• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
  • سكون
  • ميدان

كيف أزيد من ثقتي بنفسي؟

مريم ناجي
10 نوفمبر 2022آخر تحديث: 30 مايو 2024 12:54 (توقيت مكة)

وقت القراءة: 16 دقيقة

أودّ أن أوقفك لحظة وأقترح عليك تمرينا خفيفا: تخيَّل شكل حياتك في حال كنت تتحلى بالثقة في نفسك، تخيل الصوت الناقد في رأسك صامتا، تخيل الفرص التي تخليتَ عنها لأنك خائف أو قلق أو تشعر أنك لست كفئا، كلها مسميات متنوعة لأمر واحد يؤدي إلى النتيجة نفسها، تخيل ما فاتك من متعة وفرح، تخيل كل ما لم تعشه بسبب تحجيمك لذاتك.

 

نفترض خطأً أن الثقة بالنفس هي عطية سماوية مجهولة، لا أحد يعرف مصدرها أو طريقة بنائها، إما أن تولد بها وإما أن تعيش أيامك في تعثرٍ وقلق، أنت وحظك، لكنَّ هذا عارٍ من الصحة، فالثقة مهارة تتأسس على أفكارنا حول العالم والمكانة التي نحتلها فيه. دراسة هذه الأفكار وفحصها هي ما سيؤدي إلى بناء قدرةٍ صلبة على هزيمة التردد والقلق حيال ذواتنا، يمكننا احتراف فن الثقة بالنفس.

أخبار مقترحة

  • Fighters from the Saudi-led coalition hold a position during clashes with Iran-backed Houthis in Yemen's northwestern Jawf province on November 2, 2026.
    شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي

ما يجب أن تعرفه

بدايةً سنهدم بعض الثوابث المتعلقة ببناء ثقة قوية بأنفسنا. كم مرة سمعت تشجيعا على الإنترنت أو في أحد كتب المساعدة الذاتية يؤكد لك أن أينشتاين كان طالبا غبيا، بمعنى أنه شخص غيَّر قواعد الفيزياء وكان فاشلا في دراسته، أي بإمكانك أنت أيضا فعلها؟! أو معلومة أننا نستخدم 10% من أدمغتنا، فتخيل براعتك إن استخدمته برمته؟ أو أن عليك أن تغيِّر طريقة حديثك مع ذاتك، لا تقل لنفسك إن أحدا لن يحبك، بل قل لنفسك كم أنت جميلٌ ورائع ومذهل، لتقوي من ثقتك في نفسك بنفسك؟(1)

(شترستوك)

ربما وقعنا في فخ هذه المعلومات ولم نتحرَّ دقتها بحثا عن مخرجٍ سهل ومطمئِن. أينشتاين لم يكن فاشلا، بل واجه صعوبات فحسب مع مادة الفرنسية في سنواته الأولى، لكنه كان متفوقا في الرياضيات والفيزياء وتخرَّج بمعدل عالٍ في جميع المواد. أما بالنسبة لاستخدام جزءٍ بسيط من أدمغتنا فهي معلومةٌ مضللة ولا إثبات علمي لها، فحص العلماء الدماغ ولم يجدوا جزءا واحدا لا يُستخدم على مدار اليوم، كل جزءٍ يؤدي وظيفته، وفي حال عجزه عن ذلك يعني أن خللا أصابه.

 

عام 2009، نُشرت دراسةٌ في إحدى أهم الدوريات العملية في حقل علم النفس بعنوان: "الحديث الإيجابي مع الذات: قوةٌ لبعض الناس، وقنبلةٌ موقوتة لآخرين"، وضَّحت تلك الدراسة أنه في حالة الناس الذين يعانون من تدني احترام الذات، يتضاعف استياؤهم بعد تكرار العبارات المشجعة، مثل "سأنجح" أو "إنني ذكية". تخلق تلك العبارات جدالا حادا في أفكار الشخص، ويسعى بلا هوادة لدحضها، فينتهي المطاف به في حالٍ أسوأ قبلها، بل كانت المفاجأة أنه ظهر تحسُّن في مزاج المشاركين حين أخبرهم الباحثون بأنه لا بأس في أفكارهم السلبية عن ذواتهم(2).

 

يقول المعالج النفسي "روس هاريس" في كتابه "فجوة الثقة" إنه التقى بالكثير من الناس الذين عزفوا عن تنفيذ أحلامهم فقط لأنهم لا يتحلون بالثقة الكافية. أشدَّ ما يحزنه ليس الأمل المعلَّق، بل هو أن افتقار الثقة بالذات هذا لا يعود إلى أخطائهم أو غبائهم أو كسلهم أو أفكارهم المُثبطة أو طفولة شاقة أو حتى خلل كيميائي في أدمغتهم، بل إن السبب يُحزنه لبساطته، أنهم لا يعرفون قواعد لعبة الثقة.

كتاب "فجوة الثقة" لـ "روس هاريس"
كتاب "فجوة الثقة" لـ "روس هاريس"

ماذا أفعل إذن لأعزز ثقتي بنفسي؟

  • أولا: غيِّر مساعيك، نتائج الثقة وأفعالها لا الشعور بها

يقول هاريس إننا لا نفهم الثقة كما ينبغي، نسعى دائما للتمسك بالشعور بها، وهو مسعى وهمي، يسأل بداية: لماذا تودُّ أن تثق في نفسك؟ لتتحسن في وظيفتك، لتفخر بنفسك، لتُقدِم على تلك الخطوة التي أجلتها، أو لتشعر أنك جميلٌ ببساطة. ما منبعها؟ التوقعات المهولة التي نضغطُ بها على أنفسنا، القسوة في انتقاد الذات وتضخيم السلبيات، الانشغال بمخاوفنا أكثر من اللازم، قلة الخبرة والمهارة في مساعينا.

 

لكن حلّ تلك المعوقات هي "دورة الثقة"، بداية سنغير مسار تركيزنا من الشعور ذاته إلى الهدف نفسه. مارس المهارات المطلوبة، لا يمكنك تعلُّم السباحة من الكتب، عليك القفز في الماء، هكذا هي الثقة أيضا، إن أردتَ أن تصبح واثقا من نفسك في شيءٍ ما، تدرَّب عليه. لن يُثمر التدريب دون تطبيق عملي، يُساعدك هذا في فصل المهارة التي تودُّ إتقانها عن مشاعرك حيالها. تريد التحدث أمام الجمهور ببراعة، التدريب والتحضير مهمان، لكن أن تخلق حالة شبيهة بما قد تتعرض لها أمام الجمهور وتكررها فأنت تصبُّ كل تركيزك على المهمة نفسها وليس على تصوراتك أو توقعاتك.

 

قيِّم النتائج دون قسوة: ما الأخطاء التي وقعت فيها بعد حديثك أمام الجمهور أول مرة؟ ما الشيء الذي ستغيره المرة القادمة خلال مرحلة الاستعداد؟ لا تتكون المهارات والثقة في يومٍ وليلة، وأن تتوقع هذا من نفسك ظلمٌ بالغ لها. في النهاية، عدِّل ما يحتاج إلى تعديل، لأنك في حال كررت العملية بحذافيرها فلا غرابة أن تحصل على النتيجة نفسها. ثم هكذا، بالتدريج والاستمرار، تنال النتيجة التي تطمحُ إليها، وتزداد ثقتك في ذاتك بطبيعة الحال. فكّر في كل الأشياء التي تفعلها باعتيادٍ بالغٍ الآن، أي مهارةٍ مهما كانت بسيطة ومهمشة من شدة إتقانك لها، وصلتَ لتلك المرحلة فيها لأنك كررتها دون أن تلاحظ لدرجة أنك تؤديها بنصف انتباه، بإمكانك السير والتحدث والقراءة والتسوق وتناول الطعام وقيادة السيارة، كيف؟ التكرار.

 

  • ثانيا: انظر إلى تصوّراتك السلبية عن نفسك بعينٍ جديدة
يُشير هاريس إلى "العلاج بالتقبُّل والالتزام (ACT)"، الذي أثبت في حالاتٍ كثيرة ودراساتٍ علميةٍ موثقة أنه يقلل مستويات التوتر ويزيد من الشعور بالثقة في النفس ويعزز إنتاجية الفرد.
يُشير هاريس إلى "العلاج بالتقبُّل والالتزام (ACT)"، الذي أثبت في حالاتٍ كثيرة ودراساتٍ علميةٍ موثقة أنه يقلل مستويات التوتر ويزيد من الشعور بالثقة في النفس ويعزز إنتاجية الفرد. (شترستوك)

ربما سمعت من قبل كلاما مثل: "لا يفكر الواثقون من أنفسهم بطريقةٍ سلبية"، "إن حدَّثت نفسك بإيجابيةٍ فستتغلبُ على كذا"، بل ربما سمعتَ النسخة الأكثر تطرفا التي تقول إن الأفكار السلبية شديدة الخطورة إلى حدّ أنك إن ركزت معها فستتحول إلى حقائق تعيشها. هل فعلا أفكارنا، السلبي منها تحديدا، تتحكَّمُ في أفعالنا؟ يؤكد لنا هاريس أنها تصور غير واقعي، كم مرة فكرت في أنك تودُّ ترك الجامعة نهائيا؟ كم مرة فكرت في الصراخ في وجه أبويك لأنهما ضايقاك؟ كم مرة فكرت في الانتقام من شخص ما؟ كلنا خضنا هذا، هل تحكَّمت تلك التصرفات بك وبنيت عليها قراراتك؟ إن كنت نفذتها في كل مرة، هل كان سيتبقى لك أصدقاء؟ هل كنتَ ستجد وظيفة أخرى؟ تؤثر أفكارنا علينا بلا شك، لكن الخبر السار هو أن بوسعنا التحكُّم في هذا التأثير.

 

يُشير هاريس إلى "العلاج بالتقبُّل والالتزام (ACT)"، الذي أثبت في حالاتٍ كثيرة ودراساتٍ علميةٍ موثقة أنه يقلل مستويات التوتر ويزيد من الشعور بالثقة في النفس ويعزز إنتاجية الفرد، بناءً على ذلك لا يلجأ المعالج إلى تقليل الأفكار السلبية أو تغييرها أو منعها، لأن العلاج ينطلق من فكرة أن الأفكار السلبية لا تلعب الدور شديد الأهمية الذي نتصوره. يولي هاريس الأفكار السلبية اهتماما حين يعلق المرء فيها، حين يُعاملها كالحقائق المقدسة، حين تسيطر على كل تركيزه وتأخذ كل اهتمامه، حين يدخلُ في عراكٍ معها، حين ينصهر معها وتصبح جزءا من كينونته. ليس الهدف من هذه النظرة الجديدة هو تهميش الأفكار السلبية أو التقليل من شأن تأثيرها، بل الهدف هو تقوية ذواتنا نحن حتى نتمكن من التصدي لها بشجاعةٍ وبناء مقاومةٍ أمامها، ومنها نصل إلى ثقةٍ متينةٍ في أنفسنا(1)(2).

 

  • ثالثا: لا تندمج مع أفكارك السلبية، لاحظها واتركها ترحل
فهم الأفكار السلبية هي الخطوة الأولى للتعامل معها بحكمة. يقول هاريس إن المسألة لا تدور حول صحة الأفكار من عدمها، بل على مدى إفادتها لك.
فهم الأفكار السلبية هي الخطوة الأولى للتعامل معها بحكمة. يقول هاريس إن المسألة لا تدور حول صحة الأفكار من عدمها، بل على مدى إفادتها لك. (شترستوك)

عكس الانصهار الانفصال، علينا إدراك أن تلك الأفكار هي مجرد تصوراتٍ وكلماتٍ تكوَّنت من أسوأ تجاربنا وأقساها، تفقدُ تأثيرها وسلطتها حين نتعلم الانفصال عنها، وستدرك أنه ما من داعٍ لمحاربتها أو كبتها. يُشبه عقلنا آلةَ مبررات، بمجرد أن تفكر في إحداث تغيير معين، سيقذفك بقائمةٍ طويلةٍ ومقنعة بمبرراتِ أن تظل مكانك وألا تفعل شيئا. من الطبيعي أن تراودك أفكارٌ مثل: "لا أشعر بالحماس"، "لا أظنها ستكون بهذه السهولة"، "إنني مشغولٌ للغاية؛ لذا عليَّ أن أتروى وأبحث في الأمر"، "فشلتُ في كل مرة؛ لذا لا داعي للمحاولة"، القائمة لا تنتهي.

 

فهم الأفكار السلبية هي الخطوة الأولى للتعامل معها بحكمة. يقول هاريس إن المسألة لا تدور حول صحة الأفكار من عدمها، بل على مدى إفادتها لك. حدد هدفا معقولا، اكتبه في ورقةٍ بهذا التفصيل: "في يوم…، بتاريخ…، الساعة…، سأفعل… [ثم اكتب بالتفصيل ما يتطلبه الهدف من حركاتٍ جسدية]"، أنت تقطع وعدا مفصلا لذاتك المستقبلية، رحلةٌ قصيرة ستُرافقك معها أفكارك السلبية خطوة بخطوة، لكن التصرف من منطلق الثقة في الذات من البداية هو ما سيُعزز وجودها وسيقلِّصُ تأثير أفكارك السلبية، يختلفُ هذا تماما عن مبدأ التظاهر بالثقة لحين إتقانها، هنا تبنيها بالوعود والتطبيق.

 

يقترح هاريس عدة طرقٍ للانفصال عن الأفكار السلبية، تذكَّر أن هدف هذا التمرين هو ملاحظة سُخف الأفكار، وأنها مجرد كلماتٍ جوفاء لا سلطة لها عليك، ولهذا السبب قد تشعر أنها أضحوكة وليست تدريبا.

 

طريقة مرئية متخيَّلة:

قُل الفكرة لنفسك في صمت، وآمن بها قدر المُستطاع.أغلق عينيك وتخيَّل حاسوبا، واقرأ فكرتك في كلماتٍ على الشاشة كُتبت بخطٍ أسود بسيط.الآن العب بالخط ولوِّن النص لكن لا تغيِّر الكلمات نفسها، فقط تأملها بثلاثة ألوان وخطوط مختلفة.أعِدها إلى الخط الأسود، الآن غيِّر التنسيق، قرِّب الكلمات من بعضها، ثم ضع بينها فراغاتٍ هائلة.أعد الكلمات إلى وضعها العادي بلا فجوات، ثم ضعها عموديا كلمة أعلى كلمة على الشاشة.أخيرا، أعدها إلى وضعها الأول، ثم تصوَّرها تتقافز من أعلى لأسفل، وإن أردتَ فلحنها بلحنٍ من اختيارك.

 

طريقة غنائية مسموعة:

قُل الفكرة لنفسك في صمت، وآمن بها قدر المُستطاع، لاحظ المجهود الذي تتطلبه منك.كررها، كلمة بكلمة، ثم غنّها أكثر من مرة بلحنٍ من اختيارك، سواء في صمت أو بصوتٍ عالٍ.

رابعا: لا تقع في فخ اللهفة خلف حب الذات

الأخطاء ليست فشلا بل محاولات مجهضة لم يُكتب لها النجاح بعد.
الأخطاء ليست فشلا بل محاولات مجهضة لم يُكتب لها النجاح بعد. (شترستوك)

هل تؤمن بأن حب الذات، أو تقديرها أو احترامها، هي المعجزة التي ستحلُّ مشكلاتك؟ سيحسن عملك وشخصيتك ويُضاعف حب الناس لك من شدة جاذبيتك؟ قبل الإجابة، يحكي لنا هاريس عن تحقيقٍ علمي أجري عام 2003 للتحقق من صحة تلك الادعاءات المتعلقة بحب الذات وتقديرها، تدنيه أو ارتفاعه، حيث تحرى فريقٌ مكونٌ من 4 باحثين وأطباء نفسيين في كل الدراسات التي نُشرت عنه، بحثا عن دليلٍ قاطع يؤكد تلك التصورات، لكن أتت النتائج مخالفة لكل التوقعات، كلها خاطئة، بل وجدوا أيضا أن تضخم تقدير الذات مرتبطٌ بالنرجسية والأنانية والغرور والتحامل على الآخرين وإيهام النفس بما ليس فيها، واللجوء إلى الهجوم عند تلقي الآراء أو النقد. لا ينفي هاريس أهمية احترام الذات، ولا يوصينا بأن نسحق احترامنا لأنفسنا ونتجاهله، بل يعرِّفنا على وسيلة جديدةٍ لدعم ثقتنا في أنفسنا: تقبُّل الذات(3).

 

لا تسير الأمور عادة وفق مخططاتنا حين نفعل ما لم نعتد عليه، والأرجح أننا سنتعثر مرة ومرتين وربما أكثر قبل تحقيق ما نريد، هذه إحدى قواعد الحياة، قد نتفقُ على هذا الآن ونراه أمرا منطقيا فعلا، الأخطاء ليست فشلا بل محاولات مجهضة لم يُكتب لها النجاح بعد، لكن ماذا عن حين نتعثر فعلا؟ لا تلطفُ بنا أفكارنا حينها، وسنعودُ إلى الوضع المعتاد، وسنبدأ في تقريع ذواتنا ولومها. لكن إن كان التقريع سلوكا فعَّالا لتقويم شخصيتك ورفع ثقتك في نفسك، أمَا كنت لتصبح مثاليا الآن؟

 

يوصينا هاريس ببساطة بملاحظة أفكارنا عن أنفسنا والسماح لها بالرحيل. تتغير الأفكار مثل الرياح، يوما قاسية ومؤلمة، ويوما خفيفة لطيفة؛ يوما تشعر أنك الموظف المثالي، ويوما تشعر أنك لم تتعلم شيئا طوال حياتك؛ يوما ترى أنك طالب مجد وذكي، ويوما تتساءل بأي طريقةٍ ستفشل. كلها أفكار مهمةٌ وعليك ملاحظة مصدرها، الخدعة هي ألا تُعلِّق صورتك عن نفسك بها، سواء سلبية أم إيجابية، تتطلبُ تلك المهارة صبرا وممارسة حتى تتقبل نفسك وتدرك أن أحكامك هي مجرد كلماتٍ وملاحظات.

خامسا: اتبع قيمك.. تُحقق أهدافك

يقول هاريس إن قيمنا هي بوصلتنا الداخلية التي ننسى أمرها أحيانا، توجِّهنا وترشدنا في رحلتنا وتُبقينا على الطريق، أما أهدافنا فهي ما نودُّ تحقيقه على طول هذا الطريق، الهدفُ يُمكن شطبه من قائمة المهام، أما القيم فمستدامة، نتمسك بها في السراء والضراء، هي ما نحمله معنا حين نُقدِم على مغامرةٍ جديدة، وحين نحددها ونقررها ستساعدنا على برمجة عقولنا لنتعامل مع القلق والتخبط في الحياة الذي تنتجُ عنه قلة الثقة في ذواتنا.

(شترستوك)

إن قلت مثلا إن هدفك أن تحقق المركز الأول في الجامعة، فإن لتحقيق هذا الهدف شقين: عملٌ مباشر، وقيم راسخة. القيم هي تنظيم الوقت، المرونة، الاهتمام بنفسك حتى في الأيام العصيبة، أن تتعاون مع أصدقائك. بالطبع ستُحبط إن لم تُحقق مرادك، لكنك في أسوأ الأحوال سترضى أنك راعيت نفسك وأعطيتها حقها، وأنك كنت صادقا وتصرَّفت بالضبط حسب ما توقعت من نفسك. تلك القيم هي ما يملأ فجوة الثقة، أنت لا تنتظرها، بل تتصرفُ بناء عليها من الأساس، وهكذا تكسر الدائرة.

سادسا: الخوف ليس عائقا أمام الثقة

تصدَّى نيلسون مانديلا لنظام الفصل العنصري، دافع عن العدل والمساواة وحرية بلاده وسط نظامٍ وحشي وقامع، حُكم عليه بالسجن 27 عاما، حياتهُ مسطَّرةٌ بالشجاعة والإقدام، رغم ذلك يقول لـ"ريتشارد ستينجل"، مساعده في كتابة سيرته الذاتية "رحلتي الطويلة نحو الحرية"، إنه طوال كل تلك السنوات كان خائفا، "ليس في وسعي التظاهر بالشجاعة وأنني قادرٌ على هزيمة العالم كله". قد يمر في ذهنك أنك لست كمانديلا، إنه مانديلا! حقه أن يخاف، لكن لِمَ أنا قد أخف؟ نواجه جميعا تلك المخاوف بمجرد الإقدام على شيءٍ غير معتاد، لِمَ تهاب الامتحان أو اجتماعات العمل؟ لأنها شيءٌ لا يحدث كل يوم، شيءٌ تدركُ أن أحدهم سيُقيِّمك خلاله. ليس ضعفا، بل شعورا إنسانيا يخبرك أنك مقبلٌ على حدثٍ مهم وفارق في حياتك مهما بلغت ضآلته، يقول هاريس إنه في حال لم تخف فأنت فهناك احتمالان: إمَّا أن خللا أصاب دماغك وعليك فحصه فورا، وإمَّا أنك شخصيةٌ خيالية مثل جيمس بوند.

 

حين تُقبل على حدثٍ مهم، فما تمرُّ به ليس خوفا، بل هو الغريزة المُسمَّاة "fight or flight"، الحدث الخطر، بدءا من مواجهة أسدٍ في الغابة، مرورا بالحديث أمام جمهور من الناس، يخبرك أن لديك خيارين، إما القتال وإما الهرب، لن نواجه أسدا في حياتنا الآن، لذا القتال يكون بالمواجهة. حين تنظر لمشاعرك بنظرةٍ مختلفة، ولا تراها قلقا أو خوفا أو هلعا، بل حماسا متقدا يكاد جسدك يتفجر به، هنا تراه طاقة تحركك وليس شعورا يشلُّك. هل الخوف فعلا هو ما يُعيقك، أم الطريقة التي تعامله بها؟ يؤكد هاريس أن الخوف ليس الفكرة، لن نتمكن من استئصال الخوف ووضع الثقة محله، لأن الثقة ليست غياب الخوف ببساطة، يسير الاثنان بالتوازي مع بعضهما، الثقة المتينة هي علاقةٌ جديدة مع الخوف(1)(4).

___________________________________

المصادر:

  1. The Confidence Gap, Russ Harris, Robinson Publishing, 2010.
  2. Positive self-statements: power for some, peril for others, Joanne V. Wood et al., Psychological Science, 2009.
  3.  Does High Self-Esteem Cause Better Performance, Interpersonal Success, Happiness, or Healthier Lifestyles? Roy F Baumeister, et al., Psychological Science 2003.
  4. How to come out of your shell? Christian Jarrett, Psyche, 2021.
المصدر: الجزيرة

المزيد من سكون

  • علم الأعصاب يجيبك.. لم يروج ترمب الخرافات؟ ولماذا يصدقه الناس؟المعركة لم تعد فقط حول ما هو صحيح وما هو خاطئ، بل حول من ينجح في جذب الانتباه، ومن يملك القدرة على تشكيل الإحساس بالخطر، ومن يستطيع أن يقدم سردية تمنح الجمهور شعورا باليقين في عالم يتزايد فيه الغموض.
  • لماذا يعجز علم النفس الغربي عن فهم "إيمان" الفلسطيني؟يحوّل علم النفس الغربي معاناة الفلسطينيين من صدمة استعمارية وسياسية مستمرة إلى اضطرابات نفسية فردية، ما يجعله شريكا في الإبادة ومنظرا لها.
  • هل يحل الذكاء الاصطناعي المعضلة الأهم للطب النفسي؟كافح الطب النفسي كثيرا للوصول إلى دقة تشخيصية تضاهي ما نشاهده في مجالات الطب الأخرى، والذكاء الاصطناعي قد يضعه على الطريق.
  • لا نريدك أن تعيش معناتتكاثر المدن المسوّرة كجزر مغلقة للأثرياء على أطراف الحواضر، تعيد رسم الخرائط الطبقية وتغير معنى العيش في المدينة داخل الأسوار وخارجها.

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  2. 2خصم نتنياهو وشريكه في الإبادة.. من هو غادي آيزنكوت؟علي سعادة
  3. 3إيران.. إصابة ناقلتي نفط بهرمز والحرس الثوري يؤكد جاهزية الرد إذا تجدد القتالرضا ياسين
  4. 4"لمواجهة اليسار".. ترمب يثير جدلا بترشيح رئيس منظمة قتالية متحدثا باسم البيت الأبيض
  1. 5شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  2. 6انقطع صوته في الصلاة على النبي.. نهاية مؤثرة لإمام تركي بملابس الإحرام
  3. 7ما وراء ظهور رئيس حزب البشير والرسائل التي أطلقها؟النور أحمد النور
  4. 8الانتخابات والتكفير والخطوة التي تشكل حربا إسرائيلية.. الناطق باسم الحكومة الأردنية يتحدث للجزيرة نتمحمد الطراونة

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية