ولكن إلى جانب نجاحها في تنظيم البطولة ذاتها في 2010، إن اعتبرته إنجازًا؛ فإن الكثير قد طرأ منذ حينها؛ الآن تمتلك أفريقيا ثلاثة مراكز في سباق هدافي البريميرليج، بالإضافة إلى 10% من إجمالي لاعبيه، والتي ارتفعت بنسبة 70% عن أعدادهم في موسم 2005، بعد تراجع تدريجي بسبب أزمة 2008 المالية العالمية، والأهم؛ رُبع عدد لاعبي الدوريات الأوروبية إجمالًا، متصدرة الضيوف في القارة العجوز.
مقابل انتقال قليل، وأجور أقل، وعائد مالي ضخم، بالإضافة لإمكانيات بدنية خارقة غير متوفرة لأي من أقرانهم، كل ذلك جعل من أفريقيا المنجم المثالي للتنقيب عن المواهب وتحقيق الأرباح السريعة، خاصة غربها الذي يتفوق على باقي أنحائها بوضوح في الصفات الجسمانية.


النظرة الأوليّة تشي باحتلال قريب، باجتياح سلمي معاكس، بأن أفريقيا عادت لتنتقم من عهود الاستعمار والتخريب الممنهج، بعد تزايد عدد المهاجرين والمُجنسين بشكل قياسي، لدرجة كسرت أنف أوروبا العنصرية، وأجبرت أعرق منتخباتها على الاعتماد عليهم كقوام أساسي لهم، بعد أن اتضح أنه بجانب كونهم عدائين بالفطرة؛ فإنهم يلعبون كرة القدم أفضل من غيرهم كذلك.
يبدأ الأمر من مؤتمر Play The Game الدانماركي في 2009؛ مجرد منظمة أخرى غير هادفة للربح، أقامتها الحكومة الدانماركية لمتابعة الانتهاكات الرياضية الأخلاقية، والموعد تلك المرة مع بحث مأساوي قدمه الثنائي "لارس مادسن" و"ينس يوهانسون" بعنوان "الجوهرة المفقودة".
القصة ببساطة؛ أن عددًا من كبار أوروبا والبريميرليج تحديدًا، يشاركون في تجارة البشر؛ لتوفير احتياجاتهم من المواهب الشابة دون تكاليف تذكر. لا جديد هنالك، رغم بشاعته فإن هذا لا يدهش أحدًا؛ لأن كرة القدم ليست أول طابور طويل من المجالات التي تتاجر في بشر أفريقيا، وبالتأكيد لن تكون آخره، ولأن الاتحاد الدولي FIFA كان قد تنبه للأمر منذ زمن، مُصدرًا قوانين منع انتقال القُصر دوليًا، ولكن لأنه اتضح للجميع مؤخرًا أن الاتحاد الدولي كان مصابًا بكل الأوبئة الأفريقية المعتادة بدوره، من رشاوى وفساد وغيره، فإن هذا لم يكن كافيًا.

بل في الواقع كان ذلك الطريقة الأنسب لتقنين الأمر، لأن كبار الدوريات الأوروبية اجتمعوا للمرة الأولى على هدف واحد؛ الضغط على الاتحاد الدولي لتعديل القانون، أو بمعنى أصح؛ إجباره على إدراج الاستثناءات اللازمة ليبقى الوضع على ما هو عليه، وهو ما حدث بالفعل.
النتيجة أن القُصّر سُمح بانتقالهم دوليًا إذا وقع داخل نطاق الاتحاد الأوروبي، أو إذا رافقهم ذويهم في حالة هجرة "طبيعية" بحثًا عن الرزق، ومن هنا انطلق الجميع لشحن البشر وتعبئتهم جهة دول الاتحاد "الأكثر تسامحًا" فيما يخص قوانين الهجرة واستجلاب الوافدين؛ بل إن بعض الأندية اتخذت أخرى كحاضنة لها؛ تقوم بالعمل القذر بدلًا منها، وتحضر المواهب في سن الطفولة قبل أن يسبقها لهم أحد، ثم تحرص على تدريبهم وتطويرهم، واستقرارهم واندماجهم في المجتمع تمهيدًا لانطلاقهم للشاري الأصلي، والذي لن يكلفه كل ذلك سوى عُشر قيمة شرائهم إذا كانوا نجومًا بالفعل في أندية أوروبية أخرى.
المصيبة أن الكل متورط؛ الفيفا أوقف قوانينه الخاصة باشتراط تسجيل وكلاء اللاعبين في قوائمه، فاتحًا الباب على مصراعيه للنصابين واللصوص، وقائمة المشاركين في العملية تضم أندية بحجم تشيلسي ومانشستر يونايتد، وحتى الطرف الأضعف في تلك الحلقة المفرغة؛ وهم اللاعبون أنفسهم، يرفضون المشاركة في أي تحقيقات أو اتهامات رسمية خوفًا من انغلاق باب يظنونه مضمونًا للرزق، وكأن العالم الكروي الدولي قد تحول لـ"جيتو" مغلق، وأولى قواعده بالطبع هي الـ"أومرتا"؛ حيث يفضل الجميع حل الأمور بطريقتهم الخاصة دون اللجوء لأي طرف حاكم. لماذا؟ لأن الكل متورط، وهكذا، والنتيجة أن شوارع أوروبا تستقبل من 15 إلى 20 ألفًا سنويًا من الأفارقة الهاربين نحو جنة كرة القدم، ولا ينجح إلا ثلثهم في تحقيق حلمه.

المهم أن الثلاثي وقعوا على "أومرتا" أخرى عقب اختلافهم؛ بل وبرعاية من الاتحاد الأوروبي نفسه؛ قضت بأن يدفع البلوز 18 مليون باوند مقابل تخلي مانشستر يونايتد ولين عن حقوقهما في اللاعب، وتنازل الشياطين عن الدعاوى القضائية التي تتهم تشيلسي بالتأثير عليه وربما تخديره، بعد أن أتم اتفاقه معهم بالفعل، ثم ظهر بشكل مفاجئ في لندن بعد اختفائه لأيام، معلنًا تغيير رغبته للجانب الأزرق من المدينة.
بالطبع تمت التضحية بـ"آندرسن" (رئيس لين) الذي نال حكمًا بالسجن لمدة عام، لسبب بسيط جدًا؛ أنه ليس رئيس مانشستر يونايتد أو تشيلسي أو حتى توتنهام، ولن يفتقده أحد في الاجتماع القادم لتعديل قوانين الفيفا وإدراج الاستثناءات اللازمة ليبقى الوضع على ما هو عليه.
المهم أن الضرر قد وقع، ولا يوجد ما يمنعه من التكرار مستقبلًا، نادي ميكيل الأصلي لم ينل ما يستحقه مقابل تطوير اللاعب، على الأغلب لأن رئيسه قرر أن 100 ألف يورو في اليد أفضل من مليونين بعد 3 سنوات أو 5، والرائع أن تلك القوانين ما زالت قائمة حتى اللحظة، وما زالت تنتهك بشكل ممنهج في السباق المحموم على المواهب الواعدة الرخيصة؛ لأن هناك سببا منطقيا لسيطرة الصورة النمطية الدارجة عن أفريقيا؛ كقارة مليئة بالفرص والمواهب، وفي نفس الوقت فقيرة ومظلومة ومنتهكة من الجميع بما فيهم أهلها، وهو أن ما تسمعه في هذا الصدد ليس مبالغة، هي كذلك فعلًا.

















