في الأول من يوليو/تموز 2019، كان الجميع مُتحمِّسا للتعاقد مع خوان فرانسيسك فيرير سيسيليا الشهير بـ"روبي". كان المدرب، البالغ من العمر 48 عاما آنذاك، يشعر بأنها أول خطوة كبيرة في مسيرته منذ عمله مساعدا لتاتا مارتينو في برشلونة، ومن جهة أخرى، كان أنخيل هارو، رئيس النادي، ولوبيز كاتالان، النائب والمدير التنفيذي، يملكان كل ما يدفعهما إلى الاعتقاد بأن "روبي" سينفجر مع بيتيس، إن جاز التعبير. (1)
منذ رحيله عن برشلونة في صيف 2014، نجح "روبي" في تخطي التوقعات عبر تجارب مذهلة مع بلد الوليد وهويسكا وإسبانيول. "روبي" لم يُقدِّم كرة قدم مثيرة وحسب، بل إن ما حقَّقه من نتائج كان يفوق إمكانيات هذه الأندية بكثير، في التجارب الثلاث المذكورة كان متوسط النقاط الذي تحصل عليه يتجاوز 1.6 نقطة في المباراة الواحدة. في السياق ذاته، كان متوسط رونالدو كومان مع برشلونة نحو 1.9 نقطة في المباراة. (2) (3)
أخبار مقترحة
"روبي" كان مشروع مدرب كبير ينتظر الخطوة المناسبة، وبعد موسمين من التأرجح مع كيكي سيتيان، شعر بيتيس أن اللحظة قد حانت لتقديم نسخة أفضل من المشروع الرياضي نفسه؛ كرة قدم مثيرة وجريئة وهجومية، رفقة مدرب واعد، وحصيلة مالية هي الأضخم في تاريخ النادي بعد بيع باو لوبيز وجونيور فيربو وجيوفاني لوسيلسو لروما وبرشلونة وتوتنهام على الترتيب بما يقارب 100 مليون يورو. (4)

هذه الحصيلة مَكَّنت الأندلسيين من إتمام تعاقدات تاريخية في السوق الصيفية، كان من ضمنها ضم المهاجم بورخا إغليسياس رفيق نجاح "روبي" في إسبانيول مقابل 28 مليون يورو، والتعاقد مع نبيل فقير من ليون الفرنسي مقابل 20 مليونا أخرى، وفي هذه اللحظة، بدا المستقبل في ملعب بينيتو فيامارين مُشرقا لدرجة مريبة وعسيرة التصديق. (4)
شكوك مشروعة
طبعا انهار كل شيء مع "روبي" لأسباب لم تتضح كاملة حتى الآن؛ روبلس، الحارس الأول للفريق، تراجع فجأة بعد مؤشرات واعدة في الموسم السابق، ولم ينجح أحد في ملء فراغ لوسيلسو في وسط الملعب، بالإضافة إلى مصاعب دفاعية لم تستطع ثنائية بارترا وعيسى ماندي مواجهتها، وبنهاية الموسم كان بيتيس ينجو من الهبوط بالكاد بفارق 5 نقاط فقط عن ليغانيس في المركز الثامن عشر. (1)
بعد تجربتين فاشلتين في الصين وإنجلترا، كان الرهان على بيلّيغريني ينطوي على قدر لا بأس به من المخاطرة. لا تُصدِّق ما يُكتب الآن عن الرجل، ففي مثل هذه المواقف يُصاب الجميع بداء الحكمة المتأخرة، وبعد تحقيق الإنجاز، يتساءلون في استغراب كيف مرَّ هذا الرجل من تحت أعين كل الفِرَق الكبيرة التي تجاهد للعثور على مدرب؟ الإجابة هي أن بيلّيغريني كان يبدو في نهاية مسيرته، ومنذ خروجه من سيتي في 2016، لم يُقدِّم الرجل ما يجعلنا نعتقد أنه يستطيع إعادة إحيائها مرة أخرى، حتى وصوله إلى ريال بيتيس.
في الأول من أغسطس/آب 2020، أول يوم عمل لبيلّيغريني، كان الوضع كالتالي؛ الفريق يحتاج إلى إعادة هيكلة نفسية وذهنية وتكتيكية كما هو متوقَّع، لكن المشكلة أن موارد النادي قد استُنزِفت في الموسمين الأخيرين ولم يعد هناك مجال لتغييرات حقيقية في قائمة لاعبيه. أقصى ما كان يتمناه أنخيل هارو ولوبيز كاتالان في هذه اللحظة هو أن يتمكَّن بيتيس من التقدُّم إلى النصف الأعلى من الجدول. (5)
رغم ذلك، كان بيلّيغريني يملك ما يدفعه إلى التفاؤل، فمَن أتى به إلى بيتيس كان أنطونيو كوردون، المدير الرياضي الذي عمل معه في فياريال وشهد صعوده الصاروخي قبل الرحيل إلى ريال مدريد ثم مانشستر سيتي. كوردون كان قد تولى منصبه قبل وصول الشيلي بشهرين فقط، وبدأ في العمل فورا في جميع قطاعات النادي لربطها معا وتحديد الاتجاه العام للنادي؛ بيتيس سيظل مُخلِصا لأسلوب اللعب الذي فتن العالم في العقد الأخير، الاستحواذ والضغط الشرس وروح المبادرة، و"المهندس" بيلّيغريني، أو الإنخنييرو بالإسبانية (El Ingeniero)، سيكون مُحرِّكه الرئيس. (6)
كما هو متوقَّع، كانت البداية سريعة وحيوية بعد موسم من التيه مع "روبي"؛ انتصاران متتاليان على ألافيش وبلد الوليد بشباك نظيفة، وبدا وكأن شيئا قد تغيَّر فعلا، ببساطة لأن بيتيس لم يحتفظ بشباكه نظيفة في مباراتين متتاليتين منذ ديسمبر/كانون الأول 2018.
سحر البدايات
كما هو متوقَّع أيضا، سرعان ما أطلَّت المشكلات برأسها مجددا؛ خسارة أمام ريال مدريد بعد تقدُّم 2-1 في النتيجة على ملعب فيامارين، ثم هزيمة ساحقة أمام خيتافي جوزيب بوردالاس بثلاثية نظيفة، عقبها فوز وحيد على إلتشي من أربع مباريات في نوفمبر/تشرين الثاني، وللحظة، كاد كل شيء أن ينتهي قبل أن يبدأ. لماذا؟ لأن تعيين بيلّيغريني كان به قدر لا بأس به من المخاطرة كما أخبرناك، والشكوك كانت حاضرة منذ اللحظة الأولى. (7)

بدأ بيلّيغريني العمل بإزاحة ويليام كارفاليو من التشكيل الأساسي، الشيلي كان يعتمد على 4-2-3-1 بوجود البرتغالي رفقة الأرجنتيني غيدو رودريغيز في المحور لمنح الفريق صلابة دفاعية مطلوبة بعد موسم من التفكك مع "روبي"، ولكن كارفاليو لم يَبدُ في أفضل حالاته، فعاد المكسيكي خواردادو على يسار رودريغيز بهدف منح الحرية لسيرخيو كاناليس بالتقدُّم على الأطراف وفي العمق، وهذه التفصيلة كان لها مفعول السحر.
يبدأ بيتيس بـ 4-2-3-1 على الورق، ومع صعود مونتويا/بييرين على اليمين يتحوَّل الرسم أثناء بناء اللعب إلى 3-2-3-2، الشكل الذي ينتشر بسرعة البرق في السنوات الأخيرة خاصة في مرحلة بناء اللعب من الخلف، إذ يتحرك الظهير الأيسر، خوان ميراندا المنتقل من برشلونة، إلى العمق قليلا ليُكوِّن خط دفاع ثلاثيا مع بارترا وماندي، وهذا يسمح لبيتيس بشغل كل الفراغات وأنصاف الفراغات في مرحلة الخروج بالكرة، وتوزيع زوايا التمرير بشكل يسمح بالتمرير القصير على الأرض.
بعد الانتقال بالكرة إلى نصف ملعب الخصم، يهتم رودريغيز وخواردادو بالتحرُّك لتوفير التغطية الوقائية على الأطراف، وهو ما يظهر في خريطة تدخُّلات الأول على الجانب الأيمن، أي المهمة نفسها التي كان يضطلع بها مع كلوب أميركا قبل مجيئه إلى إسبانيا ولكن على الجانب المعاكس، لمساعدة خورخي سانشيز، الظهير الأيسر ذي القدم اليمنى. كانت هذه نقطة التحوُّل الأولى في موسم بيتيس. (8)

نقطة التحوُّل الثانية أتت عندما أُصيب بارترا في وتر أكيليس، وهو ما دفع بيلّيغريني إلى الاعتماد على فيكتور رويز رفقة ماندي في محور الدفاع، الثنائية التي ستصبح، مع الوقت، من الأصلب في الليغا، خاصة مع التحفُّظ الدفاعي الذي أضافه خوان ميراندا إلى مركز الظهير الأيسر، وقدرته على التمركز الاستباقي الذكي في المواقف الدفاعية.
لم يكن كل ذلك ليؤتي ثمارا حقيقية إلا في يناير/كانون الثاني، مع ارتفاع النسق البدني لباقي عناصر الفريق. رودريغيز كان يفوز بـ 8 ثنائيات على الأقل في كل مباراة، ولكن في الوقت ذاته كانت عناصر الهجوم تُطبِّق معدلات مرتفعة من الضغط مقارنة بأقرانهم في الليغا، وخاصة نبيل فقير الذي تصدَّر القائمة لكل أجنحة وصُنَّاع لعب ومهاجمي المسابقة. (8)

في الواقع، كان هذا أهم تحوُّل مَرَّ به الفريق في السنوات الأخيرة، فحتى مع سيتيين، لم يكن هناك شك في إمكانيات الفريق الهجومية وقدرته على تسجيل الأهداف بغزارة، ببساطة لأن مجموعة عناصر الخط الأمامي كانت من الأفضل في الليغا. المشكلة كانت دائما في ترسيخ نوع من الاستقرار الدفاعي والثبات في المستوى، وهو ما تحقَّق بتعديلات تكتيكية بسيطة وفعالة بدت بديهية بمجرد تنفيذها. يكفيك أن تعلم مثلا أن "روبي" أصرَّ على إقحام كاناليس في مركز الارتكاز المساند رفقة كارفاليو لموسم كامل قبل أن يدرك خطأ فكرته.
+30%
بحلول مارس/آذار 2021، كان فريق بيلّيغريني على أعتاب التأهل للدوري الأوروبي بعد أن تحسَّن على الكثير من الأصعدة. التحليل الرقمي يُظهر أن الفارق بلغ 30% تقريبا في العديد من الإحصائيات؛ الأهداف المتوقَّعة لصالح الفريق زادت من 0.9 إلى 1.2 للمباراة، والأهداف المُسجَّلة فعليا (بدون ركلات جزاء) ارتفعت من 1 إلى 1.3، والأهداف المتوقَّعة للخصوم تراجعت من 1.1 إلى 0.8 هدف في التسعين دقيقة، أما الأهداف المقبولة فانخفضت إلى النصف تقريبا، من 1.4 إلى 0.75. (8)
بالطبع كان لعودة كاناليس من الإصابة في مطلع 2021 أكبر الأثر في تحسُّن عملية البناء الهجومي للفريق وزيادة عدد وجودة الفرص المصنوعة في كل مباراة، وبوصول بيتيس إلى 28 مباراة في الليغا، كان الفريق قد جمع 45 نقطة، الحصيلة الأعلى منذ موسم 2004-2005!
الآن يتموقع بيتيس في المركز الثالث خلف كلٍّ من ريال مدريد وإشبيلية بـ 43 نقطة من 24 مباراة، ومن المرجَّح أنهم سيتجاوزون حصيلة نقاط الموسم السابق بفارق معتبر، بالإضافة إلى احتمالية التأهل لدوري الأبطال التي لا تزال قائمة إن واصل الفريق على النهج نفسه، وستكون المرة الأولى من 2005-2006، ولكن أول خطأ قد يرتكبه أي متابع لمسيرة الفريق منذ تولي بيلّيغريني المسؤولية هو الافتراض أن رجلا واحدا، مهما بلغ حماسه وذكاؤه، قد يستطيع إنجاز كل ذلك وحده. (9)
في الواقع، بطل هذا المشروع قد يكون أنطونيو كوردون وليس بيلّيغريني، فالرجل الذي راهن على الشيلي كان له أكبر الأثر في استعادة عافية النادي المالية بعد صيفين من الإنفاق الضخم نسبيا. ومنذ صيف 2020 نجح لوس فيرديبلانكوس في تحصيل نحو 60 مليون يورو من بيع اللاعبين، مقابل ضم الكثيرين على سبيل الإعارة أو في صفقات انتقال حر، كان أبرزهم كلاوديو برافو وفيكتور رويز وخوان ميراندا، بالإضافة إلى المدافع خيرمان بيزيا الذي انضم مقابل 3.5 ملايين يورو فقط من فيورنتينا.
الأهم كان ترسيخ اتجاه عام في النادي لملاحقة التطور التقني المتزايد في اللعبة، وتطوير أقسام علم البيانات والتحليل الرقمي لدرجة غير مسبوقة، وهو أمر يُحسب لبيلّيغريني أيضا، الرجل الذي لا يمانع التعلُّم عن هذه المجالات في الثامنة والستين من عمره، ويتعاون بانتظام مع ألفارو أرانز، رئيس قسم تحليل البيانات والتقنيات الحديثة بالنادي.
"عملنا يسمح لنا بمساعدة الطاقم الفني بدراسات موضوعية عن أوضاع الفريق وعيوبه ومزاياه، وهذا يتكامل مع ما يُكوِّنونه من آراء نسبية يشوبها الانحياز أحيانا. في أندية كرة القدم، على التحيز والموضوعية أن يتعايشا معا".
(ألفارو أرانز، رئيس قسم تحليل البيانات والتقنيات الحديثة في ريال بيتيس)
الفريق وأنا

يعتقد أرانز أن استخدام منهجية المتواليات (Sequence Framework) في تحليل أسلوب لعب الفريق، أي التعامل مع كل هجمة أو متوالية من التمريرات وحدة واحدة واستخراج البيانات اللازمة منها، كان مفتاحا مهما لكشف بعض العيوب وتطويرها على مدار موسم ونصف رفقة الشيلي، إذ إن هذا الأسلوب هو ما ضمن للنادي الحفاظ على هويته التكتيكية التي حاول إرساءها في الأعوام الأخيرة رفقة سيتيان و"روبي" من بعده، التي تتميز بنوبات طويلة نسبيا من الاستحواذ، وتدرُّج بطيء بالكرة، يتخلَّله تحريك مُتعمَّد لمدافعي الخصم وخطوط ضغطه لأجل خلق الثغرة المطلوبة وتجنُّب المجازفات الضخمة في مرحلة التحضير في نصف ملعب الخصم. (10)
لاحقا، يذهب أرانز وفريقه بهذه التقنيات إلى ما هو أبعد، فتحديد أسلوب اللعب بهذه الدقة الرقمية، والقدرة على تقييم الأداء بموضوعية مقارنة بالمتوقَّع والفرص المصنوعة، يسمح لهم بتعريف الفِرَق التي تلعب بأسلوب مقارب وتضع لاعبيها في سياقات تكتيكية مشابهة لتلك التي تتكرر بانتظام في فريق بيلّيغريني، ومن ثم يوفر ذلك عليهم الكثير من الوقت أثناء البحث عن المرشحين المحتملين للانضمام للفريق في المراكز المختلفة، خاصة في مرحلة لا يمتلك فيها النادي رفاهية ارتكاب أي أخطاء في سوق الانتقالات.
هنا يظهر الدرس الأهم الذي تمنحه هذه التجربة للباقين؛ العمل الجماعي عبر قطاعات النادي ربما لا يضمن النجاح المؤكَّد، ببساطة لأننا نتحدث عن لعبة تتأثر بالعشوائية والظروف غير المتوقَّعة، وبيتيس نفسه استغرق عدة أعوام ومدربين للوصول إلى ما أراده، ولكنه يبقى السبيل الوحيد المنطقي لتحقيق النجاح بشكل مستدام والبناء على ما سبق، والتخيُّل بأن أيًّا من كوردون، أو بيلّيغريني، أو أرانز، أو هارو، كان يستطيع تحقيقه منفردا هو تخيُّل عبثي وغير قابل للتحقيق على أرض الواقع.
دائما ما سيكون هناك عنصر أكثر تأثيرا من غيره، ودائما ما سيكون هناك "أنا" في الفريق، هذا أمر مفروغ منه، ولكن فضلا عن كون تحديد هذا العنصر هو عملية بالغة الصعوبة، فحتى لو نجحنا، فإننا لن نحصل على النتائج نفسها أبدا لكثرة المتغيرات. في الواقع، النجاح بحد ذاته هو أحد هذه المتغيرات، وهو نفسه يُغيِّر أصحابه بعد تحقيق الإنجاز، ويُطوِّرهم، ويُعدِّل طريقة عملهم، ويُحوِّلهم إلى نسخ مختلفة من ذواتهم.
كرة القدم، وخاصة الأندية التي تشبه بيتيس، ستظل تمنحنا دروسا مجانية لا تنتهي فيما يخص قيمة العمل الجماعي وقدرته على تجاوز أصعب التحديات، وستظل هذه الدروس قيمة حتى تقوم الساعة أو تنهار الصناعة، ليس لأنها دروس جديدة لم نسمع بها من قبل، بل لأنها قديمة جدا، ورغم ذلك لا نعيها أبدا.
_______________________________________________________________
المصادر:
- متى انهار كل شيء مع "روبي" في ريال بيتيس؟ – Get Football News Spain
- إحصائيات "روبي" في تجاربه التدريبية السابقة – Transfermarkt
- إحصائيات رونالدو كومان في تجاربه التدريبية السابقة – Transfermarkt
- تاريخ انتقالات ريال بيتيس – Transfermarkt
- مشجعو ريال بيتيس عاشوا سنوات من المعاناة والآن فريقهم يتصدر الليغا ومستعد للفوز – iNews
- الإعلان الرسمي عن تعيين أنطونيو كوردون مديرا رياضيا لريال بيتيس – Real Betis Balompie
- مانويل بيلّيغريني يهندس طريقه للعودة إلى المجد مع ريال بيتيس – La Liga Low Down
- كيف حوَّل بيلّيغريني ريال بيتيس إلى منافس قوي؟ – Driblab
- مانويل بيلّيغريني هو حجر الزاوية في مشروع ريال بيتيس – Football Espana
- ريال بيتيس: الاعتماد على علم البيانات لاتخاذ القرارات الإستراتيجية على أسس سليمة – Stats Perform














