محمد الشياظمي-الدوحة
في مؤتمر "تحديات الامتثال ومكافحة الجرائم المالية" -الذي انطلق اليوم الأربعاء بالدوحة ويختتم غدا بتعاون بين مصرف قطر المركزي واتحاد المصارف العربية والاتحاد الدولي للمصرفيين العرب- أجمعت جل الكلمات الافتتاحية على أن ظاهرة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لا تزال مصدر قلق عالمي رغم القوانين والاتفاقيات الدولية والإقليمية والوطنية التي تنسق جهود الدول والمنظمات لمواجهة تطور تلك الجرائم المالية وأساليب ارتكابها.
وقد ناقشت الجلسات الأولى للمؤتمر الذي يشارك فيه نخبة من كبار المختصين في مجال الجرائم المالية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب من مختلف دول العالم عددا من المحاور الأساسية، من بينها مدى الالتزام بالمعايير الدولية الجديدة، وتعزيز التنفيذ الفعال للتدابير القانونية والتنظيمية والتشغيلية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتهديدات التي تهدد نزاهة النظام المالي الدولي، خاصة تلك المتعلقة بالأمن الإلكتروني ورصد المعاملات المشبوهة وأمن التكنولوجيا وتحليل البيانات.
ويأتي تنظيم هذا المؤتمر في سياق التقارير الدولية الرسمية وغير الرسمية حول العالم التي أجمعت على تضاعف عمليات غسل الأموال خلال العقدين الأخيرين، حيث قدر بنك "إتش إس بي سي" خسائر الاقتصاد العالمي بسبب الجرائم المالية بحوالي 2.1 تريليون دولار في عام 2018، في حين قدر منتدى الاقتصاد العالمي مجموع الخسائر بحوالي 2.4 تريليون دولار للعام نفسه.

أعباء رقابية ثقيلة
وتطرق الشيخ محمد بن حمد آل ثاني نائب محافظ مصرف قطر المركزي رئيس اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في كلمته إلى تأثير الجرائم المالية بمختلف أنواعها على الاقتصاد العالمي والاستقرار المالي بشكل مباشر، زيادة على التحديات ومستوى المخاطر التي بات يفرضها قطاع التكنولوجيا، الأمر الذي يفرض على الجهات الرقابية والإشرافية أعباء ثقيلة لمواجهتها وخفض تأثيرها والحد من الجرائم المالية والإلكترونية.
وتحدث عن التشريعات التي سنتها قطر في مجال مكافحة غسل الأموال عام 2019، وتوافقها مع المعايير الدولية الصادرة عن مجموعة العمل المالي، وأيضا إصدار قانون مكافحة الإرهاب في العام نفسه، وإدخال التعديلات اللازمة على عدد من القوانين التي مكنت من ترسيخ أفضل الممارسات التشريعية ضمن منظومة متكاملة، إلى جانب التزامها بتوصيات مجموعة العمل المالي الأربعين والنتائج المباشرة الـ11، وذلك بصفتها عضوة في مجموعة العمل المالي "إف أي تي إف" ومجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وعضويتها في مجلس التعاون الخليجي.
وقد جاءت تلك الإصلاحات تعزيزا للجهود التي بذلتها قطر طوال أعوام مضت، وهو ما جعلها تحتل المرتبة الأولى خليجيا والثانية على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشر بازل لمكافحة غسل الأموال ومخاطر تمويل الإرهاب لعام 2017.
كما يعد العام الحالي مهما لقطر، حيث سيتم تقييم جهودها من قبل مجموعة العمل المالي "إف أي تي إف"، وهي هيئة حكومية دولية تتولى مهمة إعداد وتطوير السياسات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في جميع أنحاء العالم.

تحديات جمة
وبشكل مستمر، تعمل المؤسسات الدولية المختصة على تحديث المعايير والتشريعات اللازمة لمواكبة التحديات الجديدة، كما تسعى إلى تعزيز إجراءات الضبط الداخلي المرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتفاديا للتعرض للعقوبات تمتثل المصارف بدورها لتلك التشريعات والمعايير.
ويرى المستشار الإستراتيجي لمجموعة الامتثال لمكافحة الجرائم المالية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنطوان حبيش أن القطاع المالي والمصرفي يواجه تحديات جمة العالم العربي، من بينها وجود بنوك برساميل صغيرة لا تمكنها من الاستثمار في نظم الحماية المتطورة، ومواكبة الحركية العالمية في هذا المجال.
وقال حبيش في تصريح للجزيرة نت إن حوالي 80 ألف معيار دولي من معايير الحماية ومكافحة جرائم غسل الأموال تصدر سنويا، وتحتاج إلى فرق عمل ضخمة ونظم حديثة من أجل تطبيقها، لهذا لا بد من تعزيز التعاون المصرفي في المنطقة العربية وابتكار مبادرات قادرة على رفع جودة أدائها، وتأمين معاملاتها وإبعادها عن مناطق الخطر.
ولم يسلم قطاع البنوك من التورط في عمليات مشبوهة لغسل الأموال باعتباره أهم الحلقات التي تدور فيها الأموال غير المشروعة، وذلك لما تتمتع به هذه البنوك من تشعب في العمليات المصرفية وسرعتها وتداخلها.
وذكر رئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف العربية محمد الجراح الصباح أن التقارير الدولية تشير إلى أنه منذ عام 2009 وحتى العام الحالي بلغت العقوبات على عدد من هذه المؤسسات بسبب تورطها في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب حوالي 17 مليار دولار.
ودعا الجراح إلى ضرورة أن تتلاءم وظيفة إدارة مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب مع الإطار الكلي لإدارة المخاطر في البنوك، والنظر في تحقيق التوازن بين الحفاظ على سلامة ومتانة النظم القانونية وتطوير الابتكار في القطاع المالي والمصرفي وتعزيز الامتثال للقوانين والتشريعات المعمول بها.

خسائر كبرى
ولعمليات غسل الأموال والجرائم المالية تأثيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية وخيمة على مختلف الدول، إذ تعمل على إضعاف النظم المالية نتيجة تهريب الأموال خارج البلاد، وبالتالي إضعاف معدلات الادخار وتراجع نسبة الاستثمار الحقيقي في الاقتصاد الوطني وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يعرض التنمية الاجتماعية والاقتصادية لهذه الدول للخطر.
وإضافة إلى الخسائر المباشرة للاقتصاد العالمي من عمليات غسل الأموال فإن دول العالم تنفق سنويا على مكافحة هذه العمليات ما يقارب ثمانية مليارات دولار بحسب الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب، كما تحتل عمليات غسل الأموال وفق تقديرات صندوق النقد الدولي المركز الثالث بين الأعمال التجارية عالميا بعد تحويل العملة وتجارة النفط.
كما أظهر استبيان مؤسسة رفينتيف -وهي هيئة حكومية دولية أنشئت عام 1989- أن الشركات في المنطقة العربية تنفق حوالي 3.8% من مجمل عائداتها لمكافحة الجرائم المالية، وهي أعلى نسبة مقارنة بجميع مناطق العالم.
وسيناقش المؤتمر في يومه الثاني قبل صياغة توصياته الختامية محاور أخرى بارزة يتحدث فيها مسؤولون مصرفيون وخبراء قانونيون دوليون، ومن بينها تحديث نماذج مكافحة غسل الأموال والجرائم المالية حسب صاحب الحق الاقتصادي، وحماية بيانات الامتثال من خلال التواصل بين القنوات المطلوبة، ومكافحة الجرائم المالية العالمية في عام 2020، والتحديات والفرص لتعزيز العلاقات بين البنوك.
















