2017.. تهجير وتسويات بمحيط دمشق

بلدة مضايا من الداخل بعد توقيع اتفاق المصالحة (الجزيرة نت)
بلدة مضايا من الداخل بعد توقيع اتفاق المصالحة (الجزيرة نت)

سلافة جبور-دمشق

دخلت الحرب في سوريا في أغسطس/آب 2016 منعطفا جديدا، مع تنفيذ أول اتفاقات المصالحة بمحيط دمشق، وتهجير أهالي مدينة داريا بريفها الغربي إلى محافظة إدلب شمال البلاد.

وقضى اتفاق داريا بإفراغها من السكان. فتوجه قسم منهم إلى إدلب، وفضل آخرون الإقامة في مراكز مؤقتة في منطقة حرجلة بريف دمشق الغربي تحت رقابة النظام. وباتت المدينة -التي كانت تضم قرابة 250 ألف نسمة- خالية تماما، مع دمار أجزاء واسعة منها.

وابتداء من أكتوبر/تشرين الأول 2016، تكرر في مدن وبلدات غوطة دمشق الغربية ما حصل لداريا. فخرج نحو سبعة آلاف مقاتل وناشط مع عائلاتهم بالحافلات من المعضمية وخان الشيح وزاكية والكسوة وكناكر والدرخبية وبيت سابر وبيت تيما والمقيلبية وكفر حور، باتجاه الشمال.

وفي الشهر ذاته وقّعت كل من قدسيا والهامة بريف دمشق اتفاقات المصالحة التي أخرجت 2500 شخص إلى الوجهة نفسها.

وشهد مطلع 2017 أزمة مياه غير مسبوقة بدمشق، مع اشتداد وتيرة المعارك في قرى عين الفيجة المحاذية للنبع الذي يغذي العاصمة بمياه الشرب. وفي نهاية يناير/كانون الثاني، خرج المئات من تلك القرى لتعود إلى سيطرة النظام السوري.

آخر حلقات التهجير في الريف الغربي كانت من نصيب بلدات سهل الزبداني الحدودي مع لبنان، وعلى رأسها مضايا والزبداني التي خرج منها المئات على دفعات في أبريل/ نيسان، لينتهي حصار النظام السوري وقصفه للمنطقة بدمار مدينة الزبداني بشكل شبه تام، ووفاة العشرات في بلدة مضايا من الجوع والمرض بعد أشهر من الحصار.

ومع نهاية العام الحالي، تتوالى أنباء عن قرب عقد اتفاق مصالحة جديد في آخر معاقل المعارضة المسلحة بأقصى الريف الغربي الجنوبي، في بلدات بيت جن والمزرعة ومغر المير. وتقول وسائل إعلام سورية رسمية إن الاتفاق سيقضي بترحيل مئات المقاتلين مع عائلاتهم إلى شمال البلاد، ليبسط النظام السوري سيطرته لأول مرة منذ سنوات على كامل ريف دمشق الغربي.

محيط العاصمة
أولى مصالحات هذا العام بدأت في مدينة التل شمال شرقي العاصمة، التي أخليت من المقاتلين نهاية العام الفائت. وفي فبراير/شباط من العام الحالي، وبعد الانتهاء من قسم لا يستهان به من مصالحات الغوطة الغربية، وجّه النظام بوصلته نحو أحياء شرق دمشق. فشنّ حملة عسكرية على أحياء برزة والقابون وحي تشرين التي كانت تعيش هدنة مستقرة نسبيا منذ عام 2014.

الحملة العسكرية على القابون وحي تشرين هذا العام انتهت بدمار شبه تام (الجزيرة)

استمرت الحملة قرابة ثلاثة أشهر، وانتهت بدمار شبه تام لكل من حيي تشرين والقابون، ومن ثم خروج الآلاف من المنطقة إما شمالا نحو إدلب أو شرقا نحو الغوطة الشرقية.

وفي المناطق الواقعة جنوبي دمشق، لا تزال بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم والقدم -الواقعة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة- تعيش هدوءا نسبيا نتيجة الهدنة التي أبرمت فيها منذ سنوات. أما مخيم اليرموك والحجر الأسود فما زالا خاضعين لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية، وهما يعيشان هدوءا تتخلله مناوشات بين التنظيم وقوات النظام، أو بينه وبين فصائل المعارضة المجاورة.

أما ملف جنوب دمشق فلم يحسم أمره بعد. ورغم تصريحات سورية رسمية تتردد بين الحين والآخر عن قرب حل هذا الملف وأهمية إغلاقه، فإن الوضع فيه يبدو ساكنا، ربما بانتظار ترحيل المقاتلين من مناطق أخرى، والتفرغ لهذه المنطقة التي يقطنها عشرات آلاف المدنيين.

مصائر مختلفة
وتختلف حياة سكان مناطق المصالحات في محيط دمشق، وذلك لأسباب بعضها يرجع لخصوصية المنطقة وموقعها، أو لصراع معين لا يزال دائرا للسيطرة عليها، أو لاتفاقات واعتبارات مرحلة إعادة الإعمار المقبلة.

لعل مدينة داريا هي من أكثر تلك المناطق خصوصية. فما زال سكانها الذين اختاروا الخروج باتجاه حرجلة يعيشون ضمن مراكز إقامة منفصلة، حيث يحتاجون لموافقات خاصة لمغادرة سكنهم نحو دمشق، بحسب مدير شبكة "صوت العاصمة" الإخبارية رائد الصالحاني.

وأشار الصالحاني إلى بناء مخفر ومستوصف وبلدية داخل داريا، بالتوازي مع إزالة الأنقاض من الطرق الأساسية التي تم تعبيد بعضها، وتمديد شبكات الصرف الصحي والكهرباء. واستدرك قائلا إن "من غير الواضح إن كان ذلك بمثابة تمهيد لعودة أهالي داريا، وهو ما يتحدث عنه النظام منذ أشهر دون تنفيذ فعلي".

ويضيف: "لداريا خصوصية بسبب قربها من مطار المزة العسكري ووجود مقامات شيعية فيها، مما جعل مصيرها محط خلاف كبير بين حلفاء النظام".

الزبداني أيضا لا تزال شبه خالية، ليس بسبب منع النظام سكانها من الرجوع، وإنما نتيجة الدمار الكبير الذي لحق بمعظم مبانيها وبنيتها التحتية. يعود أهالي المدينة بين الفينة والأخرى لتفقد منازلهم، ويحاول البعض ترميمها ما أمكن.

ارتبطت الزبداني باتفاق المدن الأربع الذي أبرم بين جيش الفتح وإيران في أبريل/نيسان الفائت، إضافة لجارتها مضايا وبلدتي كفريا والفوعة بريف إدلب، ولا تزال -إلى جانب قرى وادي بردى- محط صراع بين حزب الله وروسيا.

ويتحدث ناشطون عن وجود معابر لحزب الله إلى الأراضي اللبنانية من جهة الجبل الغربي للزبداني، وأيضا عن تواجد عناصر من الشرطة العسكرية الروسية في بلدات وادي بردى وفي ثكنة النبي هابيل المشرفة على الوادي، والتي تعتبر إحدى نقاط تمركز حزب الله الأساسية في المنطقة.

أما شرقا، فسوّي حي تشرين وأجزاء من حي القابون بالأرض. وتستمر عشرات العائلات بالإقامة داخل الحي الثاني المحاط بثكنات عسكرية ووحدات خاصة، حيث يسمح لهم بالدخول والخروج وسط إجراءات أمنية مشددة، مع منعهم من التوجه إلى طريق حي تشرين أو برزة.

وحول مشاريع إعادة إعمار الحيين، أكد الصالحاني وجود صفقة حصل عليها رجل الأعمال محمد حمشو قبل أشهر. وتزامنت أنباء الصفقة مع نشر صور على مواقع التواصل الاجتماعي لأعمال هدم لأبنية في حي القابون قبالة طريق دمشق حمص الدولي.

الزبداني بعد الحملة العسكرية (الجزيرة)

أما معظم البلدات والمدن والقرى الأخرى، فقد عادت إليها الكهرباء والمياه بالتدريج، مع فتح الطرق وإنهاء حالة الحصار وإدخال كافة المواد الغذائية والسماح بحرية حركة المدنيين.

التجنيد الإجباري
مع ذلك، يتخوف السكان من أمر آخر، وهو عودة حملات المداهمة بغرض التجنيد الإجباري أو الاعتقال لصالح أحد أفرع النظام الأمنية.

يقول حامد الأسود -وهو من سكان مدينة التل- للجزيرة نت حول الموضوع: "لم يكد اتفاق المصالحة يدخل حيز التنفيذ حتى عاد كابوس الاعتقال ليؤرق مضاجعنا. اعتقل العشرات من شبان التل كما بلدات أخرى كقدسيا والهامة، وأرسل العديد منهم للقتال مع النظام في جبهات مشتعلة بأنحاء البلاد، حتى إن بعضهم عاد إلينا جثثا هامدة. أما الاعتقالات فحّدث ولا حرج. لا مخرج لنا، فإما الموت جوعا وقصفا وإما الاعتقال والتجنيد"، أما مصير معتقلي بلدات المصالحة فلا يزال مجهولا حتى اليوم.

يشار إلى أن عشرات المدنيين ما زالوا مغيبين منذ سنوات، ولا نية واضحة للنظام في الكشف عن مصيرهم كجزء من اتفاقيات المصالحة والتسوية. تقول أم غازي المقيمة في حي برزة، والتي لا يمر يوم دون أن تنتظر عودة ابنها المعتقل منذ عام 2012: "يقول المثل رضينا بالظلم والظلم ما رضي فينا. فرحنا بالمصالحة على أمل عودة أولادنا، وهو أمل يتضاءل يوما بعد آخر".

المصدر : الجزيرة