لم يكن يخطر ببال الآلاف من سكان الموصل شمال العراق أن يتحول احتفالهم بعيد النوروز وعيد الأم في جزيرة أم الربيعين السياحية -شمالي المدينة- إلى موعد جديد مع الموت في مدينة مزّقتها الحرب.
وقال الكاتب جلجامش نبيل -في تقرير نشره موقع "المونيتور" الأميركي اليوم- إنه وسط أجواء احتفالية، انقلبت عَبارة بالقرب من ضفاف نهر دجلة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 120 شخصا، معظمهم من النساء والأطفال، بينما لا يزال العشرات مفقودين بعد أن جرفهم تيار النهر القوي.
أخبار مقترحة
وقالت آية نوفل -إحدى الناجيات من الكارثة- "كنا نتوق شوقا للحظات من الفرح، لكن الموت يصر على ملاحقتنا".
وأورد الكاتب أن 15 فردا من أسرة آية لقوا حتفهم في هذه الكارثة. وقالت آية -وهي تذرف الدموع- "لقد فقدت والدتي وأختي وأخي الذي يبلغ من العمر أربعة أشهر، وعمتي أيضا التي تركت ثلاث بنات، أصغرهن في السابعة من عمرها. إنها مأساة لا يمكن وصفها".
غضب عارم
ومع انتشار مقاطع فيديو لهذه الكارثة على نطاق واسع، ازداد غضب سكان الموصل ودعا النشطاء إلى الاحتجاج في اليوم التالي.
وقال أحمد أكرم -وهو ناشط شارك في الاحتجاج- إن "مرافق وخدمات الموصل السياحية جميعها تفتقر إلى أقسام الطوارئ وأهم إجراءات السلامة".
ويتابع بالقول "لم تكن هناك سترات أو أطواق نجاة على متن تلك العَبارة أو في المنطقة السياحية. كما كانت مستويات المياه في النهر مرتفعة للغاية وتتدفق بسرعة، خاصة أن مجرى النهر في ذلك المكان شديد الانحدار".
وفي حين اتهم البعض سائق العبارة بتجاهل تحذير السلطات من ارتفاع منسوب المياه مع فتح بوابات سد الموصل، خرج كثيرون آخرون للاحتجاج على الفساد المتفشي في المدينة.
وأوضح أكرم أن "هذه الحادثة كانت نقطة تحول أيقظت شباب مدينة نينوى لكسر حواجز الخوف. لقد عبّرنا عن استيائنا من المحافظ، حيث وصفناه بالفاسد وطلبنا منه مغادرة منصبه دون أي تردد".
وأشار الكاتب جلجامش نبيل إلى أن المسؤولين عبّروا عن حزنهم على وقوع هذه الكارثة، كما زاروا مكان الحادثة.
وفي 24 مارس/آذار، صوّت البرلمان العراقي على إقالة محافظ مدينة نينوى نوفل العاكوب ونائبيه بسبب الإهمال الواضح في أداء واجباتهم ومسؤولياتهم، بالإضافة إلى إساءة استخدام مناصبهم، كما شكل رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مجلسا للأزمات.
تجدر الإشارة إلى أن المحافظ توجه إلى موقع الكارثة، برفقة الرئيس العراقي برهم صالح، لكن أقارب الضحايا الغاضبين أغلقوا الطريق. وقد ورد أن العاكوب دهس شخصين بسيارته بينما كان يحاول الهرب من الحجارة التي ألقاها عليه المتظاهرون.

ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الموصل محمود عزو أنه "لم يكن بالإمكان السيطرة على الناس في مثل هذه اللحظات. لقد كنت قلقا بعض الشيء من عدد من الشعارات الدينية التي تدعو إلى الاستشهاد وإقامة صلاة الجمعة خلال الاحتجاجات، فنحن كنا موجودين هناك للمطالبة بمحاسبة بعض المسؤولين فحسب".
كما يشعر عزو بالقلق من احتمال تزعزع الاستقرار في الموصل، ويرجع ذلك جزئيا إلى مليشيات الموصل، التي يُعتقد بأنها تجني أرباحا من العديد من الشركات.
وأخبر عزو موقع "المونيتور" أنه يخشى من حدوث رد فعل عنيف خاصة أن السياسيين والعسكريين الداعمين لهذه المليشيات قادرون على إرسال سيارة مفخخة لاستهداف المتظاهرين.
ونقل الكاتب عن صالح إلياس -الصحفي والناشط في الموصل الذي كان حاضرا في الاحتجاج الذي وصفه بأنه الأكبر في المدينة منذ خمس سنوات- قوله إن "هذه الحركة كانت إيجابية، على الرغم من أنها ليست كافية. إن هناك جناة آخرين، بما في ذلك السلطة المشرفة على المنشأة السياحية، وفرق الإنقاذ والشرطة النهرية، مع العلم أنه لم تكن هناك إدارة أزمات بالمنطقة".

محاكمة الفاسدين
ويتفق عمر محمد، الباحث من الموصل الذي يعيش في باريس، مع إلياس، حيث أفاد بأن "عزل المحافظ ونائبيه ليس كافيا، لأنهم كانوا يقودون شبكة فساد في المدينة".
وأضاف محمد "نحن ندعو إلى محاكمتهم، بالإضافة إلى سحب جميع المليشيات من الموصل وتشكيل لجنة دولية لإعادة الإعمار بالتنسيق مع خبراء من المدينة".
وقال علي بشار -أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيان في أربيل والمتحدث باسم مبادرة "لن نسكت"- إن الكيانات الاقتصادية الفاسدة التي تدعمها المليشيات ومجلس المحافظة، فضلا عن السرقات وجهود إعادة الإعمار المزيفة، ستُعرّض مستقبل المدينة للخطر.
وفي المقابل أشاد العديد من المتظاهرين بتعاون قوات الأمن وحرصها على إبقاء الاحتجاج سلميا. وأشار خلدون صالح -الطالب الجامعي المختص في الاقتصاد والذي شارك بالاحتجاج- إلى أن "قوات الأمن تعاملت بسرعة مع العنف والانتهاكات، وحافظت على هدوئها وتصرفت بمسؤولية. مع ذلك، أخشى من أن تستغلها الأحزاب السياسية، مما قد يتسبب في زعزعة استقرار المدينة".
ونقل الكاتب جلجامش نبيل عن سُها حسن -وهي مواطنة عراقية من الموصل وطالبة دكتوراه في مكافحة الإرهاب بجامعة جورج ماسون بالولايات المتحدة- قولها إنه لن تحدث أي اشتباكات في الموصل نظرا لخلوّها من القادة القادرين على قيادة ثورة.
وأضافت سها أن المجتمع العراقي محطم ويرزح تحت وطأة الصراعات العرقية والطائفية، كما توقعت توقف الاحتجاجات في غضون أسبوع، وقالت "يجب أن نقلق بشأن الصدمة واليأس اللذين سيؤثران في مستقبل الأجيال بالموصل".

















