هاجر إسماعيل-الدار البيضاء
"المشكلة أنني أنفق أكثر من ربع راتبي في الدروس الخصوصية حتى لا يخرج ابني مثل إخوته من التعليم"، هذه الجملة البسيطة التي قالها عام 2006 أحد العمال لمدير شركة "دولاسوس" الفلاحية المتخصصة في إنتاج وتصدير الحوامض والطماطم، كانت بداية قصة جمعية "سندي".
فقد دفع ذلك الشركة إلى تخصيص يوم الأحد، وهو يوم الإجازة الأسبوعية، ليتحول فيه المصنع إلى مدرسة خصوصية لدعم أبناء العاملين بالمصنع مجانا.
القوانين لا تمنع التسرب
سبعة ملايين طفل يتجهون يوميا إلى مدارسهم في المغرب، في وقت يجد فيه 380 ألف طفل منهم أنفسهم مضطرين لترك التعليم والعمل لمساعدة أسرهم ماديا.
ووفقا للإحصاءات الرسمية، فإن نحو 80% من الأطفال العاملين يتجهون إلى القطاع الزراعي حيث يعملون مزارعين ورعاة، في حين تعمل النسبة الباقية في الصناعات التقليدية والخدمة في البيوت.
ورغم إصدار البرلمان المغربي في يوليو/تموز 2016 قانونا ينص على أن أي شخص يشغّل طفلا تقل سنه عن 16 عاما يعاقب بغرامة مالية تتراوح بين 2500 و3000 دولار، وفي حال تكرار المخالفة تتضاعف الغرامة، كما يمكن معاقبة المشغل بالسجن، فإن هذا القانون لم يمنع تسرب الأطفال من المدارس، حيث ما زال الفقر يدفع بالآلاف منهم لترك مدارسهم والاتجاه للعمل.

نواة لمشروع قومي
هذه الحقيقة دفعت شركة "دولاسوس" إلى قيادة المبادرة، وكما تقول مديرة جمعية "سندي" دليلة برادة للجزيرة نت فإن "الفكرة بدأت بسيطة جدا لمساعدة عمال مصنع واحد فقط كان معظمهم يدفعون جزءا كبيرا من رواتبهم لصالح الدروس الخصوصية لأبنائهم الذين غالبا ما لا يكملون تعليمهم ويتجهون للعمل مبكرا".
وتضيف برادة "كانت الفكرة هي توفير معلمين في الرياضيات واللغات، وهي أكثر المواد التي يجد التلاميذ فيها صعوبة، ويتحمل المصنع رواتب هؤلاء المعلمين".
وقالت إن الفكرة وجدت صدى كبيرا، "وبالفعل تحسنت درجات التلاميذ وقلّ التسرب، وفي عام 2007 قررنا تعميم هذه الخدمة على كل مصانع المجموعة وتم إدخال عدد أكبر من الطلاب والمواد الدراسية".

وعندما نجحت الفكرة بدأت شركات أخرى تطبق الفكرة نفسها لأبناء العاملين لديها، الأمر الذي اقتضى وجود إطار قانوني للعمل، ومن ثم تم تأسيس جمعية "سندي" عام 2009 التي قامت بعمل شراكة مع وزارة التربية الوطنية للاستعانة بالمدارس الحكومية بعد انتهاء اليوم الدراسي، أو فتح تلك المدارس يوم الأحد.
كما تم توسيع النشاط بحيث يضم المزيد من الطلاب وليس فقط من أبناء العاملين في المصانع، وبالفعل وافقت وزارة التربية الوطنية وانطلقت الجمعية في العمل من مدينة أكادير بالجنوب المغربي، ثم تحركت نحو مدن القنيطرة ومراكش والمحمدية وطنجة فالدار البيضاء، وتم التوسع في عدد التلاميذ وضم مراحل تعليمية جديدة حتى مرحلة البكالوريا.
واليوم تقدم جمعية "سندي" خدماتها في أكثر من خمسين مدرسة لما يتجاوز أربعة آلاف طالب، يعلمهم أكثر من 250 معلما يحصلون على أجور رمزية مقابل مساهماتهم في تقليل التسرب المدرسي، وكما تؤكد السيدة برادة للجزيرة نت فإن نسبة التسرب المدرسي بين التلاميذ الذين تخدمهم "سندي" تكاد تكون معدومة.
أنشطة موازية
فضلا عن الدعم المدرسي، تقوم الجمعية بأنشطة موازية للطلاب مثل الرحلات والأنشطة الترفيهية المستمرة بوصفها أنشطة مكملة للنشاط التعليمي، كما أطلقت الجمعية حملة للتوجيه المدرسي "لأننا وجدنا أن معظم الطلاب المنتمين للطبقات الفقيرة، حتى المتفوقين منهم، يفتقدون للمعلومات عن الجامعات والتكوينات المهمة لسوق العمل، فتم تخصيص يوم سنوي لتعريف الطلاب بالمدارس العليا والجامعات بالمغرب، ثم تجمعهم بعدد من طلاب تلك الجامعات لتبادل الخبرات فيما بينهم".

كما تقوم الجمعية بعمل شراكات مع مدارس عليا لتوفير منح دراسية مختلفة، وقد نجحت بالفعل في تقديم منح لطلاب من قرى أكادير والدار البيضاء في جامعة الأخوين بمدينة إفران، وهي واحدة من أفضل الجامعات بالمغرب، مما ساهم في تغيّر مستقبل هؤلاء الطلاب تماما.
وتقوم الجمعية إضافة إلى ذلك، بالتدريب المجاني للمعلمين العاملين معها لتطوير طرق التدريس، واستخدام طرق مرنة وجذابة لتعليم التلاميذ، ووضعت الجمعية برنامجا حديثا لتعليم الطلاب وأتاحته مجانا عبر موقعها الإلكتروني ليقوم أي معلم باستخدامه في تعليم التلاميذ في مدرسته.
















