فريدة أحمد
البداية طبيعية ومكررة، أُم تطلب النصيحة على "فيسبوك" لكيفية التعامل مع طفلها الذي يبكي دائما ويرفض الذهاب إلى المدرسة والمذاكرة.
النهاية مفزعة، وجد العشرات فرصتهم لإعلان عودتهم عما يعرف بـ"التربية الحديثة" وأساليبها الناعمة غير الفعالة، وتحولت التعليقات إلى منافسة في تعديد أساليب التربية الفعالة، من وجهة نظر المعلقين.
وتضمنت "الضرب، ربط الأيدي والقدمين، التجويع، الحبس الانفرادي في المنزل"، والعشرات من وسائل التعذيب التي يقول المعلقون إنهم "تربوا عليها وأثبتت كفاءتها".
فجأة، عاد النقاش حول تربية الأطفال عشرات السنوات إلى الوراء، ليس بغرض مزيد من الحفاظ على سلامة الطفل النفسية والبدنية، بل من أجل الانتصار للعنف والإيذاء، فما الذي حدث؟
التربية التقليدية
يعد العنف من الآباء ضد الأطفال ظاهرة عالمية، هناك ما يقرب من مليار طفل حول العالم في سن 2-14 عاما يتعرضون للعقوبة البدنية من أولياء أمورهم ومقدمي الرعاية لهم بشكل منتظم، طبقا لبيانات اليونيسيف عام 2014.
تقول منال لطفي، أم ثلاثينية لطفلين أكبرهما تسعة أعوام، "الضرب في بعض الأحيان وسيلة ضرورية للتربية السليمة، جميع الأسر التي تقول إن التربية الحديثة هي الأفضل يفتقد أبناؤهم إلى أبسط قواعد الأدب والتربية".
وبلهجة حاسمة تضيف منال أن "تقويم الأبناء يتطلب شيئا من الحزم والعنف إن اقتضى الأمر، فلا يصح إلا الصحيح، والمثالية التي يدعيها البعض غير واقعية، لا أعتقد أن هناك أما أو أبا لم يضربا ابنهما مرة على الأقل، لا يعني الضرب أني أكره أبنائي، فأنا من أكثر الأمهات حبا لأبنائها ولا أقبل أن يضايقهما أحد، لكن الخطأ المتعمد المكرر الذي يعني استهانة ولا مبالة يستدعي الضرب".
وترى منال أن ضرب والدتها لها قد أسهم في تقويمها عندما كانت طفلة وتقول "توفي أبي وأنا في السابعة من عمري، وقامت أمي بتربيتي أنا وأشقائي الأربعة، وبقيت فترة أسب أشقائي وأتلفظ بألفاظ نابية، حذرتني أمي مرة وأخرى، وعندما ضربتني توقفت عن السباب، فكان وسيلة ردع بالنسبة لي، كنت أعلم منذ البداية أن السباب أمر سيء ولم أتوقف إلا حين ضربتني أمي، وإلى الآن لا يمكن أن أسب أحدا".

"المذاكرة" من أهم أسباب العقاب
أكثر ما يجعل منال تستخدم الضرب لعقاب أبنائها هو "المذاكرة"، في حين أن عدم طاعة الأوامر لا يقابل بالضرب مباشرة، لكنها تعتمد التكرار والنقاش كثيرا وحين يقتضي الأمر تلجأ للضرب، مضيفة "لست سعيدة وأنا أضرب أبنائي، وفي أوقات كثيرة أبكي، لكن إذا كانت الوسيلة الوحيدة لجعلهم أشخاصا محترمين ومسؤولين فلن أتردد في ذلك، مثل الدواء أو الحقن التي تعطيها لابنك وأنت غير سعيد، فقط، ليصبح أفضل".
في مصر، 93% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 1-14 عاما تعرضوا لشكل من أشكال الممارسات التأديبية العنيفة من قبل والديهم أو القائمين على رعايتهم، والتي تشمل العنف الجسدي والنفسي. طبقا للمسح السكاني الصحي لعام 2014 والذي تصدره وزارة الصحة والسكان.
التربية الحديثة
"النقاش هو الأسلوب الوحيد الذي يجب اتباعه مع الطفل، حتى ينشأ شخصا قويا لديه ثقة في نفسه وقراراته" تقول مروة عاطف، أم لثلاثة أطفال أكبرهم 8 سنوات.
الأمر لا يبدو بالسهولة التي تعلنه الأم الشابة لكنه يستحق، حسب تأكيدها، موضحة "الطفل إنسان من حقه أن يُحترم، والتربية الإيجابية تلتزم أيضا بمبدأ الثواب والعقاب، لكن العقاب هنا يعني حرمانه من شيء محبب، منع المصروف عنه وليس تعنيفه بأي شكل كان، وهناك جيل جديد واسع من الأمهات معني بالتربية الحديثة ويطبقها".
لكن يبدو أن معلومات الأم الثلاثينية غير دقيقة، فهناك 4% فقط من الأطفال تم تأديبهم من خلال نهج خال من جميع أشكال العنف، طبقا لبيانات وزارة الصحة والسكان.

لماذا التعذيب والجهر به؟
أنصار التربية بالتعذيب موجودون حولنا ولا نراهم أو نغض البصر عنهم، آملين في جو مثالي يخلو من العنف والسيطرة، هذا ما تؤكده دكتورة نورا سمير، اختصاصية تعديل السلوك، مشيرة إلى عدة أسباب لعودة انتشار مؤيدي التربية التقليدية منها:
1- الدعوة لاتباع التربية الحديثة ومناقشتها من كافة جوانبها تفصيليا وباستمرار وفي كل مناسبة، جعلها تتراجع باعتبارها موضة ظهرت منذ سنوات قليلة.
2- عدم ظهور نتائج سريعة للتربية الحديثة، جعلت البعض ينصرف عنها بعد اتباعها فترة قصيرة.
3- اضطرار بعض الآباء الذين يتبعون التربية الحديثة للجوء أحيانا إلى الصراخ أو الضرب وما يتبعه من نتائج سريعة، مثل التوقف عن ارتكاب خطأ ما، جعل البعض يعتقد أن الضرب يكون فعالا أحيانا.
4- مقارنة الآباء أنفسهم بالأطفال، واعتقادهم أنه بسبب استخدام العنف معهم عندما كانوا أطفالا أسهم في تفوقهم دراسيا وتحملهم المسؤولية ونجاحهم واحترامهم الآخرين، في حين أن أسلوب النقاش جاء مع أطفالهم بنتائج عكسية.
5- الخوف من الانفتاح في وجود التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، جعل الآباء يبحثون عن سبل لإحكام السيطرة على الأبناء.
6- أنصار التربية التقليدية، موجودون في المجتمع وبصورة كبيرة ولم تتغير طرق تفكيرهم التي نشأوا عليها، وعند مصادفة أي خلل وارد في تربية طفل بأسلوب حديث، يعتقدون أن طريقتهم هي الأمثل، فيعمدون إلى الظهور والدعوة لأفكارهم في مواجهة ما يرونه "انحلالا".
اعتماد النقاش أسلوبا لتربية الطفل
تعتقد نورا أن الجدل أمر صحي، مؤكدة أن "التوعية المستمرة تأخذ وقتا كبيرا لإحداث التغيير، لكن نتائجها مضمونة، ويجب أن يحدث ذلك من خلال القنوات العامة، مثل ما يحدث مع حملات الصحة الإنجابية أو التدخين".
وترى اختصاصية تعديل السلوك أنه لا بد أن تحدث حملات مستمرة لسنوات من خلال التليفزيون، الراديو، الندوات، المراكز الصحية، عن التربية الحديثة والأسلوب الأمثل للتعامل مع الطفل، والتأثير النفسي والاجتماعي السيء للعنف، في مقابل التفوق والتأثير الإيجابي عند اعتماد النقاش والتعامل الآدمي أسلوبا وحيدا لتربية الطفل وتنشئته بشكل سوي".
















