• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
شعار قسم مدونات

لماذا خلقت النار؟ من سؤال البراءة إلى وطن يراد له أن ينكسر

عمر عبد الرحمن أحمد غانم
2 مارس 2026

وقت القراءة: 7 دقائق

أطلقت قوات الأمن السودانية، السبت، قنابل الغاز المسيل للدموع، لتفريق آلاف المتظاهرين الساعين للوصول إلى القصر الرئاسي بالخرطوم. ووفق شهود عيان للأناضول، "استخدمت الشرطة قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين تمكنوا من الوصول إلى شارع القصر الرئاسي من البوابة الجنوبية (مقر مجلس السيادة)". وأوضح شهود العيان أن "حالة من الكر والفر سادت بين المحتجين وقوات الأمن في شارع القصر وسط العاصمة الخرطوم، جراء إطلاق قنابل الغاز والصوت".

الكاتب: في السودان هناك عدو لا يقاتل من أجل أرض يحتلها إنه يقاتل من أجل إذلال السودان نفسه (وكالة الأناضول)

جاء السؤال من براءة لم تتعلم بعد معنى العقاب، ومن قلب صغير لا يعرف من النار إلا الألم: لماذا خلق الله النار؟

لم يكن السؤال فلسفيا، لم يكن بحثا في كتب العقيدة أو جدلا في معاني الثواب والعقاب، كان خوفا خالصا. فالطفل حين يسمع كلمة "نار" لا يتخيل ميزان عدل أخروي، بل يتخيل احتراقا، ويتخيل صراخا، ويتخيل وجعا لا يحتمل.

وقيل في الجواب: إن النار لم تخلق عبثا، ولم تخلق لأن الله يريد العذاب لعباده، بل خلقت لأن العدل يقتضي حسابا، ولأن الحرية دون عواقب تتحول إلى فوضى. لو لم يكن هناك حساب لتساوى القاتل والمقتول، الظالم والمظلوم، من كسر القلوب ومن ضحى لينقذها.

النار، كما قيل، ليست شهوة انتقام، بل صرامة عدالة. ليست بداية القصة، بل نهايتها حين تستنفد كل فرص الرحمة.

لكن بينما كان الجواب يقال بهدوء، كان واقع آخر يشتعل في داخلي. لم أفكر في نار الآخرة أولا، فكرت في نار السودان، وفي عدو لا يريد الأرض، بل يريد روحك.

في السودان، هناك عدو لا يقاتل من أجل أرض يحتلها، ولا من أجل علم يرفعه، ولا حتى من أجل سلطة يعلنها. إنه يقاتل من أجل إذلال السودان نفسه.

هذا العدو لا يكتفي بأن يقتلك، بل يريد أن يكسر كل ما يربطك بالحياة قبل أن يسلبها منك. يريدك أن تنظر إلى نفسك فلا تجد شيئا تستند إليه، يريدك أن تموت مرتين: مرة حين تسلب كرامتك، ومرة حين يسلب جسدك.

وفي غزة، وفي السودان، وفي كل بقعة يسحق فيها الإنسان، يبقى الظلم ظلما، حتى وإن اختلفت الأسماء والخرائط. واسمع هذه القصة.

كانت الشمس تضرب الطفلة على ظهر أمها، والأم لا تشعر. وعندما وصلت إلى الحدود، وأنزلت الطفلة، وجدتها قد ماتت. لم تقتلها رصاصة، بل قتلتها حرارة الطريق

الطريق بين الفاشر وتشاد

في الطريق بين الفاشر وحدود تشاد، رأيت امرأة تمشي في صمت كامل؛ لا تنظر، لا تجيب، لا تبكي، كأن كل شيء فيها انطفأ دفعة واحدة. كانت أختها تمسك بيدها كما يمسك المرء بجسد بلا روح، تسحبه خوفا من أن يسقط.

اقتربت مني الأخت، ظنت أنني طبيب، طلبت المساعدة. قالت إن أختها لم تنطق بحرف واحد منذ أن وصلت إلى الحدود. مشت مسافة طويلة جدا، لكنها لم تقل شيئا.

سألتها: ماذا حدث؟

توقفت قليلا، ثم قالت بصوت يتقطع: "اقتحموا البيت… ربطوا زوجها… وأمام عينيه…" وسكتت. ثم أكملت بصعوبة: "انتهكوا زوجته أمامه، وحين حاول أن يدافع عنها، قتلوه أمامها، وحين حاول الابن الأكبر أن يتحرك خطوة، قتلوه هو الآخر".

المرأة رأت زوجها يقتل، رأت ابنها يقتل، رأت نفسها تنتزع من نفسها. ليس الجسد وحده ما ينتهك في مثل هذه اللحظات، بل الاسم، والتاريخ، والصوت، والبشرية.

ثم تركوها. تركوها ومعها طفلة صغيرة، هي الناجية الوحيدة من الأسرة. حملت طفلتها على ظهرها، ومشت عشرين كيلومترا تقريبا.

الجسد وحده كان يعرف أنه يجب أن يتحرك، أما الروح فقد سقطت خلفها.

كانت الشمس تضرب الطفلة على ظهر أمها، والأم لا تشعر. وعندما وصلت إلى الحدود، وأنزلت الطفلة، وجدتها قد ماتت. لم تقتلها رصاصة، بل قتلتها حرارة الطريق.

وقفت المرأة هناك، لا تبكي، لا تصرخ، لا تتكلم. كانت خالية تماما. أختها انفجرت بالبكاء وقالت جملة لن تمحى من ذاكرتي: "منو لبشوف زي دا وما يجن؟"… من يرى هذا ولا يفقد عقله؟

كيف يمكن لبلد أن ينهض إذا كانت ذاكرته مثقلة بهذه الجراح؟ كيف نتحدث عن إعادة إعمار، بينما الأرواح نفسها لم ترمم؟ الدول لا تبنى بالإسمنت وحده، بل بالعدالة

حين يتحول الجسد إلى ساحة حرب

ما حدث لتلك المرأة ليس حادثة معزولة، إنه أسلوب.

أبشع ما في الحروب ليس عدد القتلى فقط، بل تحول الجسد نفسه إلى ساحة انتقام. وحين تستخدم أجساد النساء كسلاح، فالرسالة لا تكون لامرأة واحدة، بل لمجتمع كامل. الاغتصاب في الحروب ليس جريمة فردية فحسب، بل رسالة إذلال جماعي، ومحاولة لكسر مجتمع عبر كسر نسائه.

وهنا لا تعود النار رمزية، إنها تصير احتراقا داخليا لا ينطفئ بسهولة. النار لا تلتهم الجدران فقط، بل تسكن الذاكرة، تتحول إلى صمت ثقيل، إلى كوابيس، إلى خوف ينتقل من جيل إلى جيل.

كيف يمكن لبلد أن ينهض إذا كانت ذاكرته مثقلة بهذه الجراح؟ كيف نتحدث عن إعادة إعمار، بينما الأرواح نفسها لم ترمم؟ الدول لا تبنى بالإسمنت وحده، بل بالعدالة.

كيف يبقى شعب رأى هذا كله؟ كيف ينهض وطن مثقل بهذه الذاكرة؟

لماذا خلق الله النار؟

عاد السؤال، ليس سؤال طفل خائف، بل سؤال وطن منكسر: لماذا خلق الله النار؟ إذا كانت النار خلقت للعدل، فمتى يأتي العدل لمن فعل هذا؟

ربما وجود نار أخروية ليس تهديدا، بل عزاء. عزاء للأم التي فقدت زوجها وابنها وطفلتها في يوم واحد، عزاء للمرأة التي سلبت كرامتها، عزاء لكل من رأى ما لا يحتمل. لكن السودان لا يحتاج فقط إلى وعد السماء، بل إلى عدالة الأرض؛ لأن النار حين لا يطفئها العدل تتحول إلى دورة انتقام لا تنتهي.

قبل أن نفقد عقولنا جميعا

"منو لبشوف زي دا وما يجن؟"… السؤال ليس عن الجنون فقط، بل عن البقاء.

كيف يبقى شعب رأى هذا كله؟ كيف ينهض وطن مثقل بهذه الذاكرة؟

ربما الجواب يبدأ من هنا: أن نسمي الجريمة جريمة، أن نرفض التبرير، أن نطالب بالمحاسبة، أن نحمي ما تبقى من إنسانيتنا؛ لأن النار التي خلقت للعدل ليست أخطر من نار نصنعها نحن حين نصمت.

وقبل أن نسأل: لماذا خلق الله النار؟ علينا أن نسأل: كيف نمنع أنفسنا من إشعالها في بعضنا؟

حينها فقط، قد لا نخاف من النار، لأننا لن نكون سببا في اشتعالها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

عمر عبد الرحمن أحمد غانم

المزيد من المدونات

  • ثلاث رسائل من وحي فوز عبدول السيدماذا تقول تجربة عبدول السيد في سباق ميشيغان عن الدين والسياسة والحرية؟ ثلاث رسائل إلى شباب الإسلاميين والشعوب العربية والمرشح نفسه.. كيف تتحول أصوات الناخبين إلى عمل يغير حياتهم؟
  • كيف غيرت الجزيرة طريقتنا في متابعة أخبار سوريا؟اشترى جهاز استقبال ليشاهد الجزيرة، فإذا به يرى بلده خارج الرواية الرسمية. في ثلاثينية القناة، يستعيد الكاتب دهشة المشاهدة الأولى، وكيف تابع عبر شاشتها بدايات الثورة السورية..
  • ترمب بعد انتخابات التجديد النصفي.. هل جعل أمريكا "عظيمة"؟ماذا لو كانت أعظم خدمة قدمها ترمب لأمريكا هي هزيمته؟ قراءة ساخرة في رئيس اختبر صلابة مؤسساتها وكشف هشاشتها، وفي شعبوية لا تختفي من المشهد بمجرد خسارة الانتخابات..
  • مسلمو سريلانكا.. كيف يجمعون بين الهوية والمواطنة؟كيف يحافظ مسلمو سريلانكا على هويتهم ويشاركون في صنع مستقبل وطنهم؟ من حماية الحقوق الدينية إلى قضايا التعليم والعمل والعدالة، تستكشف التدوينة ما يضيفه فقه المواطنة إلى فقه الأقليات..

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  2. 2على دراجة برفقة طفليها.. أم مصرية تكافح لتوصيل الطلبات في شوارع القاهرةبشار أبو زكري
  3. 3"اركب صاروخك وارحل".. تكساس تنقلب على ماسك بعد الهزيمة الانتخابيةسيد أحمد زروق
  4. 4إيران مباشر.. “سنتكوم” تشكل قوة “لخنق” إيران بريا وبزشكيان يدعو لتجاوز “اللاحرب واللاسلم”رضا ياسين
  1. 5بحبح يكشف دور سهى عرفات في فتح اتصالاته بحماس وتفاصيل وساطته مع البيت الأبيض فيديو, 05:23
    05:23
  2. 6جاؤوا لطردها من شقتها فوجدوها هيكلا عظميا.. ما قصة طبيبة العيون المصرية؟
  3. 7ما وراء سويفت.. من يتحكم بتحويلات أموال العالم؟ فيديو
  4. 8"أنا وأخي من الإخوان المسلمين".. كيف سخر عبدول السيد من اتهامات خصومه؟

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية