محمود صديق-القاهرة
تتعدد أوجه الشبه بين ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر، والثورة العرابية -التي ولد زعيمها أحمد عرابي في مثل هذه الأيام عام 1841- سواء في ما يتعلق بالبدايات وتطور المطالب أو رد فعل السلطات، وحتى في النهايات المأساوية، واتهامات التخوين التي طالت قادة الثورة والمشاركين فيها.
أخبار مقترحة
فمثلما بدأت ثورة يناير ضد الغلاء، والبطالة، والمطالبة برحيل وزير الداخلية والحكومة، ثم سرعان ما تطورت المطالب -بفعل قمع النظام للتظاهرات واعتقال عشرات الشباب- إلى المناداة برحيل الرئيس حسني مبارك وإسقاط النظام؛ كانت بدايات الثورة العرابية متشابهة إلى حد كبير.
بداية الثورة
بدأت الثورة العرابية كحركة من الضباط المصريين الساعين للمساوة مع نظرائهم من الترك والشركس داخل الجيش، حيث رفض كبار الضباط الشراكسة بقيادة ناظر الجهادية ترقية المصريين للرتب العالية، بل تم تحريض ذوي الرتب الصغيرة على عدم إطاعة أصحاب الرتب الكبيرة من المصريين.
وهنا اجتمع الأميرلاي (اللواء) أحمد عرابي في منزله بقادة الجيش المصريين، وقرروا تقديم عريضة يطالبون فيها رئيس الوزراء مصطفى رياض باشا بإقالة عثمان رفقي ناظر الجهادية (وزير الحربية)، وسلموها لنظارة الداخلية لتقديمها لرئيس الحكومة في 17 يناير/كانون الثاني 1881.
قرر الخديوي القبض على عرابي ورفيقيه علي فهمي وعبد العال حلمي، وطلب من رفقي تنفيذ القرار، الذي قرر أن ينفذه بشكل ملتو؛ فدعا الضباط الثلاثة للاجتماع بمركز الحربية في قصر النيل (مقر جامعة الدول العربية الآن) لترتيب الاحتفال بزفاف شقيقة الخديوي، وشعر عرابي ورفاقه بأن في الأمر مكرا، لكنهم قرروا الذهاب على أن يتابعهم بعض الضباط الصغار -بملابس مدنية- دون أن يشعر بهم أحد.
وبمجرد دخولهم وجدوا المجلس العسكري مجتمعا ليبلغهم بعزلهم، ونالوا نصيبهم من الشماتة والسخرية والسباب، وأدخلوا سجن قصر النيل في الأول من فبراير/شباط.
أسرع صغار الضباط الذين كانوا يراقبونهم بإبلاغ زملائهم في معسكر عابدين بما حدث، فقرروا التحرك نحو قصر النيل، وأرسل الخديوي -الذي شاهد ما يحدث بنفسه من إحدى الشرفات بقصر عابدين- من يأمرهم بالتوقف، فلم يستجيبوا وساروا في طريقهم، ودخلوا مقر الديوان شاهرين أسلحتهم، فاستسلمت قوات حرس مركز الحربية، وقفز عثمان رفقي من النافذة وأطلق سراح الضباط الثلاثة.
احتشد الناس ومعهم كثير من الضباط بميدان عابدين، واضطر الخديوي للرضوخ لطلبات الضباط وعزل عثمان رفقي، وعيّن مكانه محمود سامي البارودي المناصر لمطالب الضباط منذ البداية.
حركة وثورة
حسب كتاب "التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر" للمؤرخ الإنجليزي ألفريد برنت؛ فقد التقت حركة الضباط مع الحركة الوطنية، واندمجا معا؛ حين ذهب عرابي بجنده إلى الخديوي في التاسع من سبتمبر/أيلول 1881 يحمل مطالب الجيش والأمة كلها.
كانت المطالب هي عزل وزارة مصطفى رياض وإنشاء مجلس نواب مثل النظام الأوروبي، بالإضافة إلى زيادة عدد الجيش إلى 18 ألف جندي، فرد الخديوي رده الشهير "أنتم عبيد إحساناتنا"، وجاء رد عرابي الشهير "لقد خلقنا الله أحرارا ولن نستعبد بعد اليوم".
في النهاية، رضخ الخديوي لمطالب الثوار، وشُكلت حكومة بقيادة محمد شريف باشا المشهود له بالوطنية، ووضع الدستور الذي أقر نواب البرلمان معظم مواده.
محاولات الإجهاض
لكن إنجلترا وفرنسا خشيتا استمرار مصر في هذا الطريق، فقررتا التدخل في الشؤون الداخلية بإرسالهما مذكرة لدعم الخديوي. وهنا قرر رئيس الوزراء الاستقالة اعتراضا على قبول توفيق تلك المذكرة في الثاني من فبراير/شباط 1882.
وبعد فشل محاولة اغتيال عرابي من قبل ضباط شراكسة، انتهزت الدولتان تجديد قلاع الإسكندرية وتقوية استحكاماتها وإمدادها بالرجال والسلاح، وقامت بقصف القلاع وأجزاء من مدينة الإسكندرية في 24 يوليو/تموز 1882.
وكوّن عرابي جيش مقاومة شعبية لدعم الجيش الذي جمعه في مدينة كفر الدوار (شمال القاهرة)، ونجح في صد القوات البريطانية التي كانت في طريقها لاحتلال القاهرة. وحوصر الجيش البريطاني في منطقة القصاصين من قبل الأهالي العزل فطلب الجنرال جراهام قائد الجيش مددا فوصله خلال أربع ساعات، فقام بتنفيذ مذبحة كبيرة وسط الأهالي في 28 أغسطس/آب.
ثم تمكنت القوات البريطانية من الانتصار بالتل الكبير (شرق القاهرة) في أقل من ثلاثين دقيقة، حيث باغتتهم بالهجوم ليلا وقضت على الجيش المصري.
اعتقال قادة الثورة
المصادفة الغريبة أن رئيس الوزراء البريطاني -حسب ما ذكره د.عبد العزيز نوار في كتابه تاريخ العرب المعاصر- صرح وأقسم بأغلظ الأيمان بعد ضرب الإسكندرية في يوليو/تموز 1882 أن بريطانيا ليست لها مطامع في احتلال مصر، وإنما أرسلت جنودها لحماية الأمن، وهو الأمر نفسه الذي فعله "الجنرال" عبد الفتاح السيسي بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013 بأنه ليس للجيش مطمع في الحكم.
تم نفي عرابي وعبد الله النديم ومحمود سامي البارودي وآخرين إلى جزيرة سيلان (سريلانكا)، وحكم على من ساندوا الثورة بالإعدام، ثم خفف الحكم إلى العزل من مناصبهم، وتجريد الضباط من نياشينهم وأوسمتهم. وهو ما حدث مع كل رموز وشباب ثورة يناير 2011، ومعظمهم الآن بين سجين أو معتقل، أو في منفى اختياري، أو قرر الانسحاب من الحياة السياسية.
تشويه الثورة ورموزها
تعرض عرابي ومن معه -كما تعرض شباب يناير- للتشويه والتخوين، لدرجة أن عرابي قوبل حين سُمح له بالعودة بعد 21 سنة بالبصق على وجهه، وهجاه الشاعر أحمد شوقي بعدة أبيات شعرية، بل وكتب الزعيم مصطفى كامل مقالا قال فيه "رجل تهور جبانا واندفع جاهلا وساق أمته للاستعباد الثقيل ثم فرّ هاربا من ميادين القتال".
كما أطلق على ثورة عرابي كلمة "هوجة"، ووصفته الصحف "بالعاصي"، وذلك على غرار وصف ثورة يناير "بنكسة يناير" و"25 خساير"، وأنها تسببت في دمار البلاد، وأن شبابها "عملاء وخونة".
مات عرابي ولم يهتم -أو تتح الفرصة لمن شارك معه- بدحض الافتراءات حوله، حتى سعد زغلول زعيم ثورة 1919، الذي شارك في الثورة العرابية لم يهتم حين أصبح رئيسا للوزراء بنفض التراب عن ثورة شارك بها، وشوهت وشوه زعيمها.
فهل ستجد ثورة 25 يناير يوما من ينصفها بعد أن شارك كثير من رموزها في الثورة المضادة التي قضت عليها وعليهم؟!

















