رغم عدم إثبات فعاليتها علميا.. ظاهرة "أسمار" للاسترخاء بالهمس تجد طريقها إلى العالم العربي

في فبراير/شباط 2010، أطلقت جينيفر آلين -التي كانت تعمل في مجال الأمن السيبراني- مصطلح "أسمار" (ASMR) لوصف الشعور الناتج عن سماع أصوات بعض الأشياء والظواهر مثل صوت الأمواج، إضافة إلى بعض المحفزات الأخرى؛ بينها الهمس.
والمصطلح يمثل اختصارا لعبارة "استجابة القنوات الحسية الذاتية" (autonomous sensory meridian response) والتي تصف مشاعر الاسترخاء أو الهدوء أو النعاس الناتجة عن الاستماع لبعض المحفزات التي ينتج عنها شعور بالوخز والقشعريرة لا سيما في الرأس.
ورغم عدم وجود دراسات أو أبحاث علمية تثبت الأثر النفسي لهذه المحفزات السمعية والبصرية، فإن مركز وجامعة "نبرسكا" الطبي (مؤسسة أميركية غير حكومية) نشر في أبريل/نيسان 2022 بحثا عن العلاقة النفسية بين تلك المقاطع والحالة النفسية لمتابعيها معتمدا على إفادات الأشخاص.
وأشار البحث إلى وجود دراستين؛ الأولى أجريت في 2015، والثانية تعود لعام 2018، بحثت كلاهما في التأثيرات النفسية لظاهرة (استجابة القنوات الحسية الذاتية "أسمار") وإمكانية استخدامها كأداة مستقبلية لتخفيف أعراض الأرق أو الاكتئاب أو القلق.
ونقل البحث عن ديفيد وارين باحث في علم الأعصاب بالمركز الطبي بجامعة "نبراسكا"، تأكيده على عدم وجود دليل تجريبي على أن ظاهرة "أسمار" لديها تأثيرات دائمة على الصحة العقلية، مشيرا إلى غياب التجارب السريرية التي تثبت فعالية المؤثرات الناتجة عن هذه الظاهرة.
واختتم المقال بأنه "تظل الحقيقة أنه لا يزال هناك عدد قليل نسبيا من الدراسات العلمية التي أجريت حتى الآن، بما في ذلك الظروف التي قد تؤدي إلى حالة "أسمار". وفي حين أن التجربة قد تتضمن بالفعل استجابة فسيولوجية حقيقية، لذا هناك حاجة إلى مزيد من البحث العلمي للبدء في فهم طبيعة الظاهرة".
"أسمار".. ظاهرة ترفيهية عالمية
بقيت ظاهرة "أسمار" حكرا على صانعي المحتوى من الدول الغربية وشرق آسيا لسنوات، وحقق عدد منهم ملايين المشاهدات على موقع "يوتيوب"، وقد وصلت بعض المقاطع إلى تخطي حاجز الـ100 مليون مشاهدة.
وتعد المقاطع الصوتية والبصرية التي تعتمد على الهمس وأصوات الطبيعة وصوت تناول الطعام وأصوات الأشياء أشهر أنواع محتوى "أسمار"، رغم اختلاف الآراء حول الجدوى الفعلية منه.
بيد أن العامين الأخيرين شهدا انتقال هذه الظاهرة إلى العالم العربي عبر عدد من صناع المحتوى الشباب -غالبيتهم من الفتيات- الذين لاحظوا غياب أي محتوى عربي لظاهرة "أسمار".
"أسمار" تجد طريقها إلى العرب
وتعبر دانيا حناوي الشهيرة بقناتها (Dania arabic ASMR) على يوتيوب أحد أشهر صناع محتوى ظاهرة "أسمار" العرب على منصات التواصل الاجتماعي.
وبدأت حناوي، في إنتاج هذا النوع من المحتوى قبل أكثر من عامين حين رغبت في تقديم محتوى مميز وغير متداول بين العرب.
ولفتت -في حديثها للجزيرة نت- إلى تنامي اهتمام المشاهد العربي بتلك الظاهرة البصرية والسمعية، لا سيما مع بدء نشر عدد من المدونين محتوى باللغة العربية.
وقالت "خلال العامين الماضيين، حدثت طفرة كبيرة في صناعة محتوى (أسمار) في العالم العربي سواء على صعيد مقدميه والأدوات التي يستخدمونها والموضوعات المتناولة أو حتى بالنسبة للمشاهدين وتنامي أعدادهم على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة".
وأرجعت حناوي، هذا التطور في التفاعل مع محتوى "أسمار" العربي إلى الخوارزميات على منصات التواصل، لا سيما "تيك توك" الذي يجبر مستخدميه بدون اختيار منهم بمتابعة بعض المقاطعة المصورة مما يضمن لها مشاهدات أعلى.
واعتبرت حناوي أن الحملة التي شاركت فيها وعدد من زميلاتها في هذا المجال بالعالم العربي على "تيك توك"؛ هي وراء تنامي تلك الظاهرة عربيا وبدء تحقيقهن شهرة واسعة.
وأضافت "في البداية يتابع المشاهد محتوى (أسمار) على سبيل الفضول أو تراوده مشاعر الإعجاب أو حتى الرفض، لكن عدد الثواني القليلة التي يشاهد فيها المحتوى حتى يتمكن من الوصول لقرار سواء بالمتابعة أو العزوف عنه كفيلة بجعل الخوارزميات على (تيك توك) ترشح له مزيدا من المحتوى المشابه".
وفي السياق، أشارت حناوي إلى أنه على الرغم من رفض البعض لهذا النوع من المحتوى، فإن عدد متابعيه في العالم العربي يزداد لأن الموضوعات تكون أقرب لواقعنا ولغتنا كما أن الهمس باللغة العربية كما الإنجليزية يساعد في تحقيق الهدف من "أسمار" وهو تخفيف التوتر والمساعدة على النوم.
وتابعت "متابعو أسمار العرب الذين كانوا يلجؤون للمحتوى الأجنبي للاسترخاء، بدؤوا يجدون بديلا بلغتهم الأصلية وبالفعل هناك تنامي في أعداد المشاهدات لا سيما من السعودية ومصر ودول المغرب العربي".
واستندت حناوي في تصريحاتها على إحصاءات قناتها على يوتيوب وغيرها من المنصات التي تنشر عليها محتواها.
ويتابع حناوي على يوتيوب أكثر من 190 ألف شخص، بينما حظيت مقاطعها المصورة على "تيك توك" بأكثر من 100 مليون مشاهدة.
تحديات إنشاء محتوى "أسمار"
يحتاج إنتاج محتوى "أسمار" سواء القائم على الهمس أو أصوات الأشياء الكثير من الوقت والمجهود العقلي والبدني إضافة إلى ميكروفون ذي خصائص عالية.
وأوضحت حناوي أنها تمضي أياما عدة تبحث عن فكرة وزاوية معالجة، لا سيما عندما تقدم مقاطع مصورة تقوم على تعدد الشخصيات إضافة إلى اختيار الأشياء التي تصدر أصواتا مميزة يمكن اعتبارها محفزات سمعية.
وأشارت في حديثها للجزيرة نت إلى أن أي شخص يحب هذا المحتوى يمكنه البدء بالتنفيذ بشرط القدرة على خلق شخصية خاصة به، وأن ينجح في تعلم الأساسيات التي تخدم هذا المحتوى بدءا من الإضاءة والتصوير والتعامل مع أدوات تنقية الصوت والمونتاج.
واعتبرت حناوي أن العائد المادي من محتوى "أسمار" يأتي بشكل رئيسي من إعلانات يوتيوب، لكن طبيعة هذا المحتوى تجعله الأقل في مستوى العائد المادي مقارنة بغيره من المحتويات الإلكترونية.
وقالت إن "طبيعة المحتوى والهدف منه هو تحقيق الاسترخاء للمشاهد وتقليل نسب التوتر، لذلك هناك قيود على وضع الإعلانات خلال عرض الفيديو حتى لا يفقد المشاهدة الحالة النفسية والبصرية المرجوة من الفيديو".
وعلى صعيد آخر، رأت حناوي أن هناك عدة تحديات تواجه منتجي محتوى "أسمار"، أولها التعامل مع حالة الضوضاء المحيطة والتي تجبر بعض صانعي هذا المحتوى على تغيير أماكن سكنهم أو العمل خلال ساعات الليل لضمان الهدوء إضافة إلى إيجاد الحالة النفسية الملائمة.
ورأت أن من بين التحديات؛ إصابة الأحبال الصوتية لصانعي هذا المحتوى بالخمول مع طول مدة العمل بطريقة الهمس والصوت المنخفض.
وعلى صعيد آخر، تحدثت حناوي عن تعرض صناع محتوى "أسمار" إلى "أسوأ أنواع التنمر الإلكتروني" ولا سيما ضد الإناث.
وأضافت للجزيرة نت "أكثر تعليقات التنمر تأتي عبر "تيك توك" و"فيسبوك"، وأفضّل ألا أخوض حربا خاسرة لأن الناس لن تتوقف عن الكلام أو السخرية مما نقدمه، لذلك أنصح كل صانع محتوى (أسمار) بتغذية ذاكرته البصرية والسمعية والاستمرار بتقديم محتوى جيد يتطور مع التعلم المستمر".
وأكدت حناوي أن محتوى "أسمار" لا يزال "غريبا" على الجمهور العربي ويحتاج بعض الوقت ليتأقلم عليه المشاهدون ويدركوا الهدف منه.