سمعتُ محاضرات قبل مدة لأحد المؤلّفين المشهورين في العالم العربي، يتكلم فيها عن طرق التأليف وكيف يمكن لأي شخص أن يؤلف كتابا بأيسر الوسائل المستطاعة، فكان يُعطي طريقة أقرب ما تكون لعملية القص واللصق، مع أنه يبدو في الظاهر أن هذه الطريقة عبقرية ولم يسبقه لها أحد من قبل من خلال طريقة عرضه إياها وشرحها لطلبته، فعلى سبيل المثال، فإنّ من يتّبع هذه الطريقة قبل أن يؤلف كتابا يقوم بجمع حوالي خمسين مرجعا في الموضوع الذي يريد الكتابة فيه، ويحضر 150 ورقة فارغة ويكتب عليها عناوين الأبواب والفصول، ثم يقسم الفصول إلى فقرات، ثم يعطي الفقرة الواحدة ثلاثة أفكار أو أكثر، وهي حقا طريقة مفيدة لجمع المعلومات المتفرقة في بطون الكتب ولكن ليست عملية مفعمة بالإبداع واضفاء روح جديدة إلى عالم الأدب والفكر الإنساني.
وبعد ذلك يشرع في كتابة الفصل الأول، فيذهب مباشرة إلى الفصل الذي يتحدث عن موضوعه في المرجع الأول فيقرأه، ثم ينتقل للمرجع الثاني والثالث وهكذا حتى يقرأ موضوع فصله أينما وجده، حينها ينتقل مهرولا إلى الورقة للكتابة في ذلك الفصل، فيعيد كتابة ما قرأه بطريقته الخاصة -زعم ذلك-، فيخرج لنا في الأخير كتابا هو عبارة عن عدة اقتباسات، وضعت في قالب جديد وطرحت للقراء، فهذه الطريقة تقتل الإبداع وروح التجديد وإحياء الفكر الإنساني، فكيف يمكن لهذا المؤلف أن يأتي بأفكار جديدة ونظريات مستحدثة، فليس بمقدوره ذلك باتباع ما سلف ذكره، لأنه تعوّد على الأخذ من أفكار الآخرين والاقتيات عليها، فيأخذها ويمزجها ببعضها ويخرج بفكرة قديمة في حلّة جديدة.
وغالبا إذا ما حاول أمثال هؤلاء المؤلفين الانتقال من عمل القص واللصق إلى الكتابة الحرة فسيتخبّطون ويترنّحون لهول ما سيعانونه من ارهاق فكري وعقلي، فيستخدمون طريقة أخرى لا تقل بشاعة عن الأولى، بحيث يصعّبون الألفاظ والأفكار ويعقّدونها، ويجعلون القارئ يتصبب عرقا للخروج بنتيجة مجدية وعبارة كاملة، كل هذا حتى يُظهروا أنهم أذكى وأنبغ ممن يقرؤون لهم، ولا يدرون أن ذلك التعقيد يظهر حقيقة جهلهم وزيفهم.
| إنك إذ تتبع طريقة المؤلفين الأوائل القائمة على السرقة الفكرية، وإعادة صياغة كتابات الآخرين، فستُخرج عديد من الكتب خلال السنة الواحدة بدون جهد يذكر، ولكن سيعرف الجمهور زيفك ولو بعد حين |
فالكاتب الحقيقي هو الذي يوصل الفكرة إلى القارئ بعبارة واضحة أنيقة لا لُبس فيها ولا تعقيد، وهذا يتجسد في كتابات أحمد أمين وآرثر شوبنهاور ومحمد قطب وبعض كتاب عبد الكريم بكّار وغيرهم من المؤلفين، حيث يتخذون السهولة في الطرح منهجا في كتاباتهم، وأكثرهم تمسكا بهذه الفكرة هو شوبنهاور، حيث يقول أنه لم يضع يوما في أحد كتبه جملا اعتراضية أو عبارات ناقصة، فهو يرى ذلك منافٍ لمبادئه، ويعتبره إفسادا للمضمون ولانسيابية النص.
إنك إذ تتبع طريقة المؤلفين الأوائل القائمة على السرقة الفكرية، وإعادة صياغة كتابات الآخرين، فستُخرج عديد من الكتب خلال السنة الواحدة بدون جهد يذكر، ولكن سيعرف الجمهور زيفك ولو بعد حين، وستُطوى كتبك واسمك معا إلى أمد غير معلوم، أما اذا اتخذت من الصدق والابداع والوضوح منهجا لك، فستتعب في تحصيل الأفكار وصقلها واخراجها في أجمل صورها بدون تكلف ولا تعقيد، فتسارع لكتابة تلك الافكار وتقييدها، وتعمل على تنقيحها وتصفيفها، حتى عندما يطلع عليها القارئ سيشعر أنه يقرأ لإنسان مختلف، صادف تجربة شعورية وأراد التعبير عنها بطريقة موحية تلامس ذهن وقلب من يقرأها.
إنّ الكتابة باب مفتوح للجميع، ولكن لا يصمد فيها إلا صاحب القلم والفكر المتمكن من الكتابة باسترسال بدون توقف، لأن مداد الأفكار والخواطر لا ينقطع عنه ولا يخونه، وكثرة الكتب لا تجدي نفعا، إذا كانت خالية من القيمة المضافة للثقافة الإنسانية والموروث الديني والعلمي، بل انّ تلك الكثرة تسويدٌ للورق، من قبل أناس لا يستحقون كتابة أساميهم حتى على هامش الكتاب.

وغالبا عند بداية مشوارك في التأليف ستصادفك الكثير من العقبات والتحديات، وستحس أن العالم بأسره ضدك، وهذا حال الكتّاب المبدعين على مرّ التاريخ، فقد عانوا من الانتقاد والاستهزاء من طرف القريب والبعيد، بحجة أنّ ما كتبوه مجرد هراء أو نزوة عابرة أو فكرة ثائرة، وأنّ الناس من هذا الصنف، سيُكثرون عليك القول بأنك لم تصل لدرجة تمكنك من الكتابة، ومن خلق فكر وطريقة جديدة في هذا العالم، فإن استمعت إلى أقوالهم البائسة فلن تتحرك قيد أنملة، وستنهار ثقتك بنفسك وقدراتك التي بينتها مذ أول حرف سطّرته، أما إن أصّريت على الكتابة مهما تعرّضت من اللوم والطاقة السلبية فستصل إلى مرادك وإن طال الطريق، وستجد من يعطي قيمة لما تكتبه ويبرزه للقراء، فما عليك إلا التشبث بحلمك، والإحاطة به من جميع الجوانب حتى لا تضربه رياح السلبية والأفكار الهدامة.
ومن أهم الأسباب التي تمكنك من إنهاء كتابك أن تستمر في الكتابة بدون توقف، فالكتابة فعل تراكمي تتعود عليه يوما بعد يوم، فحاول أن تجعل الكتابة روتينا يوميا، بكتابة صفحة وأكثر، وفي آخر السنة ستجد أمامك مئات الأوراق، وعشرات الأفكار. وإن كنت تعتقد أنك ستقدر على الكتابة والإبداع بدون رصيد واسع في القراءة فأنت مخطئ، فهذا مثل من يريد أن يصبح عالما في الرياضيات وهو لا يعرف نظرية فيثاغورس من الأساس كمثال بسيط، فعليك بتخصيص ورد يومي من القراءة في شتى المجالات، لزيادة اطّلاعك، وحتى تكتسب الملكة البلاغية والفنية لتوصل أفكارك لمن يقرأ لك بكل يسر وبساطة. وكما قلنا سابقا، فإنّ الكتابة للجميع ولكن لا يصل إلى القمة فيها إلى المؤلفون الصادقون في طرح أفكارهم للقراء، والذين يقومون بتبسيط العبارات من دون إخلال بجمالها البلاغي والفني، وتأتي أفكارهم متسلسلة وفي تناسق بهيّ، وهذا هو الأسلوب السهل الممتنع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

















