- أوروبا في عالم متغير: من تراجع النفوذ في أفريقيا إلى ارتباك العلاقة مع واشنطن
تحصد أوروبا اليوم نتائج خياراتها في أفريقيا، لا فقط بسبب صعود قوى دولية جديدة، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال، والاختزال، والتبعية السياسية التي حكمت علاقتها بالقارة منذ نهاية الحرب الباردة.
فالتراجع الأوروبي في أفريقيا، وتنامي النفوذ الصيني والروسي، ليسا تطورين مفاجئين أو انعكاسا لتحولات طارئة في النظام الدولي، بل نتيجة منطقية لفشل أوروبي مزمن في بناء شراكة تنموية حقيقية، متوازنة، ومستدامة مع القارة الأفريقية.
على مدى عقود، تعاملت أوروبا مع أفريقيا بوصفها فضاء للأزمات لا للإمكانات، ومصدرا للمخاطر أكثر منها شريكا في الفرص. نُظر إلى القارة أساسا من زاوية الهجرة غير النظامية، والإرهاب، وعدم الاستقرار السياسي، فيما غابت رؤية إستراتيجية طويلة الأمد ترى في أفريقيا مجالا للتكامل الاقتصادي، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل إنتاج مشتركة. وهكذا تحول النقاش الأوروبي حول أفريقيا إلى نقاش أمني بحت، تهيمن عليه وزارات الداخلية والدفاع، لا وزارات الاقتصاد والتخطيط.
أوروبا نفسها لم تكن لتنهض بعد الحرب العالمية الثانية لولا خطة مارشال، التي لم تكن مجرد مساعدات مالية طارئة، بل رؤية شاملة لإعادة الإعمار، ونقل التكنولوجيا، وبناء المؤسسات، ودمج الاقتصادات الأوروبية في منظومة إنتاجية واحدة
بقي الخطاب الأوروبي مشبعا بلغة القيم وحقوق الإنسان والديمقراطية، لكنه افتقر إلى الأدوات المادية والسياسات الاستثمارية التي تجعل من هذه القيم أساسا لعلاقة متوازنة، لا مجرد خطاب أخلاقي موجه للاستهلاك السياسي الداخلي.
فالقيم، من دون سياسات تنموية حقيقية، تتحول إلى لغة وعظية تفقد تأثيرها، بل وتفسر في كثير من الأحيان في الجنوب العالمي بوصفها أداة ضغط أو معيارا انتقائيا يستخدم عند الحاجة ويهمل عند التعارض مع المصالح.
المفارقة التاريخية أن أوروبا نفسها لم تكن لتنهض بعد الحرب العالمية الثانية لولا خطة مارشال، التي لم تكن مجرد مساعدات مالية طارئة، بل رؤية شاملة لإعادة الإعمار، ونقل التكنولوجيا، وبناء المؤسسات، ودمج الاقتصادات الأوروبية في منظومة إنتاجية واحدة.
ولاحقا، أعادت أوروبا إنتاج هذا المنطق، مع اختلاف السياق، في دول أوروبا الوسطى والشرقية بعد انهيار الشيوعية، حيث ضخت الاستثمارات، وأعيد بناء البنى التحتية، ودمجت هذه الدول تدريجيا في السوق والمؤسسات الأوروبية. كان الهدف واضحا: بناء استقرار طويل الأمد عبر التنمية والاندماج، لا عبر المساعدات المؤقتة أو الشروط العقابية.
أما أفريقيا، فلم تحظ يوما بمشروع مماثل. ما قدم لها كان في الغالب مزيجا من مساعدات مشروطة، وقروض مقيدة، وبرامج إصلاح هيكلي أضعفت الدولة الوطنية بدل أن تعزز قدرتها على التخطيط والتنمية.
لم تدمج القارة في سلاسل القيمة العالمية، ولم تنقل إليها المعرفة الصناعية والتكنولوجية، وبقيت علاقتها بأوروبا محكومة بمنطق المواد الخام والأسواق الاستهلاكية، لا بمنطق التصنيع والتكامل الاقتصادي. وهكذا أعيد إنتاج نمط غير متكافئ بصيغة جديدة، أقل فجاجة لغويا، لكنها لا تقل اختلالا في الجوهر.
ولا يمكن فصل هذا المسار الخارجي عن التحولات السياسية الداخلية داخل أوروبا نفسها. فقد وجدت التيارات اليمينية واليمينية المتطرفة في أفريقيا، وفي المهاجرين القادمين منها على وجه الخصوص، ضالتها السياسية المثلى: مادة جاهزة للتخويف، وأداة فعالة للتعبئة الانتخابية، ومطية للوصول إلى السلطة.
جرى تصوير أفريقيا لا كشريك محتمل في التنمية والاستقرار، بل كمصدر تهديد دائم، واختزل المهاجر الأفريقي في خطاب أمني وثقافي يقوم على الخوف والشيطنة، لا على التحليل العقلاني للمصالح المتبادلة.
اختارت أوروبا أن ترهن أمنها واستقرارها للتحالف الأطلسي، وأن تتموضع سياسيا وإستراتيجيا داخل الفلك الذي تقوده الولايات المتحدة
الأخطر من صعود هذه التيارات هو تراجع الأحزاب الليبرالية والوسطية عن أي مشاريع جدية تتعلق بالتعاون مع القارة الأفريقية في برامجها الانتخابية. فبدل مواجهة خطاب اليمين برؤية بديلة تقوم على الاستثمار، وبناء الشراكات الإنتاجية، والتكامل الاقتصادي طويل الأمد، اختارت هذه الأحزاب في كثير من الأحيان الصمت أو المسايرة، خشية خسارة الأصوات.
وهكذا تخلت تدريجيا عن أفريقيا بوصفها ملفا إستراتيجيا، وحصرتها، هي الأخرى، ضمن إطار الهجرة والأمن، ما منح اليمين المتطرف احتكارا شبه كامل لهذا الملف في المجال العام الأوروبي.
هذا المنحى لا يحمل فقط مخاطر أخلاقية أو اجتماعية، بل ينطوي على أبعاد إستراتيجية سالبة بعيدة المدى. فعندما تتحول أفريقيا إلى ورقة انتخابية داخلية، وتدار العلاقة معها بمنطق الشعبوية والخوف، تفقد أوروبا قدرتها على التفكير الإستراتيجي طويل الأمد، وتقصي نفسها طوعا عن قارة ستشكل أحد أهم مراكز النمو الديمغرافي والاقتصادي في العالم خلال العقود المقبلة.
والأسوأ أن هذا الخطاب لا يضر بالعلاقة مع أفريقيا فحسب، بل يعمق الانقسامات داخل المجتمعات الأوروبية نفسها، ويقوض الأسس الليبرالية التي قامت عليها أوروبا ما بعد الحرب.
في الوقت ذاته، اختارت أوروبا أن ترهن أمنها واستقرارها للتحالف الأطلسي، وأن تتموضع سياسيا وإستراتيجيا داخل الفلك الذي تقوده الولايات المتحدة. وسارت خلفها في تدخلات عسكرية كبرى، كما في غزو العراق والحرب في أفغانستان، رغم غياب تفويض دولي واضح، ورغم تعارض هذه التدخلات مع المبادئ التي تبنتها أوروبا نفسها بعد الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها احترام السيادة والقانون الدولي.
هذا التناقض أضعف مصداقية الخطاب الأوروبي في أعين دول الجنوب العالمي، ومنها الدول الأفريقية. فمن الصعب إقناع هذه الدول بجدية الالتزام بالقيم والقانون الدولي، في وقت توظف فيه هذه القيم انتقائيا، ويغض الطرف عن انتهاكات جسيمة عندما تصدر عن الحلفاء.
وهكذا بدا الخطاب الأوروبي، في كثير من الأحيان، منفصلا عن الممارسة الفعلية، ما عمق فجوة الثقة وفتح المجال أمام قوى أخرى لتقديم نفسها بوصفها شركاء أكثر براغماتية.
القارة التي افترضت أن التحالف مع الولايات المتحدة أمر محسوم، تكتشف أن التحالفات في عالم المصالح المتغيرة ليست أبدية
في هذا الفراغ السياسي والتنموي، دخلت الصين بقوة إلى أفريقيا عبر مشاريع البنية التحتية، والموانئ، والسكك الحديدية، والطاقة، والتمويل، ضمن رؤية إستراتيجية واضحة.
قد تكون هذه الرؤية مثار جدل وانتقاد، لكنها على الأقل قدمت عرضا ملموسا للدول الأفريقية، في وقت اكتفت فيه أوروبا بالتحذير من الخطر الصيني من دون تقديم بديل تنموي متكامل.
غير أن أزمة أوروبا اليوم لا تقتصر على خسارة النفوذ في أفريقيا، فالقارة تواجه احتمالا أكثر خطورة، يتمثل في تآكل التحالف مع الولايات المتحدة نفسها.
فالتغير الجاري في واشنطن لا يرتبط بإدارة بعينها، بل بتحول بنيوي في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، حيث تتقدم الأولويات الداخلية، وتتجه الأنظار نحو آسيا والمنافسة مع الصين، بينما تتراجع الرغبة في تحمل أعباء الدفاع عن أوروبا. لم تعد القارة ترى بالضرورة كشريك متكافئ، بل كعبء أمني يعتمد على مظلة لم يعد استمرارها مضمونا.
وهكذا تجد أوروبا نفسها أمام مأزق مزدوج: لم تطور استقلالها الإستراتيجي، ولم تبن قدرة ذاتية كافية للعمل خارج الإطار الأمريكي، وفي الوقت نفسه تكتشف أن الاعتماد الطويل على واشنطن لم يعد ضمانة دائمة.
الخلاصة أن أوروبا تواجه لحظة كشف تاريخية. فالقارة التي أهملت أفريقيا واختزلتها في الأمن والهجرة، تجد نفسها اليوم تدفع ثمن هذا الإهمال.
والقارة التي افترضت أن التحالف مع الولايات المتحدة أمر محسوم، تكتشف أن التحالفات في عالم المصالح المتغيرة ليست أبدية. أوروبا لا تخسر أفريقيا بسبب الصين، ولا تواجه احتمال التخلي الأمريكي بسبب ظرف عابر، بل لأنها لم تبن مشروعا مستقلا، لا تنمويا في الجنوب، ولا إستراتيجيا في النظام الدولي الجديد.
ومن دون مراجعة جذرية لهذه الخيارات، تخاطر أوروبا بأن تجد نفسها في عالم متعدد الأقطاب بلا نفوذ حقيقي، وبلا شركاء موثوقين، وبلا رؤية واضحة لمستقبلها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.













