وبحسب حلقة 7 نوفمبر/تشرين الثاني 2026 من برنامج "الدحيح" -الذي تنتجه "إيه جي بلس"- التي تمكنكم مشاهدتها كاملة على هذا الرابط؛ فقد اتخذ جوبز هذا القرار قبل أسابيع قليلة من إطلاق الهاتف، رغم أنه يعني تغيير خط الإنتاج وعجلة التصنيع بالكامل.
وبالفعل، وصلت الشاشات الجديدة إلى الصين في وقت متأخر، وكانت الكمية المطلوبة كبيرة جدا، فأيقظ مدير المصنع العمال من نومهم مخالفا بذلك القانون، وبعد دقائق قليلة وجد أكثر من 8 آلاف عامل متأهبين على معدّاتهم.
أخبار مقترحة
وخلال 12 ساعة، أنتج العمال 10 آلاف هاتف بالمواصفات الجديدة، وهو ما علق عليه أحد الأمريكيين بقوله إنه من المستحيل على مصنع أمريكي القيام بمثل هذا الفعل، وهو ما يكشف سبب تسمية الصين بـ"مصنع العالم".
وبحسب "الدحيح"، فإن قصة الصناعة في الصين لم تبدأ مع ستيف جوبز، ولكنها بدأت قبل سنوات طويلة عندما قرر أحد الفلاحين التحايل على نظام الزراعة الذي لم يكن يضمن دخلا كافيا للفلاحين، مما أدى إلى موت نصف سكان قريته جوعا.
فكرة غيرت الصين
ففي عام 1978، قرر فلاح يدعى يان هونغ تشانغ الاتفاق مع 17 من فلاحي قريته للالتفاف على نظام العمل بالنقاط في أراضي القرية، والذي لم يكن يضمن دخلا كافيا للفلاحين.
وبعد أن كان الفلاحون يعملون معا في الأرض مقابل نقاط تعادل ساعات العمل بغض النظر عن حجم الإنتاج الفردي، قرر يان تشانغ تخصيص قطعة أرض لكل فلاح سرا، بحيث يدفع كل فلاح النسبة الحكومية من محصول القطعة التي يتولى زراعتها ويحتفظ بالبقية لنفسه.
وكانت عقوبة مخالفة قانون الزراعة تصل إلى الإعدام، لكن الحيلة التي ابتكرها يان تشانغ لرفع الدخل زادت المحاصيل ومعها دخل الفلاح من 22 يواناً (نحو 3 دولارات) إلى 400 يوان (نحو 55 دولاراً)، وهو ما لفت نظر الحكومة.
ورغم قوة قوانين الصين الشيوعية، فإن الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ قرر تفعيل نظريته التي تقول "إن لون القطة ليس مهما، المهم أن تصطاد الفأر"، فلم يعاقب الفلاحين وإنما تبنى الفكرة وطبقها في أنحاء البلاد تحت اسم قانون "المسؤولية الأسرية عن الإنتاج"، لأنه كان معنيا بالنتيجة.
وخلال 5 سنوات فقط (1978-1984)، زاد إنتاج الصين من المحاصيل من 305 ملايين طن إلى 407 ملايين طن (25%). ومع هذه القفزة، أبدى الفلاحون اهتماما أكبر بزيادة الإنتاج وجودة المحاصيل فبدؤوا الاعتماد على التكنولوجيا المتطورة، وهو ما أدى في النهاية إلى إحلال الآلة محل ملايين الفلاحين.
وبدلا من أن يتحول هؤلاء الفلاحون إلى عاطلين، فقد ذهبوا للبحث عن أي عمل بعيدا عن الريف، ليتحولوا إلى قوة عاملة في المصانع الصينية التي لم تكن موجودة أصلا، حتى قرر صاحب مصنع حقائب يد في هونغ كونغ يدعى زانغ زيمي الاستفادة من هذه الأيدي العاملة الرخيصة.

بداية الصناعة
ففي ذلك الوقت، كانت هونغ كونغ تصدر بعض الحقائب والملابس والألعاب إلى الولايات المتحدة، لكن صغر مساحتها وصل بالإيجارات إلى أرقام مرتفعة جدا، وبالتالي لم يتمكن زيمي من زيادة أجور العمال الذين بدؤوا في المطالبة بتحسين أوضاعهم، بينما لا يمكنه رفع أسعار الحقائب على الأمريكيين بسبب وجود منافسة مع تايوان وكوريا الجنوبية.
وبالفعل، ذهب زيمي إلى حكومة بكين يحمل 3 ملايين دولار هونغ كونغي (نحو 387 ألف دولار)، وعقد معها اتفاقا ينص على التزامه بتوفير التصميمات والمادة الخام مقابل التزام الصين ببناء مصنع وتوفير العمال، وهكذا تأسس مصنع "تايبينغ" المعروف للحقائب.
وبناء على هذا الاتفاق، كانت الصين تحصل فقط على أجور العمال بينما يحصل زيمي على الربح كاملا تقريبا. ومع الوقت حذا آخرون من هونغ كونغ حذوه، فتأسست عدة مصانع صغيرة في الصين غالبا ما كانت تقام في البيوت الخالية.
لكن هذا الأمر جعل الصينيين يشعرون بعودة الاستعمار إليهم مجددا، لأن المستثمرين الخارجيين كانوا يتحكمون في الاقتصاد المحلي من خلال العمال، لكن الزعيم دينغ شياو بينغ قرر إمساك العصا من المنتصف، فسمح بفتح 4 مناطق اقتصادية خاصة صغيرة على الساحل، ومنح المستثمرين الأجانب تسهيلات كبيرة لتشجيعهم على فتح مصانع جديدة لا تخضع للقوانين الصينية.
ومع الوقت، كانت أوضاع الفلاحين قد تحسنت بسبب نظام الزراعة الجديد وأصبحت لديهم فوائض مالية، فقرر بعضهم فتح ورش صغيرة لصناعة الملابس أو الطوب لزيادة الدخل، وهو ما عُرف لاحقا باسم "شركات الريف والبلدات"، التي ارتفع عدد العاملين فيها من 28 مليونا عام 1978 إلى 135 مليونا عام 1996.
ويقدر إنتاج هذه الورش بربع الاقتصاد الصيني، فضلا عن دورها في تعليم الفلاحين فنون الصناعة والصيانة وتصليح الأعطال وإدارة العمال وخطوط الإنتاج، وصولا إلى تحول أصحابها إلى رجال أعمال يمكنهم وضع دراسات جدوى لمصانع كبرى والبحث عن المستوردين وتلبية طلباتهم.

إيجاد المستثمرين
بيد أن هذه النقلة لم تكن كافية لجعل الصين على ما هي عليه اليوم، فقد كان ينقصها المستثمرون الذين يمكنهم شراء منتجات هذه الطاقة الهائلة من العمال، ولم يجد الصينيون أمامهم أفضل من الأمريكيين الذين يُعتبرون أفضل مشتر في العالم.
وبينما كانت الصين تبحث عن المستثمر، كانت تجارة التجزئة تتراجع في الولايات المتحدة بسبب ظهور المتاجر الكبرى التي توفر كل شيء في مكان واحد وبسعر أقل، والتي واجهت مشكلة استلام المنتجات مع تزايد الطلب عليها.
فقد كانت هذه المتاجر بحاجة لاستلام المنتجات في توقيتات محددة وبمواصفات محددة حتى لا تخسر عملاءها، وهو ما يتطلب موظفين للفحص والاستلام وعمليات نقل واسعة، وهنا ظهرت الصين كحل سحري يوفر كل هذا الأمر دون تدخل من المستثمر الأمريكي.
وهكذا، أصبحت التجارة تمثل نصف صادرات الصين بداية الألفية الحالية، وذلك من خلال تجميع المواد الخام القادمة من الخارج. ومع الوقت بدأ أصحاب مصانع اللعب يلجؤون إلى الورش الصغيرة لعمل التصميم وإنتاج الكراتين بدل انتظار وصولها من الخارج توفيرا للوقت.
وبعد الكراتين والتصميمات، بدأ أصحاب الملابس يلجؤون إلى الورش لتصنيع السحّابات مثلا، ثم بدأ عمال يقومون بأعمال الصيانة للماكينات التي تنتج كل هذه المنتجات. ومع تتابع حركة الإنتاج هذه اتسعت الدائرة وانتقلت الصين إلى مكان آخر.
فالفلاحون الذين كانوا يعملون في الحقول صباحا وفي الورش مساء، بدؤوا شراء ماكينات مستعملة وتصليحها لإنتاج منتجات صغيرة، ما لبثت أن تطورت مع مرور الزمن.
ففي منتصف الثمانينيات، كان الفلاحون في مدينة داتنغ ينتجون بعض الجوارب في بيوتهم بعد العمل في الحقول، لكن المدينة اليوم تنتج 25 مليار زوج من الجوارب، تعادل 70% من إنتاج الجوارب في الصين وثلث إنتاج العالم سنويا.
ولعل هذا ما دفع الصين لإقرار منهج يقوم على عمل اقتصاد سوق داخل نظام اشتراكي، وذلك لحل جدلية طبيعة النظام (شيوعي أم رأسمالي)، فاحتفظت الدولة بالشركات العملاقة وتخلت عن الصغيرة للأفراد، تجنبا لأي كارثة محتملة قد تترتب على ديون الشركات.
واليوم، أصبحت الصين تمتلك خبرات في كل مجالات التصنيع تقريبا مما يجعلها المكان الذي لا يمكن استنساخه بسهولة، لأن بناء المصانع ليس هو السبب وإنما وفرة العمالة والمصممين والمبتكرين، الذين جعلوا بكين تسيطر على ثلث الإنتاج الصناعي العالمي حسب بيانات 2020، وساعدت في انتشال 800 مليون صيني من الفقر.
وبعد نصف قرن من تلك الليلة التي وقع فيها يان تشانغ والفلاحون الـ17 على الورقة التي نصت على التزام البقية برعاية أولاد من يتم إعدامه منهم بسبب التحايل على نظام الزراعة القديم، أصبحت الصين مصنع العالم ووضعت هذه الورقة داخل المتحف الوطني كواحدة من الوثائق الرمزية التي ساهمت في بداية عصر الإصلاح.

