• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
  • تاريخ
  • ميدان (أ)

رابعة العدوية.. إمامة العاشقين التي أفنت حياتها في الحب!

محمد شعبان أيوب
17 فبراير 2019

وقت القراءة: 18 دقيقة

ميدان - زهد عبادة

"أحبّك حُبين؛ حبّ الهوى *** وحبّا لأنك أهلٌ لذاكا

فأما الذي هو حُبّ الهوى *** فشُغلي بذكرِك عمّن سواكا

أخبار مقترحة

  • آثار تدمر توضح حقيقة قناة وادي السوق الأثرية © 2026 مديرية إعلام حمص
    السيول تكشف عن منشآت أثرية تعود للعصر الأموي في البادية السورية
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي

وأما الذي أنتَ أهلٌ له *** فكشفُك للحُجب حتى أراكا"

(رابعة العدوية)
  

حين نذكر رابعة العدوية فإن صورة الزاهدة العابدة المتصوفة الناسكة تتجسد أمام ناظرينا بسرعة خاطفة؛ صورة المرأة الهادئة الوادعة التي تتجمع أنوار الهداية على وجنتيها، المرأة الأشهر في تاريخ التصوف الإسلامي كله منذ نشأته وإلى يومنا هذا لم تكن حالة عابرة خاطفة بقدر ما يأتي اسمها على الألسن وتتخيله العقول، كما أنها للمفارقة لا تزال لغزا محيرا لعلنا نجلي عنه بعض الغبار وسنوات النسيان والغموض للتذكير بها وبفلسفتها الصوفية الفريدة!

يرى أحد المستشرقين[1] أن الصوفية الأولين ومنهم رابعة، هؤلاء الذين لبسوا الصوف وعُرفوا به، كانوا في الحقيقة زُهّادا وادعين أكثر منهم متصوفة، فإدراكهم المستولي عليهم للخطيئة كانت تصحبه الرهبة من يوم القيامة وعذاب النار؛ تلك الرهبة التي ليس في طوقنا أن نتحققها، والتي صُوّرت في القرآن تصويرا حيا دفعتهم إلى أن يجدوا في الهرب من الدنيا مخلصا لهم؛ ثم إن القرآن يُنذرهم -من جهة أخرى- أن النجاة تتوقف أساسا على مشيئة الله الخفية التي تهدي الصالحين سواء السبيل، وتضل الظالمين عن القصد القويم، وأن حظّهم قد رُقم في اللوح الخالد، لوح عناية الله، لا يستطيع شيء له تبديلا، فيجب أن يعلموا أنه إذا قدّر لهم أن يُنجيهم صومهم وصلاتهم وما يأتون من الأعمال الصالحة فهم لا بد ناجون. واعتقاد كهذا لا بد أن ينتهي إلى التأمل في الله، والخضوع المطلق للمشيئة الإلهية، وتلك ميزة من مزايا التصوف في أقدم صوره.

  

سنوات البؤس والتعاسة!

تأتي رابعة العدوية البصرية العراقية، المرأة الزاهدة، على رأس هذه الشخصيات البارزة والغامضة في آن واحد في التاريخ المبكر للتصوف الإسلامي، فجل الروايات التاريخية لا تتفق على سنة محددة لولادتها فضلا عن وفاتها التي اختلفت ما بين عامي 135هـ و185هـ، كما أنها لم تكتب كتابا واحدا عن حياتها أو تذكر فيه أهم أقوالها وآرائها في التصوف، وهذه الأمور كانت السمة الأبرز في كبار الصوفية الذين عاشوا في القرنين الأول والثاني من الهجرة، فقد كان زهدهم من النوع العملي لا النظري.

وُلدت رابعة العدوية في بيت من أفقر بيوت البصرة، حتى قيل إن أبويها لم يكن لديهم قطرة سمن حتى يدهنوا موضع خلاصها، ولم يكن هناك مصباح ولا خرق للفّ الوليد، الأمر الذي اضطر الوالد إلى الذهاب إلى الجيران للحصول على زيت لإضاءة القنديل، ورغم أن الرجل كان قد عاهد الله ألا يطلب من أحد حاجة، فإنه ذهب تحت إلحاح زوجه، ورغم ذلك لم يفتح له أحد، هنالك رجع والد رابعة أسيفا، حتى أطرق على ركبتيه ونام، فرأى النبي في منامه قائلا له: لا تحزن! هذه البنت الوليدة سيدة جليلة القدر، وإن سبعين من أمتي ليرجون شفاعتها، وأمره بالذهاب من صبيحة الغد إلى والي البصرة حينذاك عيسى زاذان، ويكتب له ورقة يقول فيها: إن النبي زاره في المنام، وقال له أن يتوجّه إليه ويقول: إنك تصلي مئة ركعة، وفي ليلة الجمعة أربعمئة، لكنك في يوم الجمعة الأخير نسيتني، ألا فلتدفع أربعمئة دينار حلال لهذا الشخص كفّارة عن هذا النسيان! فلما أفاق والد رابعة من نومه كتب الرسالة ودفعها إلى الأمير، فلما قرأها أمر والي البصرة بإعطائه أربعمئة دينار وقال لهم: إئتوني به لأراه، ثم راجع نفسه وقرر أن يذهب بنفسه إلى هذا الرجل، ليتبارك بهذا البيت[2]!

  

رزحت رابعة في الفقر، وزاد من ألمها وفاة والدها تاركا خلفه أرملة سرعان ما لحقت به، ورابعة وأخواتها الثلاث ضعيفات فقيرات خائفات من الحياة وتقلباتها، حتى وقعت الكارثة في قحط عام في البصرة اضطر أهلها على إثره إلى الخروج منها، فتفرقت بهن السُّبل، فرآها أحد الظلمة فأوقعها في الأسر وباعها بستة دراهم لرجل أثقل عليها العمل، وفي يوم من الأيام خرجت من بيت سيدها لقضاء حاجة فإذا رجل يرمقها بشر، فخافت واختبأت وناجت ربّها كثيرا، ويتفق بعض من أرّخوا لها أن هذه اللحظة كانت مفصلية في حياتها.

يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي: "هذه اللحظة في حياة رابعة يجب أن تُعدّ نقطة التطور الحاسمة في حياتها الروحية، شأنها شأن تلك الأحوال التي أتينا على ذكرها عند أضرابها من كبار الشخصيات الروحية في العالم، لكنها لا تزال في الأسر المادي لدى ذلك السيد القاسي الذي أرهقها فكان لهذا الإرهاق والإعنات فضل انفجار روحها الباطنة النبيلة"[3].
 

ظلّت رابعة على منهجها عاكفة عليه لا تبرحه، لا تريد سوى وجه الله ومحبته ورضاه، فقد أدركت الحقيقة وانبلجت لها من قهر المعاناة، وألم اليُتم، وضيم الاسترقاق والعبودية
ظلّت رابعة على منهجها عاكفة عليه لا تبرحه، لا تريد سوى وجه الله ومحبته ورضاه، فقد أدركت الحقيقة وانبلجت لها من قهر المعاناة، وألم اليُتم، وضيم الاسترقاق والعبودية
 

استطاعت رابعة أخيرا أن تنال حريتها، وتصف بعض الروايات التاريخية جموحها نحو الحرية بأنها انهمكت في في اللذات، بل وصارت تعزف على الناي، لكن على إثر لقاء بالصوفي البصري الكبير رياح بن عمرو القيسي تبدّلت حياتها، وولجت رابعة أبواب الزهد والتصوف وعالمه الرحب، واطرحت حياة اللهو والغفلة، مقبلة على ربها، وربما ما جعلها تتجه إلى هذه الطريق تلك اللحظات التي انكفأت تناجي فيها ربها حين همّ أحدهم بالاعتداء عليها يوم كانت في حياة الرق والعبودية.

  

الحب طريق رابعة

ليس ثمة شك في أن رابعة تأثرت برياح القيسي، كما أنها تأثرت برجل آخر ملأت شهرته الآفاق، وتربع على عرش التصوف في عصره وهو إبراهيم بن أدهم، وفي مدينة البصرة جنوب العراق، كانت حياة المدينة تجمع النقيضين بصورة لافتة وغريبة، النعيم الصارخ البالغ أوج الشهوات، والزهد القاتم القاسي المعفّر خدّه بالتراب، فانتقلت رابعة من النقيض إلى النقيض، في مدينة الأضداد تلك، كما أنها أدركت أن توبتها كانت رضا من الله وإرداته، وظلت فلسفة التوبة عندها تتكئ على هذا المعنى.

فقد روى القشيري أن رجلا سأل رابعة: "إني قد أكثرتُ من الذنوب والمعاصي، فلو تبتُ، هل يتوب عليّ؟ قالت: لا، بل لو تاب عليك لتُبتَ". وبهذا يمكن فهم قولها: "أستغفر الله من قلّة صدقي في قولي: أستغفرُ الله"، وقولها: "استغفارنا يحتاج إلى استغفار لعدم الصدق فيه"[4]!

أثرت حياة اللهو في توبة رابعة، فهي حين أحبت في تلك المرحلة فإنها لم تنس ذلك الحب، فقد اجترته معها في توبتها، وجعلت حب الإله مدار زهدها ورؤيتها للتصوف، وقد اصطبغت الشكوى إلى الله بصبغة الحب والرغبة في الاتصال بهذا المحبوب الأعلى، فقد أُثر عنها أنها كانت إذا صلّت العشاء قامت على سطح لها، وشدّت عليها درْعها وخمارها ثم قالت:

"إلهي! أنارت النجومُ، ونامت العيون، وغلّقت الملوكُ أبوابها، وخلا كلّ حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك"، ثم تُقبل على صلاتها، فإذا كان وقت السَّحَر وطلع الفجر قالت: "إلهي! هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليتَ شعري! أَقَبِلتَ مني ليلتي فأهنأ، أم رددتها عليّ فأعزى؟ فوَعزّتك هذا دأبي ما أحييتني وأَعنتني، وعزّتك لو طردتني عن بابك ما برحتُ عنه لما وقع في قلبي من محبّتك"[5].

يرى بعض الباحثين[6] في سيرة رابعة أن الرسالة الروحية لديها بدأت منذ صباها، هبطت عليها وهي تُعاني أشد أنواع العذاب والحرمان، وكيف لا والنقيض يتحول إلى نقيضه، فحرمانها من الدنيا أوصلها بالآخرة، ويأسها منها جعلها تتشبث بالآخرة، وحرمانها من أبويها في عهد مبكر جعلها تسعى نحو الإله الأعظم، وصبرها على المكاره جعلها تثق في الله وتركن إليه وتطمئن إليه، فالقهر الخارجي في حياة رابعة فجّر لديها طاقة روحية هائلة جعل باطنها مختلفا كليا عن ظاهرها، حرمانها من الحب والعطف والرحمة الدنيوية جعلها تبحث عن معاني الحب الباطني بلهف وشوق ولذة كانت تتجسد أحيانا في بلاغتها ووجدها!

أقامت رابعة الحب الإلهي نصب عينيها لا تبرحه، ودارت حلقات صوفيتها ومريديها وأقوالها المأثورة حول هذه الفلسفة التي جعلت المستشرق الفرنسي "ماسينيون"[7] يؤكد أن رابعة العدوية كانت السابقة إلى وضع قواعد الحب والحزن في هيكل التصوف الإسلامي، وهي التي تركت في الآثار الباقية نفثات صادقة في التعبير عن محبتها وعن حزنها، وأن الذي فاض به بعد ذلك الأدب الصوفي من شعر ونثر في هذين البابين لهو نفحة من نفحات السيدة رابعة العدوية إمامة العاشقين والمحزونين في الإسلام.

المستشرق الفرنسي "ماسينيون"
المستشرق الفرنسي "ماسينيون" (مواقع التواصل)

كانت رابعة تلهج بهذا الحب في كل موضع وأمام كل أحد، أضحى الزمان والمكان لديها "وجودها الخاص" لبث نفثات هذا الحب الصادق، تقول في إحدى مواجيدها ونجاواها[8]:

"يا سُروري ومُنيتي وعمادي *** وأنيسي وعُدّتي ومُرادي

أنت روحُ الفؤاد، أنت رجائي ** أنت لي مؤنسٌ وشوقُك زادي

أنت لولاك يا حياتي وأُنسي *** ما تشتّتُّ في فسيحِ البلادِ

كم بدت منّةٌ وكم لك عندي ** من عطاءٍ ونعمةٍ وأيادي

حبُّك الآن بُغيتي ونعيمي *** وجلاء لعينِ قلبي الصادي

ليس لي عنك -ما حييتُ- براحٌ *** أنت مِنّي مُمَكّنٌ في السوادِ"

  

  
حرصت رابعة على بث هذه الفلسفة في زوّارها ومريديها، وكان زوارها من الصالحين من الكثرة والشهرة بمكان، وقد سألتْ مرّة بعضَهم عن سبب عبادتهم الله، فقال أحدهم: إننا نعبده خوفا من النار. وقال آخر: بل نعبده خوفا من النار وطمعا في الجنة. فقالت رابعة: ما أسوأ أن يعبد العابد الله رجاء الجنة أو مخافة النار! وتساءلت: إذا لم تكن هناك جنة ولا نار، أفما كان الله يستحقّ العبادة؟ فسألوها: فلماذا تعبدين أنتِ الله؟ فقالت: إنما أعبده لذاته، أفلا يكفيني إنعامه عليّ بأنه أمرني أن أعبده؟

من أجل ذلك أهملت رابعة شؤون نفسها الزائدة عن الحاجة، وحرصت على لبس ما يستر جسدها ولو كان باليا، والزهد في الطعام ولو كان نفيسا، وقد شقّ على بعض الصالحين أن يروا شيختهم رابعة في هذه الحالة من الفاقة والثياب البالية وهم حولها، فعاتبوها بدعوى أن ما عليها إلا أن تطلب العون وسيقدمون لها ما تريد في الحال، فقالت: إنها لتخجل أن تسأل الناس من متاع الدنيا لأنهم لا يملكونها، وإنما هي عارية في أيديهم! فاستحسنوا جوابها، وزادت حيرتهم؛ إذ كيف لهذه المرأة الفقيرة الزاهدة أن يتحقق لها هذه المرتبة الرفيعة من العبادة والفهم، ولم يسبق أن بلغت امرأة مثل ذلك من قبلها؟ فكان جوابها أنها لم تغتر لذلك، ولم تتكبر، ولم تدّع الألوهية، وذلك شأن النساء العابدات عموما[9].

ترى المستشرقة الألمانية "آن ماري شيمل"، وهي واحدة من أهم من تناولوا تاريخ التصوف وكبار شيوخه برصانة، أن رابعة العدوية كانت المرأة الأولى التي تُدخِل فكرة الحب الإلهي الطاهر في الفكر الصوفي، وصار الحب منذئذ لفظا أساسيا عند عموم الصوفية، ومعروف أن الصوفية، كلفظ عام، تشمل كلَّ حركة باطنية تحمل أبعادا في جوهرها من حيث البحث في الوجود، والقرب من المعبود من طريق الزهد، وعندما يتحول القلب إلى مرآة صافية يمكنها استعمال النور الإلهي. فالصوفية عمَّقت من دراسة أدق خلجات النفس في طريقة مدهشة جديرة بالإعجاب[10].

المستشرقة الألمانية "آن ماري شيمل"
المستشرقة الألمانية "آن ماري شيمل" (مواقع التواصل)

بل وتزيد شيمل[11] أن رابعة كانت فاتحة مرحلة إبداعية جديدة في الحياة الصوفية، فقد صارت شيخة لمدرسة التصوف في العراق في زمنها، ومن بين كثير من أتباعها من الصوفية الذين كانوا يعيشون ببغداد وما حولها من المدن العراقية وأثمرت آثارهم يتجلى الشيخ الزاهد معروف الكرخي الذي كان من شباب معاصريها، والذي سيكون حجر الزاوية في توسيع رقعة التصوف وبسط نفوذه الجغرافي من المشرق إلى العراق إلى مصر بفضل تأثير شيخته رابعة.

الطريق إلى الله عند رابعة

كان لا بد لرابعة وهي تجمع قواها الروحية أن تحج إلى بيت الله الحرام، ذلك أنه إذا كان الحج فريضة من فرائض الإسلام فإنه يُعدّ بالنسبة للصوفي من أهم الفرائض التي ينبغي له أن يؤديها، فإذا كان عموم الناس يذهبون إلى الحج كاستجابة لنداء الله وتحقيق ما افترضه عليهم، وطلب المغفرة والعفو والصفح منه، والتأسي بما قام به النبي صلى الله عليه وسلم في حجته الوحيدة، فإن الصوفي على الجانب الآخر يريد فوق ذلك رب الكعبة، يريد مناجاته ومخاطبته بما رُبّي عليه من تربية صوفية لها مدركاتها وأبعادها الباطنية الداخلية التي لا يفهمها كثير من العامة.

رابعة أرادت هذا، حين قالت: "إلهي وعدتَ بجزائين لأمرينِ. القيام بالحج والصبر على الشدائد. فإن لم يكن حجي صحيحا مقبولا عندك فيا ويلتاه وما أشدّ هذه المصيبة عندي.. لكن ما جزاء هذه المصيبة"! ثم تخطّت هذه الدرجة وصعدت أخرى حين ناجت ربها وهي في طريقها إلى مكة قائلة: "إلهي إن قلبي ليضطرب في هذه الوحشة، أنا لبِنَةٌ والكعبة حجر وما أريده أن أرى وجهك الكريم. فنادها صوت من فوقها: يا رابعة أتطلبين وحدك ما يقتضي دم الدنيا بأسرها؟ إن موسى حين رامَ أن يُشاهد وجهنا لم نُلق إلا ذرّة من نورنا على جبل فخرّ صعقا"[12]!
 

undefined

 
لعل هذه الحالة من الزهد والحب الإلهي الطاغي الذي انبثق من معين رابعة فأروى مريديها ومدرستها، بل والفكر الصوفي كله، جعلها تعزف عن الزواج، وهذه مسألة تناولها عدد من المؤرخين واختلفوا حولها، وأكد بعضهم أنها تزوجت من رجل يسمى أحمد بن أبي الحواري، بيد أن ذلك عائد إلى الخلط بينها وبين رابعة الشامية، وكانت امرأة عابدة صالحة أيضا.

على أنه من الثابت أن أحد الصالحين ويسمى عبد الواحد بن زيد قد سعى إلى خطبتها، فما كان منها إلا أن قالت له: "يا شهواني… اطلب شهوانية مثلك"! وتذكر بعض الروايات الأخرى أن أمير البصرة محمد بن سليمان الهاشمي، صاحب النسب الهاشمي الرفيع، والمال والجاه، أُعجب برابعة إعجابا زائدا، وسعى بدوره إلى الزواج منها حيث قال لها: "لي غلّة عشرة آلاف في كل شهر أجعلها لك. فكتبت إليه: ما يسرّني أنك لي عبد وأن كل ما لك لي وأنك شغلتني عن الله طرفة عين"[13].

بل وفي رواية المؤرخ المناوي أنها كتبت لأمير البصرة قائلة: "أما بعدُ: فإن الزهد في الدنيا راحة البدن، والرغبة فيها تورث الهم والحزن، فهيئ زادك، وقدّم لمعادك، وكن وصيّ نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا تركتك، وصُم الدهر، واجعل فطرك الموت. وأما أنا فلو خوّلني الله أمثالك ما حزت وأضعافه فلم يسرّني أن أشتغل عن الله طرفة عين، والسلام"[14]. لقد أرادت رابعة طريق الله ومحبته وحده، لا يشغلنها عنه رفيق أو زوج أو مال أو ولد أو متاع ولو كان مباحا حلالا سائغا للعابدين!

لذا؛ أُثر عنها تلك الأبيات التي صارت رمزا لرابعة العدوية:

"أحبّك حُبين؛ حبّ الهوى *** وحبّا لأنك أهلٌ لذاكا

فأما الذي هو حبّ الهوى *** فشُغلي بذكرِك عمّن سواكا

وأما الذي أنتَ أهلٌ له *** فكشفُك للحُجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي *** ولكن لك الحمد في ذاكا" 

  

  

كانت رابعة تبحث عن حقيقة المعاني، ليس فقط حقيقة الحب وحده، بل ومعنى الصدق ومضمونه وكنهه وفلسفته، روى فريد الدين العطار أن "مالك بن دينار والحسن البصري وغيرهما غدوا لزيارة رابعة فسألتهم عن معنى الصدق؟ فقال الحسن: ليس بصادق في دعواه من لم يصبر على ضرب مولاه. فقالت رابعة: هذا غرور! وقال شقيق البلخي وكان حاضرا: ليس بصادق في دعواه من لم يشكر على ضرب مولاه. فقالت: هناك ما هو خير من هذا! فقال: ابن دينار: ليس بصادق في دعواه من لم يتلذذ بضرب مولاه! فصاحت رابعة: بل ثمة أفضل من هذا كله: فقالوا لها: تكلمي أنت إذن. فقالت: ليس بصادق في دعواه من لم ينسَ الضرب في مُشاهدة مولاه، مثل نسوة مصر اللائي نسين آلام أيديهن لـمّا رأينَ وجه يوسف"[15].

ظلّت رابعة على منهجها عاكفة عليه لا تبرحه، لا تريد سوى وجه الله ومحبته ورضاه، فقد أدركت الحقيقة وانبلجت لها من قهر المعاناة، وألم اليُتم، وضيم الاسترقاق والعبودية، ظلت على ذلك حتى إذا حضرتها الوفاة دعت خادمتها عبدة بنت أبي شوال قائلة لها: يا عبْدة لا تُؤذِني بموتي أحدا، وكفّنيني في جُبّتي هذه، وهي جبّة من شعر كانت تقوم فيها إذا هدأت العيون. قالت عبدة: فكفّناها في تلك الجبّة، وفي خمار صوف كانت تلبسه. ثم رأيتُها بعد ذلك بسنة أو نحوها في منامي عليها حُلّة إستبرق خضراء، وخمار من سندس أخضر لم أر شيئا قط أحسن منه. فقلتُ يا رابعة: ما فعلتِ بالجبّة التي كفنّاك فيها والخمار الصوف؟ قالت: إنه والله نُزع عني، وأُبدلتُ به ما ترينه عليّ، فطويتُ أكفاني وخُتم عليها، ورُفعتُ في عليين ليُكمل لي بها ثوابها يوم القيامة …قلتُ فمُريني بأمر أتقرّب به إلى الله عزّ وجل. قالت: عليك بكثرة ذكره يوشك أن تغتبطي بذلك في قبرك"[16]!

وهكذا عاشت رابعة العدوية وماتت وهي شيخة العاشقين، المرأة التي أفنت حياتها في حب الله قولا وعملا، ظاهرا وباطنا، حتى صار خفاؤها مثل علانيتها، يعرف الناظر والسائل، والغريب والقريب، ماذا تريد رابعة، وإلامَ تسير، وعلامَ تهتدي وتتكئ، وقد سألها الزاهد الأشهر سفيان الثوري يوما: "ما أقرب ما تقرّب به العبد إلى الله عز وجل؟ فبكت، وقالت: مثلي يُسألُ عن هذا! أقرب ما تقرّب العبد به إلى الله تعالى أن يعلم أنه لا يحبُّ من الدنيا والآخرة غيره"[17]، هكذا كانت رابعة، وعلى ذلك ماتت!

المصدر: الجزيرة

حول هذه القصة

  • ميدان - العثمانيون

    العثمانيون ضد المماليك.. التاريخ يعيد نفسه بين مصر وتركيا

    20/2/2018
  • midan - mian

    "شهوة السيطرة".. لماذا حاول السعوديون احتلال عُمان؟

    25/9/2018
  • الأزهر بمواجهة السلطة.. ما الذي يحدث بين الإمام والرئيس؟

    16/6/2020
  • العثمانيون وأحفادهم.. ماذا قدم الأتراك للقضية الفلسطينية والقدس؟

    29/7/2021

المزيد من تاريخ

  • السيول تكشف عن منشآت أثرية تعود للعصر الأموي في البادية السوريةالسيول التي ضربت البادية السورية كشفت عن أجزاء من منشآت أثرية تعود للعصر الأموي في محيط قصر الحير الشرقي.
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكييرفض المقال القراءتين الليبرالية واليسارية لليمين المتطرف، لأن كلتيهما تراه وعيا زائفا يعالجه التنوير. ويحاجج بأنه تعبير أصيل عن عوالم اجتماعية أنتجها “التطور غير المتكافئ” للرأسمالية.
  • اتفاقية الطائف.. كيف تجاوز اللبنانيون عقدة صلاحيات الرئيس وإلغاء الطائفية؟ فيديو, 02:05بعد وصول 62 نائبا لبنانيا إلى السعودية لمناقشة بنود “اتفاق الطائف”، لاح في الأفق خلاف حاد بشأن صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية.
    02:05
  • فاشيون وشيوعيون معا.. 80 عاما من الإخوان في الوثائق الأمريكيةيتتبع المقال صورة الإخوان المسلمين في الوثائق الدبلوماسية والخطاب الأمريكي من لقاء حسن البنا بدبلوماسي أمريكي عام 1947، حين عرض حلفا ضد الشيوعية، إلى حملة ترمب على عبد الرحمن السيد عام 2026.

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1خصم نتنياهو وشريكه في الإبادة.. من هو غادي آيزنكوت؟علي سعادة
  2. 2لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  3. 3تكليف الرئيس لا يكفي.. 4 سيناريوهات أمام آيزنكوت لتشكيل الحكومة
  4. 4شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  1. 5إيران.. اصطدام ناقلتي نفط بألغام بحرية وواشنطن تعطل سفينة بخليج عُمانرضا ياسين
  2. 6جاؤوا لطردها من شقتها فوجدوها هيكلا عظميا.. ما قصة طبيبة العيون المصرية؟
  3. 7"طالع نازل".. كيف تحول مثلث حب مكرر إلى ساحة محاكمة؟ياسمين عادل
  4. 8فورين أفيرز: الديمقراطيون أمام فرصة لإحداث تحول جذري في السياسة الخارجية الأمريكية

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية