعرفة الواسعة والوعي العميق، وكذلك للمبادئ والفضائل، ولا يخلو أيضا من انتهازية حين ينحاز هذا إلى مصالحه الخاصة الضيقة، فيوظف ما برأسه في خدمتها، ولو على حساب الصالح العام.
يحدث هذا في أيامنا، نظرا للأردية الحديثة التي يلبسها "المثقف المحتال"، ليظهر لنا مرة في دور "التنويري"، وأخرى في دور "الناقد"، وتراه الأغلبية الكاسحة من الناس على هذه الهيئات أو تلك الحالات، وقد يتقبلونه، ولا ينازعه إلا قلة لا تنطلي عليها المسميات الزائفة، ولا الأدوار المسنودة إلى نظم إدارة، أو ترتيبات حكم، ولا الألقاب المصطنعة.
أخبار مقترحة
لكن الأمر لم يكن كذلك في زمن مضى، حيث وُضِع هؤلاء في أماكنهم الحقيقية، ليصبحوا شبه علماء أو فقهاء أو أدباء، وهنا يصفهم الجاحظ بأنهم: "منتحلة يدعون مثل دعاويهم، قد وسموا أنفسهم بسمات الباطل، وتسموا بأسماء العلم على المجاز من غير حقيقة، ولبسوا لباس الزور متزخرفين متشبّعين بما لا محصول له، يحتذون أمثلة المحقين في زيهم وهديهم، ويقتفون آثارهم في ألفاظهم وألحاظهم وحركاتهم وإشاراتهم، لينسبوا إليهم ويحلوا محلهم".
يشارك المثقف المحتال كلا من "المثقف الخائن" الذي لا يقول الحق والحقيقة في وجه القوة، وفق إدوارد سعيد، ويتحول إلى موظف محترف يخدم التوجهات السائدة، ويراها أقصى ما هو ممكن، ويشارك "المثقف الموهوم" بعض خصائصه، وفق ما ذهب إليه علي حرب، حيث يزعم امتلاك الحقيقة
ولا يقصد باحتيال المثقفين في زماننا إصرار بعضهم على اتباع أنماط من المداراة والتحايل والمواجهة الحذرة خوفا من بطش سلطة سياسية، أو اتقاء نبذ مجتمع يكره كل جديد، وينفر من أي إبداع، فتلك حالة قد يجد البعض مبررا للمثقف في انتهاجها وعيشها، ما دام لم يسقط في نفاق سياسي أو اجتماعي، ولم يتنازل عما يؤمن به من أفكار، وما يعتقده من تصورات، يراها في صالح الناس، لأنها تعمل على تحسين شروط الحياة، إنما ذلك الذي يتخذ من الاحتيال نفسه مبدأ، أو طريقة أساسية للتصرف والتدبير، ما دام يجلب له منفعة، أو يدرأ عنه خطرا.
فبعض المثقفين يسقطون بكامل إرادتهم في متلازمة المحتال (Imposter Syndrome)، لتصبح الإطار الذي يدور فيه سلوكهم، والقاعدة التي تتأسس عليها نظرتهم إلى كل أمر وموضوع ومسألة.
ويعني هذا أنهم يمارسون طوال الوقت نوعا من الخداع أو المخاتلة، يوظفون فيه مخزونهم المعرفي، وخبرتهم الحياتية، ويبررون به تنصلهم من الدفاع عن الحق والحقيقة.
ويمعن هؤلاء في احتيالهم حين يجد الناس فصاما ظاهرا وحادا بين ما يتبنونه من أفكار، وما يبدر عنهم من سلوك، سواء في حياتهم الخاصة، أو في المجال العام، فنراهم يرفعون شعارات عن العدالة والحرية والكرامة والتقدم، بينما تأتي أقوالهم وكتاباتهم مساندة للجور والإكراه والقهر والتخلف، أو على الأقل متساوقة معه.
وما يزيد الطين بلة أن هؤلاء يستخدمون في التعبير تصورات نظرية يصنعونها لتبرير تفكيرهم ومواقفهم، تبدو لمن لا يحسن نقدها وفهم مراميها رؤى تتزيا بالعلم أو الثقافة، أو تزعم الالتزام بصالح المجتمع، وما هي في الحقيقة سوى وسائل لتزييف وعي الجماهير، والسيطرة على عقول البسطاء، ولا تعدو أن تكون طريقة للتكسب بالمعرفة، تحولها إلى سلعة لمن يدفع ثمنها.
هنا يشارك المثقف المحتال كلا من "المثقف الخائن" الذي لا يقول الحق والحقيقة في وجه القوة، وفق إدوارد سعيد، ويتحول إلى موظف محترف يخدم التوجهات السائدة، ويراها أقصى ما هو ممكن، ويشارك "المثقف الموهوم" بعض خصائصه، وفق ما ذهب إليه علي حرب، حيث يزعم امتلاك الحقيقة، ويسعى إلى فرض وصاية على المجتمع كي يمتثل لهذا الامتلاك الزائف.
وقد أشار أيمن بكر إلى ذلك النمط من المثقفين الذين تتقلب آراؤهم ومواقفهم تبعا لاتجاه السلطة أو مصادر الكسب، حتى إنهم يبدون كمن يرقص على الحبال، مطمئنين إلى حاجة السلطة إليهم لإنتاج خطاب مساند لها.
وهنا يقول جلال أمين في كتابه "شخصيات لها تاريخ" إن "النظم الشمولية تحتاج في الترويج لقراراتها إلى خدمات عدد من المثقفين، يجملون هذه القرارات في أعين الناس مهما كانت درجة قبحها، أو على الأقل يحدثون درجة من الجلبة والضوضاء والتهليل لهذه القرارات يستقر معها في أذهان الناس أنها تتمتع برضا الجميع".
ثم يصف أحدهم بأنه "كان رجلا ذكيا وجريئا، ولكنه للأسف استخدم ذكاءه وجرأته، في مواقف كثيرة من مواقفه، بما يتعارض مع مصلحة أمته".
وهناك دراسة ذائعة الصيت للمفكر الفرنسي جوليان بندا عنوانها "خيانة المثقفين" شن فيها هجوما لاذعا على المثقف الذي يتخلى عن رسالته، ويفرط في مبادئه، ورأى في ثناياها أن المثقف الحقيقي هو الذي ينحاز دوما إلى المعايير الخالدة للحق والعدل، ويكون صادقا مع نفسه، مدفوعا بفعل المشاعر الفياضة، والمبادئ السامية إلى فضح الفساد، والدفاع عن الضعفاء، وتحدي القهر والغشم، والانتصار للحقيقة.
نبه الجاحظ في رسائله إلى هذه الفئة التي تتخذ من ظاهر المعرفة سبيلا إلى ادعاء التجديد والريادة وحيازة المنزلة بين العامة والخاصة وأهل القرار، فقال: "إذا رأيت الرجل يشتري رضا العوام بسخط الخواص، ويطلب الرياسة بالتمسك برعاع الناس، ويحتال لضعفاء العامة وجهال الملوك بالتمويه والزخرفة، فاعلم أنه إنما يطلب العاجلة، ولا يريد الحقيقة، ويهلك نفسه في طلب الصدارة بغير حق"
إن المثقفين المحتالين في السياسة قد باتوا معروفين ومفضوحين، وكتبت حولهم الكثير من الدراسات والمقالات، وفحصت ظاهرتهم في أطروحات علمية عن علاقة المثقف بالسلطة، بل كتبت حولهم أشعار تعري مسلكهم، مثل قصيدة "المناضلون" للشاعر المصري حسن توفيق التي يقول فيها:
"في غرفة أنيقة
مبنية جدرانها من النفاق والدجل
وبابها منفتح لمن يرى الحقيقة
لكنه يدوسها ويرتمي بلا خجل
على المقاعد المريحة
ممددا ساقيه حين يبدأ الكلام
مدخنا سيجارة تلهمه الرؤى الفصيحة
تلهمه الختام
….
يا ضيعة الحقيقة
طائفة من اللصوص والمهرجين
تحترف الحديث عن قضايا الكادحين
في غرفة أنيقة".
أما من لم يُنتبَه إليهم جيدا بسبب الأردية العديدة التي تغطيهم، كما سبق الذكر، فهم المثقفون المحتالون في مجال الفكر والمعرفة، رغم أن دورهم أخطر، لأنهم يتسللون إلى عقول البسطاء من أبواب مقبولة، حول نقد السائد، وتجديد القديم، وغربلة التراث، وبعضهم ينفذ إلى نقض الدين نفسه من زاوية مقاومة التطرف والتشدد والغلو، وهو ما يضمن حماية السلطة السياسية له في هذا المسلك.
ورغم أن هؤلاء يدركون أمام أنفسهم أنهم مخادعون، فإنهم يتمادون فيما يذهبون إليه، ويحقق لهم المكانة الاجتماعية من باب الشهرة، والكسب المالي من باب الارتزاق، "فصار العلم عندهم بضاعة تجارة، وحيلة معاش"، كما يقول الجاحظ، في وقت لا يصمد فيه منتجهم إن وضع في ميزان العلم، رغم الترويج تحت غطاء من المثاقفة، التي تأتي في ركاب رنين الكلمات، وقشور المعرفة، وظلال العلم، وادعاء النضال، وتبرير الوصولية، والتحلل من مسؤولية الأمانة الأخلاقية لصاحب اللسان والقلم.
يتحول هؤلاء من منارات مفترضة للتقدم إلى أدوات محققة للتضليل الذي يستخدمون في تمريره أساليب متعددة، مثل تكديس الآراء الشاذة والمقدوح فيها من الموروث الديني والشعبي، وإحالتها إلى مراجع أو مصادر، لا يحسنون التعامل معها، أو ينتقون منها ما يصنع برهانا مغلوطا يخدم أفكارهم المسبقة، قد ينطلي على ضعاف العقول أو قليلي التحصيل أو من لا يملكون عقولا ناقدة، فيصدقون كل ما يسمعونه أو يقرؤونه.
وفي الغالب الأعم نجد الأفكار التي يتحمس لها هؤلاء لا تعبر بالضرورة عن احتياجات مجتمعهم في الوقت الراهن، مثل وضع الدين عقبة أمام التحديث، أو منازعة تقاليد هي من صميم المخيلة والذهنية الشعبية الأصيلة، حتى لو انطوت على قيم إيجابية، بدعوى أن الجديد يجب أن يكون في قطيعة معرفية تامة مع القديم، أو جعل التصدي للاستبداد السياسي في مرتبة دنيا من الاهتمام، أو خوض معارك لحساب طائفة أو فئة ضد البقية، أو التساوق مع الفساد الذي يحقق في ظله هؤلاء مصالحهم، سواء أكانت تحصيل مال أم كسب شهرة.
وفي الغالب الأعم يجد هؤلاء من يساعدهم على نشر تصوراتهم المفتقدة للمنهجية أو منطق العلم، سواء أكانت مؤسسات محلية وأجنبية في الإعلام والنشر والدعاية، أم سلطات تتبنى مشروعا لها تعتقده من تلقاء نفسها، كما رأينا في تجارب عديدة عبر التاريخ الإسلامي العربي، حين وظف أهل الحكم مسارات دينية محددة لخدمة أغراضهم، أو تنفيذها لحساب الغير في ظل تبعية بعض أنظمة الحكم.
المتحايلون لا يقرون بالحقيقة وإن وصلوا إليها، لأن هذا يقطع عنهم منافعهم، ولذا يظلون مصرين على مواصلة الخداع حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم
وقد نبه الجاحظ في رسائله إلى هذه الفئة التي تتخذ من ظاهر المعرفة سبيلا إلى ادعاء التجديد والريادة وحيازة المنزلة بين العامة والخاصة وأهل القرار، فقال: "إذا رأيت الرجل يشتري رضا العوام بسخط الخواص، ويطلب الرياسة بالتمسك برعاع الناس، ويحتال لضعفاء العامة وجهال الملوك بالتمويه والزخرفة، فاعلم أنه إنما يطلب العاجلة، ولا يريد الحقيقة، ويهلك نفسه في طلب الصدارة بغير حق".
في هذا المقام تظهر لنا أسماء ذاع صيتها في حياتنا المعاصرة، وقُدِّموا إلى الناس على أنهم مفكرون أو أصحاب معرفة، بينما تقود النظرة الفاحصة فيما ألفوه من كتب، وما قالوه من أحاديث، إلى افتقادها الحد الأدنى من العلم أو المنطق أو حتى الإفادة التي تنبع من ابتغاء الحقيقة، ونصرة الحق.
وهناك أمثلة كثيرة لهؤلاء ، سواء أكان على مستوى الأسماء أم في المجال الذي يكتبون فيه، وهو أمر ينسحب على مجالات أخرى في مختلف العلوم الإنسانية والآداب والفنون، حيث نجد هناك من يتعمد إحداث ضجيج بمحتوى تافه، وهو أمر يختلف عن أي ضجيج يثار حول أعمال ناضجة فنيا أو قوية معرفيا، وقع خلاف بين بعض الناس على أفكارها.
إن الفرق بين الفريقين غاية في الوضوح، فالمثقف المتحايل لا يغير رأيه حتى لو أدرك الحقيقة جلية كشمس نهار صيف قائظ، في حين أن لدى المثقف الحقيقي قدرة متواصلة على نقد نفسه، وتغيير أفكاره، إن اطمأن إلى أنها معطوبة أو مثقوبة أو منقوصة، لأن هدفه الأساسي فيما يقول أو يكتب هو السعي وراء الحقيقة، والدفاع عنها.
يدعونا هذا إلى أن نفرق، تحت عباءة التنوير أو التجديد، بين الأولياء والأدعياء، فالمتحايلون لا يقرون بالحقيقة وإن وصلوا إليها، لأن هذا يقطع عنهم منافعهم، ولذا يظلون مصرين على مواصلة الخداع حتى اللحظة الأخيرة من حياتهم، ونظرا لضعف النقد والمساءلة في حياتنا الثقافية، يظل هؤلاء المنتحلون محتفظين برونقهم الزائف، ويجدون من يردد تصوراتهم الملفقة حتى بعد رحيلهم عن الدنيا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.















