• تخطى إلى المحتوى الرئيسي

الجزيرة

تصفح في التطبيق

حمل التطبيق
البث الحي
  • الرئيسية
  • أخبار
  • اقتصاد
  • رياضة
  • رأي
  • ميدان
  • متخصصة
  • محليات
  • فيديو
الحسابالبث الحي
فلسطينانتخابات أمريكااليمنإيران
  • تاريخ
  • ميدان (أ)

مصر تحت أرجل الدائنين.. الخديو الذي أغرق مصر

محمد شعبان أيوب
13 يوليو 2018

وقت القراءة: 18 دقيقة

ميدان - مصر قديما

لم يكن تقريب الخديو إسماعيل للمرابين وأصحاب البنوك الذين استطاعوا تكبيل إسماعيل في ديون طويلة الأجل كما استعرضنا في تقريرنا السابق إلا مزيدا من الإغراق لمصر، حتى وصل الأمر أن بعض هؤلاء كتب يمتدح إسماعيل ويعتبره "باعث الشرق الجديد" من كبوته وسكونه، وكان على رأس هؤلاء الفرنسي ديرفيو.

 

على أن الخديو نكث بوعوده لديرفيو، ولم يستطع أن يسدد أي أقساط من المتفق عليها حتى أواخر شهر (أغسطس/آب) سنة 1866م، وفي الشهر التالي نسي ديرفيو صداقته المتينة بإسماعيل، ومدحه وكونه "باعث الشرق الجديد" وبدأ إجراءاته القانونية وإن أخّرها لـ (أكتوبر/تشرين الأول) من العام نفسه على وعد جديد من إسماعيل الذي كان مثل الزئبق متنصلا من وعوده، وهكذا وقعت القطيعة أخيرا، ورفع بنك ديرفيو وشركاه قضية من خلال القنصلية الفرنسية، وكتب أحد أصدقاء ديرفيو قائلا: "إن ديرفيو قد سئم أن يرى الالتزامات لا تُنفّذ، والوعود لا تُحترم، والتضحية لا تُعوّض، وأن يكون الولاء المخلص القديم غير مقدّر"[1]!

أخبار مقترحة

  • آثار تدمر توضح حقيقة قناة وادي السوق الأثرية © 2026 مديرية إعلام حمص
    السيول تكشف عن منشآت أثرية تعود للعصر الأموي في البادية السورية
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكي

  

الخديو في بحر الديون!
 الخديوي إسماعيل (مواقع التواصل)
 الخديوي إسماعيل (مواقع التواصل)

 

كانت الدائرة على الخديو مفرغة، لقد استطاع لاعبو الحيل من المرابين والمقاولين وأصحاب البنوك إيقاع إسماعيل في شراكهم وخداعه، كانت الديون تستجلب الديون بربا وفوائد فاحشة، وكانت النتيجة الحتمية لهذه الدائرة المفرغة أن لجأ كل فريق إلى تأمين مصالحه، فلجأ الدائنون إلى حكوماتهم التي تدخلت بتشكيل لجان المراقبة الأوروبية على أعمال الحكومة المصرية، وفرض القيود المالية بل والسياسية على حكم إسماعيل، فاضطر معها إسماعيل سنة 1872م إلى مشروع مالي عرّض أصوله إلى التقليص يُعرف بقانون المقابلة، وهو يقضي بأن ينزل لملاك الأراضي الزراعية عن نصف الضريبة المفروضة عليهم نزولا تاما على أن يدفعوا إليه في وقت معلوم ستة أمثال هذه الضريبة، وفي سنة 1874م عرض والي مصر فائدة دائمة قدرها 9% لكل من يكتتب في قرض داخلي غير مردود قدره 5 ملايين جنيه وهو ما يُعرف بدين الروزنامة[2].

    

على أنه لم يحن صيف سنة 1875م حتى كان الخديو في حاجة شديدة إلى المال لسدّ نهم دائنيه، ولذا استقر رأيه على أن يبيع أسهم مصر في شركة قناة السويس وقدرها 176.206 أسهم من مجموع 400 ألف سهم بيد الشركة، هذه القناة التي كانت وبالا على مصر والمصريين فلم يستفد بخيراتها إلا الأجانب على حساب دماء الفلاحين وعرقهم ومعاملتهم كالعبيد في ميدان السُّخرة، وهي الفرصة التي سنحت للبريطانيين فاختطفوها كالصقور، وما أسرع ما وقف المستر دزرائيلي رئيس الحكومة البريطانية حينذاك على رغبة الخديو وفي الحال قرّر شراء هذه الأسهم بمبلغ 4 ملايين جنيه بمساعدة عاجلة من بنك آل روتشيلد اليهودي في لندن[3].

 

كان شراء البريطانيين لحصة مصر من قناة السويس بداية الاحتلال الفعلي لمصر في وقت كانت الدولة العثمانية في مواجهة شرسة ضد النفوذ الأوروبي الذي كان يحارب العثمانيين ماليا وسياسيا بل وباقتطاع أراضٍ منها، تقول جريدة التايمس اللندنية في عدد 26 (نوفمبر/تشرين الثاني) 1875م: "إذا أدّت الثورات والاعتداءات من الخارج والرشوة من الداخل إلى سقوط تلك الإمبراطورية (العثمانية) سياسيا وماليا، فقد يتعين علينا اتخاذ الوسائل التي تكفل سلامة ذلك القسم من أملاك السلطان لما لنا به من الصلة الوثيقة"[4]. ويقصدون بذلك تأمين مصالحهم في مصر وعلى رأسها قناة السويس التي اشتروا أسهمها من الخديو المغيب!

 


قناة السويس أواخر القرن التاسع عشر  (مواقع التواصل)
قناة السويس أواخر القرن التاسع عشر  (مواقع التواصل)

 

ولم يبق بعد ذلك إلا أن تتحين الحكومة البريطانية الفرصة الملائمة لانهيار الدولة العثمانية ماليا إن لم يكن سياسيا لتستولي على مصر كما أشارت إلى ذلك جريدة التايمس لسان حالها حينذاك، وهو ما حدث بالفعل حين تدخلت سياسيا وماليا لتنظيم مالية مصر وفقا لمصالح الدائنين سنة 1876م ثم أعقبه التدخل المسلح والاحتلال الفعلي سنة 1882م[5].

 

الأجانب يتلاعبون بمصر!

كانت الديون السنوية وفوائد المرهقة التي يتسلمها إسماعيل من البنوك الفرنسية والبريطانية لها نتائجها وظلالها الوخيمة السياسية على مصر، خاصة في تشكل صور العلاقة بين الأجانب والمصريين، فقد أصبح الأجانب بمرور الوقت هم أصحاب القرار والقوة والسادة في البلاد، واضطر إسماعيل إلى القبول بنظام المحاكم المختلطة التي كان قضاتها من المصريين والأجانب على السواء، وفي الغالب الأعم كانت هذه المحاكم خنجرا في نظام العدالة، حيث كانت تميل بكليتها إلى مصالح الأجانب على حساب المصريين.

 

في ظل تلك المحاكم امتُهنت كرامة المصريين والفلاحين منهم خاصة، فقد كانت هيئة هذه المحاكم في ذلك الحين تستدعي أي فلاح أمضى أي ورقة بسُلفة أمام قُضاة أجانب وبعد إجراءات أجنبية لم يتعودها بلغة أجنبية لا يفهمها، وبغير أن تكون لديه فرصة الدفاع عن نفسه إن كان فقيرا، وإقامة الحجة على تلك الأرقام، كان في مقدور تلك المحاكم أن تقرر بتزوير تلك الورقة، وتحكم عليه بما قد لا يقل عن تجريده من كل ما يمتلكه قبل أن يتسع له الوقت ليعرف بأي شيء هو مُطالب، وكان نوبار باشا رئيس الوزراء الجديد الذي جاء به البريطانيون سنة 1878م رغما عن أنف المصريين مؤيدا لمصالح التجار الأجانب، وللمحاكم المختلطة [6].

 

المؤرخ الروسي تيودور روزستين مؤلف كتاب "خراب مصر"
المؤرخ الروسي تيودور روزستين مؤلف كتاب "خراب مصر"  (مواقع التواصل)

  

في عام 1876م، وبعد تفاقم أزمة ديون مصر وإعلان إفلاس الدولة العثمانية نتيجة الحرب مع روسيا، وتأثر مصر إعلاميا بهذا الإفلاس -إذ كانت لا تزال تابعة بصورة اسمية للدولة العثمانية-، اتفقت كل من فرنسا وبريطانيا على إرسال لجنة للإشراف على مالية مصر، عُرفت هذه اللجنة باسم لجنة "جوشن – جوبير"، ولم يكن عمل هذه اللجنة مجرد تقييم الأوضاع المالية، والبحث في تدابير عاجلة وعادلة، لكنها بدأت بالفعل في السيطرة على مالية الدولة، وارتهان موارد مصر خدمة للدائنين الذين بلغت مديونياتهم عاجلة الدفع 7 ملايين جنيه، "ولم يكن الحصول على هذا المبلغ الجسيم من الفلاحين المفلسين ممكنا إلا بإكراههم تحت الكرباج على ارتهان أراضيهم للمرابين اليونانيين الذين كانوا يرافقون جباة الضرائب في كل مكان أثناء مرورهم في القرى"[7].

 

ارتهنت موارد مصر المالية لسداد ديون المرابين/حملة الديون الفرنسيين والإنجليز وغيرهم، وتدخلت كل من فرنسا وبريطانيا بثقليهما لكي يوافق إسماعيل على تمكين لجنة "جوبير – جوشن" من مالية مصر والتصرف فيها، وهو الأمر الذي لفت نظر المؤرخ الإنجليزي المستر ماك كون، ورأى أن بريطانيا ألقت ثقلها وتدخلت في الحالة المصرية لصالح الدائنين ولم تفعل هذا مع دول أخرى، يقول:

 

"إنه لمن الغريب جدا أن تكون الحالة المصرية المالية الحالة الخارجية الوحيدة التي أوجبت تدخل وزارة خارجية بريطانيا العظمى، فإنه في نفس السنة التي شدّت فيها أزر إرسالية المستر جوشن والمستر جوبير، الشدّ كله الذي كان يمكن لها إبداؤه بكيفية ملائمة، كان يوجد لا أقل من سبع عشرة دولة مفلسة في جدول نقابة حاملي الأسهم الخارجية الأسود، وبلغت الديون المطلوبة منها 400 مليون جنيه، ومع ذلك لم يُروَ مُطلقا أن الحكومة البريطانية أبدت على إحدى هذه الدول احتجاجا ولو برسالة قنصلية في مصلحة المقرضين".

  

رئيس الوزراء البريطاني بينجامين دزرائيلي (1874- 1880) (مواقع التواصل)
رئيس الوزراء البريطاني بينجامين دزرائيلي (1874- 1880) (مواقع التواصل)

 

ويُرجع المؤرخ البريطاني السبب إلى أن الدائنين في الحالة المصرية "لم يكونوا دائنين من نوع بقية الدائنين؛ فإنهم كانوا في باريس ولندن على السواء أصحاب قوة وبأس في البرلمان والصحافة، وعليه فإن كل وسائل الدوائر الرسمية في البلدين استخدمت لتمكنهم من الحصول على أكثر من الست عشرة أوقية المطلوبة لهم من لحم الفلاحين المصريين البائسين"[8]!

 

على أنه يُضاف فوق ما ذكره كون سابقا إلى أن الجذور التاريخية، والأهمية الجغرافية لمصر، خاصة مع وجود قناة السويس، كانت السبب الأبرز والأهم لتدخل كل من فرنسا وإنجلترا في الشؤون السياسية والمالية لمصر، لقد كان الإنجليز والفرنسيون يعملون وفق خطط لإيقاع مصر وإسقاطها ومن ثم إعلان الحماية عليها.

 

مما لا شك فيه أن تدخل لجنة "جوبير – جوشن" كان بمنزلة احتلال فعلي لمصر، فإنهم وإن كانوا بصورة اسمية تابعين للخديو إسماعيل فإنهم في المقابل كانوا يصدرون القرارات التي تتعارض مع مصالح مصر وأمنها الداخلي، فقط لدفع أقساط الديون في مواعيدها السنوية، ولأجل ذلك فإن "مصروفات البلاط والحريم الكمالية لم تُخفّض إلى أدنى حد فحسب، بل أُجّل دفع مرتبات معظم موظفي الحكومة وحُلّ جزء من الجيش، ولما تبيّن أن تلك الموارد لم تكف للحصول على المال اللازم اقتضى الأمر الالتجاء إلى (الكُرباج) لحمل الفلاحين على تقديم ما عندهم من الأموال"[9].

 

على أن إرهاق المصريين بالديون ورفع أسعار الخدمات والضرائب أدى إلى إصابة البلاد بحالة من الكساد التجاري نتيجة رفع الجمارك وذلك في العام التالي من مجيء اللجنة سنة 1877م، ولم يجد الجلاد الأوروبي إلا الاتجاه إلى محاصيل الفلاحين الفقراء الذين أضناهم التعب والجهد وضريبة العشور، واضطروا تحت كرباج المرابين والحكومة إلى بيع محاصيلهم لشركة إنجليزية بثمن بخس، فزادوا فقرا وفاقة، وعبثا حاول إسماعيل مع الدائنين أن يتوقفوا عن انتهاج هذه الأساليب مع الفلاحين وتأخير دفع قسط من الأقساط رحمة بهم، لكنّ هؤلاء الموظفين الأجانب لم يهتموا بهذا النداء أو يلقوا له بالا.

  

أسرة من الفلاحين المصريين (مواقع التواصل)
أسرة من الفلاحين المصريين (مواقع التواصل)

    

كتب القنصل البريطاني في القاهرة في شهور سنة 1877م إلى حكومته في لندن مُحذّرا من خطورة الأوضاع الاقتصادية بسبب سياسة عمل لجنة "جوشن – جوبير" قائلا: "لقد دفعت مصر في خلال ثمانية أشهر ما يقرب من 6 ملايين جنيه، وهي شهادة ناطقة بحسن النظام الجديد، ولكني أخشى أن نكون قد حصلنا على هذه النتائج بعد هلاك الفلاحين بسبب بيع حاصلاتهم قبل حصادها قسرا، وجباية الضرائب مقدما قبل مواعيدها، هذا فضلا عن أن مرتبات الموظفين الوطنيين التي يعد دفعها بانتظام شرطا أساسا لحسن الإدارة قد أُجّل دفعها لسداد الكوبون وبهذا تكدس ما للمستخدمين من متأخرات"[10].

 

الأجانب يحكمون مصر!

كان عمل اللجنة واعتراضات الخديو عليها سببا في تشكيل بريطانيا من جانب واحد لجنة دولية برئاسة السير ريفرز ويلسون للتحقيق فيما يحدث في القاهرة، وحين جاء ويلسون وتحقق وموظفوه من مالية الدولة المصرية، أصدرت اللجنة تقريرها الذي شوّه صورة إسماعيل، وأعلن للعالم صورة عمل الحكومة المصرية التي وصفها بالفساد وانتشار الرشوة، وسرعان ما أصدرت اللجنة توصياتها بضرورة تشكيل حكومة جديدة برئاسة نوبار باشا الأرمني، على أن يكون ريفرز ويلسون وزيرا للمالية.

  

اعترضت فرنسا بثورة عارمة على استئثار إنجلترا بإدارة شؤون مصر، مما اضطرت معه بريطانيا إلى تعيين المسيو دي بلنيير وزيرا للأشغال العمومية مع توسيع اختصاصه بحيث يشمل السكك الحديدية ومصلحة البريد ما عدا فرعها في الإسكندرية. حينها اعترض كل من دائني إيطاليا والنمسا لتجاهلهما، فعُيّن أحد الإيطاليين رئيسا عاما للحسابات، وأحد النمساويين مساعدا لوزير المالية، وكانت هذه الوزارة الجديدة التي شُكّلت بالفعل سحبا لسلطات الخديو ليحل محلها سلطات الدائنين ومن ورائهم حكوماتهم، كانت باختصار إمعانا في الاحتلال السياسي لمصر قبل مجيء الاحتلال العسكري الصريح[11].

  

كتب السير فرانك لاسل الذي كان قنصلا عاما لإنجلترا في القاهرة في ذلك الوقت إلى وزارة خارجية حكومته تقريرا في 26 أبريل/نيسان سنة 1879م يصف فيه الاستياء العام الذي كان يشمل الشعب المصري قائلا: "ويؤكدون أن هذا الاستياء عينه من الحال الحاضرة منتشر انتشارا كبيرا في الجيش، وأنه ولّد شعور عداء للخديو ليس فقط بين أفراد العسكرية المنتسبين إلى طبقات الأمة المرهقة بل بين الضباط أنفسهم. ويؤكدون لي أيضا أن هؤلاء وإن كرهوا كل الكراهة أي تدخّل أوروبي يعتبرون الخديو مسؤولا عن المصائب التي أصابت البلاد"[12].

   

نوبار باشا، أول رئيس لوزراء مصر (مواقع التواصل)
نوبار باشا، أول رئيس لوزراء مصر (مواقع التواصل)

 

لم يختلف عمل وزارة "نوبار – ويلسون" عن عمل لجنة "جوبير – جوشن"، لا سيما في استخدام الأساليب القاسية للضغط على الفلاحين في استمرار دفع الضرائب المقررة عليهم خدمة لأصحاب الديون، ولضمان دفع أقساطها في المواعيد المحددة، بل "واستقر رأيهم ذات يوم جمعة على القيام "بإصلاح" جديد للحصول على ما يكفي لأداء كوبون أبريل، وأصدروا أمرهم بإقالة 2500 ضابط من ضباط الجيش لم يستلم أحد منهم مرتبه عن الثمانية عشر شهرا السالفة، كما أن الكثيرين منهم كانت لهم مرتبات متأخرة عن ضعفي هذه المدة"[13].

  

كان هذا القرار الذي شرعت الحكومة الأوروبية في تنفيذه برئاسة تابعها نوبار سببا في انهيارها، فقد أحاط عدد من الضباط والعساكر بنوبار وويلسون وأهانوهما وسحبوهما إلى الاعتقال في وزارة المالية، الأمر الذي اضطر معه الخديو إلى التدخل لتخليص الرجلين بمساعدة حرسه الملكي، وإن أشارت بعض الروايات إلى أن هذا العمل كان من تخطيط الخديو نفسه لأنه كان شديد الحنق والكراهية لنوبار وويلسون[14].

 

رحيل الطاغية

تولى توفيق ابن الخديو إسماعيل رئاسة الحكومة الجديدة وأُبعد إسماعيل عنها شكليا، لكنه أصر على إدارة الأمور من وراء ستار وحاول أن يعرقل عملها، وانتهج ويلسون الأسلوب نفسه في الضغط على المصريين، ولم يلبث المصريون أن أرسلوا شكاواهم إلى إسماعيل الذي استغل هذه الشكاوى -وهو السبب الأول والأهم فيها- وقرر عزل هذه الوزارة وتعيين وزارة جديدة برئاسة شريف باشا، وإلغاء أعمال اللجان الأوروبية وعدم الاعتراف بما أصدرته من قرارات، فاعتبر الأوروبيون هذه الوزارة الجديدة "انقلابا حكوميا" يحول دون إعطاء الدائنين حقوقهم، فضلا عن كونه أعاد إسماعيل إلى الواجهة من جديد[15].

  

الخديوي توفيق (مواقع التواصل)
الخديوي توفيق (مواقع التواصل)

 

لم توافق فرنسا وبريطانيا وألمانيا والنمسا وإيطاليا على قرارات إسماعيل الجديدة بخصوص الدائنين وتشكيل الوزارة الجديدة الموالية له، ورأوا أن استمراره في الحكم يعوق مصالحهم في نهب ثروات مصر تحت دعوى "مصالح الدائنين وحقوقهم"، فأرسلوا على الفور مذكرتهم التهديدية له في أوائل يونيو/حزيران 1879م جاء فيها: "الحكومة الفرنسية والحكومة الإنجليزية متفقتان على النصح لسموكم رسميا للتنازل عن العرش ومغادرة مصر، وإذا ما عمل سموكم بهذه النصيحة، فإن حكومتينا سوف تعملان معا من أجل ضمان مخصصات مالية مناسبة يجري التوقيع عليها لكم، وأن مسألة تولي الأمير توفيق بعدكم ستظل بلا مساس، ويجب أن لا يخفى على سموكم أنك إذا رفضت التنازل عن العرش وإذا ما أجبرت مجلس الوزارء الإنجليزي ومجلس الوزراء الفرنسي على مخاطبة السلطان مباشرة، فإنك لن تستطيع الحصول على مخصصات ولا المحافظة على خلافة الأمير توفيق لك"[16].

 

كان اللعب بورقة وراثة العهد وسحبها من إسماعيل وأبنائه بتعيين عمه الأمير حليم المقيم في إسطنبول، وفي الضغط عليه ماليا ورقة ناجحة تماما، وقد اضطر الباب العالي في إسطنبول إلى الاستماع لمطالب الإنجليز والفرنسيين خشية من إعلان الحماية على مصر واهتزاز صورة السلطان العثماني، فأصدر قراره بعزل إسماعيل وتعيين ابنه البكر توفيق خلفا له على عرش مصر.

 

جاء قرار العزل في 26 يونيو/حزيران 1879م، وبعده بأربعة أيام خرج إسماعيل من مصر إلى إيطاليا ومنها إلى إسطنبول التي استقر فيها إلى أن أدركته المنية في 8 مارس/آذار 1895م وبعد وفاته بأسبوع نُقل رفاته إلى الإسكندرية في الليلة نفسها التي اختارها مدير دار الأوبرا في القاهرة لتمثيل رواية "عايدة"، وهي الرواية الملحّنة التي أطرب بها إسماعيل ملوك أوروبا وأمراءها يوم افتتاح قناة السويس، لقد شرب الأوروبيون من دماء إسماعيل ومن ورائه المصريين يوم مُلكه ويوم وفاته!

 

المصريون لا يأبهون للطاغية!

كان يوم عزل إسماعيل ويوم وفاته حدثا عاديا للمصريين لأنهم رأوا فيه أصل الفساد السياسي والمالي، ثم الأصل في مجيء الاحتلال البريطاني إلى بلادهم، يقول روزستين: "إن ما يفعله المؤرخون الرسميون من تصوير الأعيان والعلماء وغيرهم من الطبقات المصرية الراقية في ذلك الوقت في صورة آلات في يد إسماعيل مُسخّرة لأمره فاقدة الاستقلال الخلقي والفكري لمن قبيل العبث بالحقائق التاريخية وتشويهها، قد يكون النواب بحكم الظروف مستعدين للانقياد لإسماعيل ومساعدته في رفع النير الأوروبي عن بلادهم ولكنهم مع ذلك كانوا يمقتونه لأنه كان علة شقائهم وبلائهم وقد بلغ بهم الأمر بعد الانقلاب السياسي (أي بعد إقالة الحكومة الأوروبية وتعيين وزارة شريف باشا) أن فكّروا في عزله، ومما يدلّ على حقيقة مبلغ كره المصريين له أنه لما عُزل وأُخرج من البلاد لم يرتفع صوت واحد بالدفاع عنه"[17].

  


لسنوات طويلة عانى الفلاحون في مصر (مواقع التواصل)
لسنوات طويلة عانى الفلاحون في مصر (مواقع التواصل)

 

كانت سنوات حكم إسماعيل لمصر سنوات شؤم وبلاء، ضاعت فيها البلاد في كومة من الفساد الإداري والمالي والسياسي، بسبب نزوات إسماعيل وعدم وجود كيان رقابي شعبي يحد من سياسته الفاسدة وإن حاول البرلمان الذي أوجده إسماعيل فعل ذلك، وتتجلى تلك الحقيقة مع كل حاكم مطلق أعطى لنفسه العنان في التصرف في ثروات البلاد دون أن يأبه لأنّات المصريين وآلامهم.

 

لقد رأينا إسماعيل واليا مشبعا بالثقافة الفرنسية قبل أن يكون واليا مصريا يحس بآلام شعبه التي أرهقها في تسديد الديون والتي طالما استُخدم الكرباج في التحصل عليها، وهو مع هذا الولع بالنموذج الفرنسي الذي قضى فيه سنين عددا، كان يمقت الدولة العثمانية، ويسعى إلى الاستقلال عنها بكل ما أوتي من قوة، وإن اضطر في أحايين كثيرة إلى دفع الرشاوى، والالتزام بتعهداته ومنها مساعدة العثمانيين عسكريا حين وقعت الحرب الروسية العثمانية سنة 1876م.

 

ولعل هذه التنشئة والثقافة الفرنسية الخالصة جعلت "إسماعيل لا يحسب حسابا للتدخل الأوروبي، وما ينطوي عليه من المطامع التي تهدم كيان الاستقلال، وهذا الخطأ الجسيم في سياسة إسماعيل الخارجية ناشئ عن نزعته الأوروبية، فإن هذه النزعة "جعلته يثق بأوروبا والدول الأوروبية، والجاليات الأوروبية، ثقة عمياء، ويركن إليها، ويعتقد فيها حسن النية، ولا يفطن لمطامعها الاستعمارية، ففتح أبواب البلاد على مصراعيها للتدخل الأجنبي، وسمح للأوروبيين أن يتغلغلوا في مرافعها، ويتولوا المناصب والمراكز الرفيعة في حكومتها، وبلغت به الثقة في سلامة نيتهم حدًّا جعله يقترض القروض الجسيمة بلا حساب من المرابين والبيوت المالية الأجنبية، حتى صار للأجانب في عهده نفوذ سياسي لم يكن لهم من قبل"[18].

المصدر: الجزيرة

حول هذه القصة

  • ميدان - قانصوة الغوري

    السلطان المملوكي قانصوه الغوري.. كيف عزز نهج المماليك في الاستبداد والدم؟

    16/5/2018
  • ميدان - السيسي سي بي أس 22

    بعد مقابلة "سي بي أس".. هل السيسي تافه حقا؟

    28/3/2018
  • في ذكرى وفاة سيد قطب.. هل أثرت كتاباته في تشكيل التيارات الجهادية؟

    في ذكرى وفاة سيد قطب.. كيف أثرت كتاباته في تشكيل التيارات الجهادية؟

    29/4/2018
  • سد النهضة ليس المحاولة الأولى.. هكذا حاول الإثيوبيون قطع النيل عن مصر قديما

    11/7/2021

المزيد من تاريخ

  • السيول تكشف عن منشآت أثرية تعود للعصر الأموي في البادية السوريةالسيول التي ضربت البادية السورية كشفت عن أجزاء من منشآت أثرية تعود للعصر الأموي في محيط قصر الحير الشرقي.
  • الناخب ليس مخدوعا.. قراءة في الترمبية وجذور اليمين الأمريكييرفض المقال القراءتين الليبرالية واليسارية لليمين المتطرف، لأن كلتيهما تراه وعيا زائفا يعالجه التنوير. ويحاجج بأنه تعبير أصيل عن عوالم اجتماعية أنتجها “التطور غير المتكافئ” للرأسمالية.
  • اتفاقية الطائف.. كيف تجاوز اللبنانيون عقدة صلاحيات الرئيس وإلغاء الطائفية؟ فيديو, 02:05بعد وصول 62 نائبا لبنانيا إلى السعودية لمناقشة بنود “اتفاق الطائف”، لاح في الأفق خلاف حاد بشأن صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية.
    02:05
  • فاشيون وشيوعيون معا.. 80 عاما من الإخوان في الوثائق الأمريكيةيتتبع المقال صورة الإخوان المسلمين في الوثائق الدبلوماسية والخطاب الأمريكي من لقاء حسن البنا بدبلوماسي أمريكي عام 1947، حين عرض حلفا ضد الشيوعية، إلى حملة ترمب على عبد الرحمن السيد عام 2026.

الأكثر تداولاً الآن

  1. 1خصم نتنياهو وشريكه في الإبادة.. من هو غادي آيزنكوت؟علي سعادة
  2. 2لوكسمبورغ.. أغنى دول أوروبا تسهل هجرة أصحاب 20 مهنةمحمد صلاح
  3. 3جاؤوا لطردها من شقتها فوجدوها هيكلا عظميا.. ما قصة طبيبة العيون المصرية؟
  4. 4تكليف الرئيس لا يكفي.. 4 سيناريوهات أمام آيزنكوت لتشكيل الحكومة
  1. 5شهادة ضابط استخبارات أمريكي: لماذا أخطأنا في فهم اليمن؟أحمد مولانا
  2. 6إيران.. اصطدام ناقلتي نفط بألغام بحرية وواشنطن تعطل سفينة بخليج عُمانرضا ياسين
  3. 7اليمن.. الحوثيون يعلنون سقوط قتلى بصنعاء والتحالف يعترض صواريخ بالرياضرضا ياسين
  4. 8ما وراء ظهور رئيس حزب البشير والرسائل التي أطلقها؟النور أحمد النور

تابع الجزيرة نت على:

  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

تابع الجزيرة نت على:

من نحن
  • من نحن
  • الأحكام والشروط
  • سياسة الخصوصية
  • سياسة ملفات تعريف الارتباط
  • تفضيلات ملفات تعريف الارتباط
  • بيان إمكانية الوصول
  • خريطة الموقع
تواصل معنا
  • تواصل معنا
  • احصل على المساعدة
  • أعلن معنا
  • ابق على اتصال
  • النشرات البريدية
  • رابط بديل
  • ترددات البث
  • بيانات صحفية
شبكتنا
  • مركز الجزيرة للدراسات
  • معهد الجزيرة للإعلام
  • تعلم العربية
  • مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان
قنواتنا
  • الجزيرة الإخبارية
  • الجزيرة الإنجليزي
  • الجزيرة مباشر
  • الجزيرة الوثائقية
  • الجزيرة البلقان
  • عربي AJ+

جميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية