لماذا يتجاهل الأطباء تشخيص الإناث بالتوحد؟

صور عن أطفال التوحد
التشخيص المبكر للفتيات المصابات بالتوحد يساعد في الحصول على الدعم المناسب لكل حالة (شترستوك)

حتى وقت قريب، كان يُعتقد أن التوحد يؤثر في الغالب على الأولاد والرجال بمعدل أعلى بكثير مقارنة بالنساء، إذ أشار العديد من الباحثين إلى الاختلافات الجينية. ومع ذلك، تشير الدلائل الجديدة إلى أن الحالة قد تم التقليل من شأنها إلى حد كبير في الإناث، مع أحدث تقدير يضع النسبة عند 3 إلى 1 (ذكور: إناث).

نتيجة لهذه المفاهيم الخاطئة المبكرة، غالبًا ما أغفلت الدراسات الإناث للتركيز على الذكور، مما أدى إلى تحيز جنساني في البحث. ليس ذلك فحسب، بل إن الأطباء والمعلمين وأولياء الأمور على حد سواء ربطوا بشكل أساسي هذه الحالة بالذكور؛ لهذا السبب تم التغاضي عن العديد من النساء والفتيات أو تم تشخيصهن في وقت متأخر، في حين أن بعض الفتيات تم تشخيص التوحد لديهن بشكل خاطئ تمامًا.

وبدون التشخيص المناسب، يمكن أن تكون الإناث أكثر عرضة لخطر الإصابة بمشاكل الصحة العقلية، مثل الاكتئاب واضطرابات الأكل وإيذاء النفس، التي يمكن أن تكون لها في نهاية المطاف آثار أكبر بكثير.

يتغاضى بعض الأطباء عن تشخيص مرض التوحد عند الفتيات لأنه أكثر شيوعًا عند البنين، ولأن أعراضه قد تختفي لدى الفتيات الأكبر سنًا المصابات بأشكال من التوحد أكثر اعتدالًا، كما أن للفتيات القدرة على التأقلم مع الأقران بصورة أكبر من الذكور، وهو الجهد الذي يسهم بصورة ملحوظة في غياب الأعراض الواضحة لاضطراب طيف التوحد لدى الإناث مقارنة بالذكور.

ولكن في المقابل، فإن التشخيص المبكر للفتيات المصابات بالتوحد يساعد في الحصول على الدعم المناسب لكل حالة، لذلك من المهم التعرف على الأعراض.

اضطراب وليس مرضا

التوحد هو حالة تطورية يمكن أن تؤثر على قدرة الشخص على التواصل والتفاعل مع الآخرين، ومع ذلك، تختلف الأعراض كثيرًا بين الأفراد.

وتقدر "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" (CDC) في الولايات المتحدة أن نحو طفل من كل 59 طفلا لديه تشخيص بمرض التوحد.

بعض الأطباء يتغاضون عن تشخيص مرض التوحد عند الفتيات لأنه أكثر شيوعًا عند البنين (بيكسابي)

الأعراض الكلاسيكية للتوحد

تميل أعراض التوحد إلى أن تكون هي نفسها عند الأولاد والبنات، ولكن من المرجح أن يتجاهلها الناس عند الفتيات، لا سيما أن الأعراض الأولى والأساسية للتوحد تتضمن التأخر اللغوي، وصعوبات التعلم وصعوبات التواصل الاجتماعي مع الأقران في المراحل العمرية نفسها أو مع الغرباء.

ولأن التوحد يغطي مجموعة واسعة من الأعراض، فقد أصبح مصطلح "اضطراب طيف التوحد" (ASD) هو الأكثر قبولًا الآن.

وبعض الأمثلة على الأعراض الشائعة تتضمن ما يلي:

  • لا يستجيبون عند ندائهم بأسمائهم عندما يبلغون من العمر 12 شهرًا، ويفضلون عدم الإمساك بهم أو احتضانهم.
  • لا يتبعون التعليمات، ولا يجيدون التقليد والمحاكاة.
  • لديهم صعوبة في التواصل البصري، إذ يعاني الطفل من عدم القدرة على النظر مباشرة في عين محدثه.
  • عدم النظر إلى شيء ما عندما يشير إليه شخص آخر.
  • فقدان مهارات معينة، مثل عدم نطق كلمة ما كان يمكنهم استخدامها من قبل.
  • صعوبة في شرح ما يريدون أو يحتاجون إليه.
  • صعوبة فهم ما يشعر به الآخرون.

الخصائص الرئيسية الأخرى لسلوك التوحد هي السلوكيات المتكررة وبعض السلوكيات الخارجة عن السياق المعتاد.
وتتضمن بعض الأمثلة الشائعة ما يلي:

  • مواجهة صعوبة في التكيف مع تغير الروتين.
  • التأرجح والسلوكيات المتكررة، مثل الجري في خط مستقيم والعودة إليه أكثر من مرة، ربما تتجاوز هذه السلوكيات 100 مرة إذا لم يتم تقييد هذه السلوكيات المتكررة.
  • قضاء الكثير من الوقت في تنظيم الأغراض.
  • تكرار كلمات أو عبارات أو أصوات معينة.
  • وجود استجابة غير عادية لبعض الروائح أو الأذواق أو الأصوات.
  • مشكلات الحركة، بما في ذلك ضعف التوازن والمهارات الحركية الدقيقة.

تميل معظم هذه الأعراض إلى الظهور في مرحلة الرضاعة أو الطفولة المبكرة، على الرغم من أن الآباء قد لا يتعرفون عليها دائمًا في ذلك الوقت. قد لا تصبح الأعراض الأخرى واضحة حتى يكبر الطفل.

صور عن أطفال التوحد
يقدر أعداد الأطفال الذكور المصابين بالتوحد بـ4 أضعاف الإناث (شترستوك)

أعراض التوحد المخادعة

يبدو التوحد عند الفتيات مختلفًا عن الصورة النمطية لسلوك التوحد، لذلك قد لا يقوم بعض الأطباء بتشخيصه.

السلوك المتكرر، مثل رفرفة اليدين، هو أحد علامات التوحد التي يتعرف عليها معظم الأطباء. لكن الفتيات المصابات بالتوحد قد لا يكون لديهن العديد من السلوكيات المتكررة مثل الأولاد، أو قد يكن أكثر هدوءًا حيالها.

أحيانًا تكون الفتيات المصابات بالتوحد أفضل في التحكم في سلوكهن في الأماكن العامة؛ ربما تعلمن في وقت مبكر أن يبتسمن أو يتواصلن بالعين. وقد يكن أيضًا مهتمات بتكوين صداقات أكثر من الأولاد المصابين بالتوحد.

كل هذا يمكن أن يؤدي إلى نسخة أكثر دقة من التوحد قد لا يتعرف عليها الطبيب، إذ يتم تشخيص بعض الفتيات المصابات بالتوحد على أنهن مصابات باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، التي يمكن أن تبدو متشابهة مع أعراض التوحد بصورة سطحية.

التوحد الذكوري

وفقًا لأخصائية علم النفس العصبي الإكلينيكي الدكتورة سوزان إف إبستين "لقد تبين أن النموذج الذي لدينا لتشخيص التوحد الكلاسيكي هو نموذج ذكوري. وهذا لا يعني أن الفتيات لا يناسبن ذلك أبدًا، ولكن الفتيات تميل إلى الظهور أكثر هدوءًا، وكذلك لا تظهر سلوكيات متكررة بالقدر نفسه الذي يقوم به الذكور".

ووفقًا لدراسة أجريت عام 2005 في جامعة ستانفورد، فإن الفتيات المصابات بالتوحد يظهرن سلوكًا أقل تكرارا ​​من الأولاد. ووجدت الدراسة أيضًا أن الاختلافات الدماغية بين الأولاد والبنات المصابين بالتوحد تساعد في تفسير هذا التناقض.

تضيف ويندي ناش -طبيبة نفسية للأطفال والمراهقين- أن الفتيات أكثر عرضة للتحكم في سلوكهن في الأماكن العامة، لذلك لا يلاحظ المعلمون الاختلافات، ومن ثم يتم استبعادهن من تشخيص التوحد.

المصدر : مواقع إلكترونية