مؤامرة أم عبقرية.. كيف استطاع بيل غيتس أن يتوقع كورونا؟

اضغط للاستماع

"لو أخبرتم حكوماتكم الآن أن هناك تهديدا بأسلحة من شأنها أن تقتل 30 مليون شخص، فسيكون هناك شعور بالإلحاح بشأن الاستعداد للتهديد، ولكن في حالة التهديدات البيولوجية فإن شعور العجلة هذا غير موجود"

                                      (بيل غيتس)

قبل عدة سنوات، وأثناء تصفّحك لعدد من أعداد المجلة العلمية "العلوم للعموم"، كنت ستصل إلى صورة تعرض ثلاثة رواد فضاء يقفون بمحاذاة بعضهم كُتب أعلاها: "وأنت تجلس وتتصفح هذا العدد الممتع، هناك 3 من البشر يسبحون في عالم الفضاء الخارجي في البعثة 58…". حسنا، أنت وأنا نعلم أن العديد من الأمور تحدث أثناء كتابة هذه الأسطر، أثناء نشرها وأثناء قراءتك لها، وباستخدام الأسلوب ذاته الذي استخدمته المجلة، لعلنا نتفق أن أكثر الأحداث ضجّة في الوقت الراهن هو ما يتصل بفيروس كورونا "COVID-19". كلنا دون استثناء نرتطم بخبر من هنا أو هناك، نصيحة لتقوية المناعة، احتياطات معينة، وأعيننا ترصد عدّادا يُرهق الأعصاب لإصابات أو وفيات جديدة موزعة على القارات جميعها.

في برنامج "GPS" على "سي إن إن" (CNN)، يُناقش الإعلامي فريد زكريا نقطة احتمالية انهيار التعاون العالمي لمواجهة أزمة كورونا الحالية مع رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق ماتيو رينزي، الذي عبّر عن استيائه من فردانية الحلول التي تُقدِّمها كل دولة في الحد من انتشار الوباء في أنحاء العالم، حيث يقول إن المشكلة بدأت في الصين، ذات نظام الدولة الاستبدادي، وعلى أساسه تعاملت مع هذه الأزمة باستبدادية، وعندما انتقلت المشكلة لكوريا الجنوبية حاولت مواجهتها بالتكنولوجيا، وعندما وصلت الكارثة لإيطاليا تُعومِل معها على أنها مشكلة إيطاليا لا الاتحاد الأوروبي (1). وأعرب رينزي عن أن انعدام التعاون العالمي في اتباع نظام واحد يواجه هذه الكارثة سيؤدي إلى فقدان الحلول، أو انعدامها، مُستشهدا بخطاب لرجل الأعمال بيل غيتس قبل أربع سنوات حينما قال: "العالم غير مُستعد للوباء القادم".

ما الذي ينقص العالم؟

في إبريل/نيسان من سنة 2018، بدأ بيل غيتس حديثه باسترجاع مخاوف طفولتهم لذاك الزمن السابق، فيقول: "إن الكارثة التي كانت تُقلقنا هي الحرب النووية"، ليبدؤوا بالاستعداد لهذا الخطر عبر تخزين المعلبات والماء في البراميل وهجرها في الطابق السفلي. هُنا، يبدأ بالمقارنة موضحا أن الكارثة التي ستقتل أكثر من 10 ملايين شخص في العقود القادمة لن يكون شكلها انفجارا نوويا، أو حربا، بل هو فيروس شديد العدوى، ليست الصواريخ ولكن الميكروبات، موضحا أن السبب الرئيسي لحدوث هذا هو استثمار المبالغ الضخمة للردع النووي، ولكننا لا نستثمر بالحجم ذاته في مواجهة أو إيقاف الأوبئة، ويقول: "لسنا مُستعدين للوباء القادم"، مُسترجعا انتشار الإيبولا، ومُعللا أن السبب في فقدان السيطرة لا يرتبط بالخلل في النظام، بل بعدم وجود نظام من الأصل! (2)

لم يكن هناك نظام؟ يقول بيل غيتس إنه لم يكن هناك مجموعة من علماء الأوبئة مستعدين للذهاب ورؤية ما هو المرض، أو معاينة مدى سرعة انتشاره، بل جاءت كل المعلومات على ورق، وتأخرت في وجودها على الإنترنت ولم تكن دقيقة للغاية، ولم يكن هناك فريق طبي مُستعد للذهاب، ولم يكن هناك أي وسيلة لإعداد الناس أو تجهيزهم لما ينتظرهم، مشيرا إلى أن هناك بعض الجهود من بعض المنظمات التي نظمت المتطوعين، ولكن بيل غيتس يرى أننا أبعد من المطلوب واللازم، فوباء يتفشى ويقتل يحتاج إلى مئات الآلاف من العاملين في المجال، ويقول: "لقد كان فشلا عالميا".

من الأسباب التي رآها بيل غيتس مُساهمة في السيطرة على الإيبولا، أولا طبيعة الفيروس نفسه الذي لا ينتقل بالجو، وأيضا أنه لم يصل للمناطق الحضرية، وهو ما عدّه مرتبطا بالحظ فقط، حينما قال: "لو وصل إلى المدن لكان عدد الضحايا أكبر بكثير"، ويُكمل حديثه مفترضا سيناريو مُستقبليا عن إصابة فرد بفيروس مُعدٍ ولكنه لا يشعر بأي أعراض مُزمنة، بل يتمتع بصحة جيدة تُمكّنه من ركوب الطائرة أو حتى الوصول إلى أقرب متجر يتبضع منه كأي فرد طبيعي.(3)

إنها حالة حرب..

أثناء شرحه، قدّم غيتس محاكاة من قِبَل معهد نمذجة الأمراض، والتي وجدت أن ظهور نوع جديد من الإنفلونزا كتلك التي قتلت 50 مليون شخص في عام 1918 بإمكانها أن تقتل الآن 30 مليون شخص في غضون ستة أشهر، والمرض الذي سيُفاجئنا مستقبلا هو الذي لا نعرف عنه أي شيء والذي نراه لأول مرة مثل الذي حدث مع "سارس"، والذي نراه الآن مع "كورونا". ويلفت غيتس النظر إلى ملاحظة غاية في الأهمية، وهي ذاتها التي بدأنا بها التقرير، حينما يقول: "لو أخبرتم حكوماتكم الآن أن هناك تهديدا بأسلحة من شأنها أن تقتل 30 مليون شخص، فسيكون هناك شعور بالإلحاح بشأن الاستعداد للتهديد، ولكن في حالة التهديدات البيولوجية فإن شعور العجلة هذا غير موجود"، مُشيرا إلى أن العالم يحتاج إلى الاستعداد للأوبئة كما يستعد للحرب. (4)(5)

يمتد هذا الحديث عن الحرب بما يراه مشتركا بين الأوبئة والحروب، مقترحا أن نتجهّز ونُقدِّم للأوبئة ما يُقدَّم في حالة الحرب: جنود مستعدون للانطلاق في أية لحظة، احتياطات تكفي لأعداد كبيرة من الناس، ومقترحا أيضا نظاما صحيا جديدا في الدول الفقيرة الذي سيساعد بدوره على الكشف المبكر عن الأوبئة، والحاجة إلى طاقم طبي كامل مدرب ومجهز وذي خبرة ومستعد للانطلاق، ويرى أن مصاحبة الجيش للفريق الطبي سيكون أمرا مهما، حيث إن الجيش يتمتع بامتيازات عديدة منها السرعة في التنقل والوصول وتأمين المناطق. ويؤكد أننا نحتاج إلى البحث المعمق في مجال اللقاحات ووسائل التشخيص، ومختتما خطابه بأنه إن كان هناك درس مستفاد أو نقطة إيجابية يُمكن أن تُحسب للإيبولا، فربما ستكون أن الإيبولا كان جرس إنذار أو دعوة للاستيقاظ والاستعداد، وبأننا نملك الأدوات كالعلوم والبحوث والتكنولوجيا ولكننا بحاجة إلى دمج كل أدواتنا جنبا إلى جنب. (6)(7)

تؤكد الباحثة في بيولوجيا السرطان والأمراض الاستقلابية في المستشفى الجامعي هايدلبيرغ في ألمانيا الدكتورة علياء كيوان لـ "ميدان" أن ما أشار إليه رجل الأعمال بيل غيتس في مكانه، وأن جهوده في المجالات الصحية والبحث العلمي واضحة، وربما كان هذا إشارة منه ودعوة لأصحاب الأموال بالاستثمار في هذا المجال الذي سيُشكِّل نقلة نوعية في حالات الأوبئة، مُشيرة إلى أن رجل الأعمال بيل غيتس نشر مؤخرا مقالا مهما (8) في فبراير/شباط 2020 مستعينا مرة أخرى بالحمى الإسبانية كمثال قد يُكلِّف العالم الكثير من الأرواح، مُشيرا إلى أن فيروس كورونا هو مرض القرن والذي سيتحول إلى جائحة، مؤكدة ضرورة تكاتف الحكومات مع العلم والصناعة والتمويل لصناعة أدوية مضادة للفيروسات ولقاحات لتجاوز هذه الأزمة.

     

يكتب غيتس مؤخرا..

في بداية هذا الشهر، مارس/آذار 2020، يعود غيتس للكتابة عن "COVID-19" ليقول إن هناك سببين قويين يجعلان فيروس كورونا يُمثِّل مثل هذا التهديد، الأول؛ يمكن أن يقتل البالغين الأصحاء أو المسنين الذين يُعانون من مشكلات صحية قائمة، حيث تشير البيانات حتى الآن إلى أن الفيروس لديه خطر إماتة حالة نحو 1٪، وهذا المعدل سيجعله أكثر شدة من الإنفلونزا الموسمية، مما يضعه في مكان ما بين جائحة الإنفلونزا عام 1957 (0.6٪) ووباء الإنفلونزا عام 1918 (2٪). أما السبب الثاني؛ يُنقَل "COVID-19" بكفاءة عالية، إذ ينقل الشخص المصاب -المتوسط ​​المرض- إلى شخصين أو ثلاثة آخرين بمعدل زيادة أُسّي، حيث إن هناك أدلة قوية على أن المرض يُمكن أن ينتشر من قِبل الأشخاص الذين يُعانون حالات خفيفة أو حتى أعراضا أولية. (9)

وهذا ما يراه مُؤسس شركة مايكروسوفت "صعب الاحتواء"، وسيكون احتواؤه أصعب بكثير من متلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط أو المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) التي انتشرت بكفاءة أقل فقط من قِبل الأشخاص الذين يعانون من أعراض، تابع غيتس: "في الواقع، تسبّب "COVID-19" بالفعل في 10 أضعاف عدد حالات الإصابة بالسارس في ربع الوقت"، مُختتما مقاله بأنه لا مجال لإضاعة الوقت، إذ يتعيّن على الحكومات أن تتوصل لاتفاق ينص على: "ببساطة، لا يُمكن بيع اللقاحات أو مضادات الفيروسات لأعلى مزايد"، يجب أن تكون مُتاحة وبأسعار معقولة للأشخاص الذين هم في قلب تفشي المرض وبأشد الحاجة إليه. هذه هي الإستراتيجية الوحيدة لمنع انتشاره والحد من الأوبئة المستقبلية. (10)

هل كان من الممكن التنبؤ بتفشّي الإنفلونزا؟

تودي فيروسات الإنفلونزا بحياة ما يصل إلى 646 ألف شخص حول العالم كل عام. ويعمل الباحثون دوما على طرق تجعلهم يُسيطرون على أي خطر قادم، وكلما تقدمت التكنولوجيا صبّ هذا التقدُّم في صالح البحث والتنبؤ بالأوبئة أكثر. وفقا لدراسة مركز "بيو" للأبحاث لعام 2012، فإن نحو 184 مليون أميركي (أكثر من نصف السكان) يستخدمون الإنترنت للعثور على معلومات مرتبطة بالصحة، وتُعتبر عمليات البحث هذه بمنزلة إرشادات تكشف المُسبب، مما يُتيح للباحثين تحديد حالات الإنفلونزا المشتبه بها. وفي عام 2006، وجد غانثر إيسن باك، الأستاذ المشارك في الصحة العامة في جامعة تورنتو، أن عمليات البحث عن مصطلح "إنفلونزا" أو "أعراض الإنفلونزا" بلغت ذروتها قبل أسبوع من الازدياد المفاجئ في زيارات الأطباء. (11)

هذا ما أُطلق عليه لاحقا "علم الأوبئة المعلوماتي"، وما دفع شركة غوغل إلى إطلاق برنامج اتجاهات الإنفلونزا مُستغلّة بياناتها الضخمة للبحث عن الاتجاهات العالمية للإنفلونزا وأماكن انتشارها، ولكن أُلغِي هذا البرنامج في عام 2014 لسبب لم يتوقعه الباحثون، حيث استحال على جامعي البيانات معرفة ما إذا كنت أنت تبحث عن "الحمى والصداع" من أجلك أم من أجل زميل لك بانت هذه الأعراض على طفله. وفي عام 2007، بدأ الأميركيون فجأة بالبحث عن "الكوليرا"، فهل كان خطر الكوليرا يدق الأبواب؟ في الحقيقة، لا، كل ما في الأمر أن الإعلامية أوبرا وينفري أوصت بقراءة "حب في زمن الكوليرا" من أجل نادي الكتب الخاص بها! (12) ولكن بإمكاننا التفاؤل بأن تكون كمية المعلومات التي نُشاركها والتي تُختَرق شئنا أم أبينا تُساعد العلماء -على الأقل- يوما ما على الكشف والتنبؤ بالأوبئة لحظة تهديدها.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من مقالة
الأكثر قراءة